قبل 8 ساعە
الهامي المليجي
15 قراءة

طهران تدقّ ما تبقّى من مسامير في نعش الإمبراطورية الأميركية

ما يجري ليس مجرّد حرب على إيران، بل اختبار وجودي لهيبة واشنطن: فإذا عجزت النار عن كسر الإرادة، تحوّلت المعركة نفسها إلى مسمار جديد في نعش الأحادية الأميركية.

ليست كلّ حرب استعراضاً للقوة؛ بعض الحروب تكون اعترافاً مذعوراً بأنّ القوة نفسها بدأت تفقد قدرتها على إخضاع التاريخ. حين تلجأ الإمبراطوريات إلى النار كي ترمّم هيبتها المتصدّعة، فإنها لا تعلن سطوتها بقدر ما تكشف خوفها من زمن يتفلّت من قبضتها.

هكذا كان العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، وهكذا تبدو الحرب على إيران اليوم. في الحالتين لم يكن القصف مجرّد فعل عسكري، بل محاولة كبرى لإعادة رسم الموازين بالقوة، وإجبار إرادة متمرّدة على العودة إلى بيت الطاعة. لكنّ السؤال الذي يفصل بين حرب تصنع الهيبة وحرب تفضح حدودها يبقى واحداً: هل تستطيع النار أن تنتج خضوعاً؟ أم أنّ فائض التدمير، حين يعجز عن كسر الإرادة، يتحوّل إلى شهادة جديدة على أنّ الإمبراطورية دخلت طور الأفول؟

الإمبراطوريات حين ترتبك… تذهب إلى الحرب
الإمبراطوريات لا تعترف بسهولة بأنها دخلت طور التراجع. تفعل كلّ شيء كي تؤجّل لحظة الاعتراف: تضخّ مزيداً من السلاح، ترفع منسوب العنف، توسّع خرائط الاستباحة، وتخوض الحروب كأنها تخوض معركة أخيرة مع الزمن نفسه. ليست الحرب هنا علامة ثقة كاملة بالنفس، بل علامة خوف من فقدان القدرة على فرض الطاعة القديمة.

حين أمّم جمال عبد الناصر قناة السويس، لم تتحرّك بريطانيا وفرنسا و"إسرائيل" لأنها فوجئت فقط بقرار سيادي كبير، بل لأنها رأت فيه صفعة على وجه نظام كامل تأسس على أنّ هذه المنطقة لا يجوز لها أن تقرّر مصيرها بنفسها. كان المطلوب من العدوان أن يعيد مصر إلى حجمها الذي رسمه الاستعمار لها، وأن يلقّن كلّ من يفكّر بالخروج من العباءة درساً قاسياً.

لكنّ ما حدث كان على العكس تماماً. فالعدوان الذي أريد له أن يكون استعراضاً ساحقاً للقوة، تحوّل إلى بداية انكشاف تاريخي لإمبراطوريتين هرمتين. لم تستطع الحرب أن تستعيد الزمن الاستعماري الذي كان ينهار، ولم تستطع أن تكسر مصر، ولا أن تنتزع منها حقّها في السيادة. وهكذا، بدل أن تؤكّد بريطانيا وفرنسا أنهما لا تزالان سيدتي المشهد، قدّمتا للعالم برهاناً مريراً على أنّ زمنهما بدأ ينقضي.

الهزيمة التي أصابت الإمبراطورية لا الميدان فقط
ليست قيمة السويس في أنها انتهت بانسحاب المعتدين فحسب، بل في أنها كشفت شيئاً أبعد من النتيجة العسكرية المباشرة. كشفت أنّ القوة حين تعجز عن فرض المعنى السياسي لحربها، تتحوّل من أداة سيطرة إلى أداة فضح. فبريطانيا وفرنسا لم تخسرا فقط موقعاً أو معركة؛ خسرتا صورتهما كقوتين قادرتين على إخضاع إرادة شعب قرّر أن يدفع ثمن حريته.

وهذا هو بيت القصيد في كلّ المقارنات التاريخية الجادّة: الحروب لا تُقاس فقط بعدد القذائف أو حجم الدمار، بل بقدرة المعتدي على تحويل هذا الدمار إلى نتيجة مستقرة. فإذا امتلك السماء وعجز عن كسر الإرادة، امتلك آلة الحرب وخسر معناها. وإذا صبّ النار كلّها ثم لم يُنتج خضوعاً، تكون الحرب قد بدأت تعمل ضده، لا لصالحه.

الحرب التي أرادت استعادة الردع فانقلبت إلى اختبار له
من هذه الزاوية وحدها يمكن فهم ما يجري اليوم. فالحرب على إيران ليست مجرّد عملية عقابية عابرة، ولا مجرّد جولة جديدة في صراع إقليمي طويل. إنها محاولة أميركية-صهيونية لإعادة ترميم الردع، وإعادة رسم حدود المسموح والممنوع في الإقليم، وتوجيه ضربة تقول للجميع إنّ واشنطن لا تزال قادرة على فرض المشهد كما تريد.

لكنّ الوقائع التي تتكشّف تباعاً تدفع باتجاه معاكس. بدل أن تؤدّي الحرب إلى صدمة حسم سريعة، أخذت تتحوّل إلى حرب مفتوحة الكلفة، متعدّدة الجبهات، متدحرجة النتائج. القواعد الأميركية لم تعد خارج النيران، و"إسرائيل" لم تعد وحدها في موقع الضارب، وخصوم واشنطن لم يتصرّفوا ككتلة مذهولة تنتظر الضربة التالية، بل كمن قرّر أن يرفع الكلفة إلى الحدّ الأقصى، وأن ينقل المعركة من منطق الضربة إلى منطق الاستنزاف والإنهاك.

هنا يتقدّم السؤال الأخطر: ماذا لو أنّ الحرب التي شُنّت لاستعادة الهيبة، صارت هي نفسها ساحة لانكشاف حدود هذه الهيبة؟

الردع حين يتعثّر تحت النار
أزمة الإمبراطوريات لا تبدأ حين تُهزم نهائياً، بل حين تبدأ صورتها في التصدّع. الردع، في جوهره، ليس مجرّد صواريخ وطائرات وقواعد. الردع هو اقتناع خصومك والعالم بأنك حين تتحرّك، فإنّ النهاية معروفة سلفاً. فإذا تحرّكت، ثم طال أمد الحرب، وتوسّعت الجبهات، وارتفعت الكلفة، وبقي الخصم واقفاً، فإنّ أول ما يتآكل ليس الذخيرة، بل الأسطورة.

وهذا تحديداً ما يجعل اللحظة الراهنة أبعد من مجرّد تبادل ضربات. الإمبراطورية هنا لا تواجه فقط خصماً يردّ، بل تواجه امتحاناً لصورتها عن نفسها. ماذا يعني أن تضرب ولا تُنهي؟ أن تفتح الحرب ولا تملك إغلاقها بالشروط التي بدأت بها؟ أن تملك فائض تدمير هائلاً، ثم تجد أنّ الإقليم كلّه يتحوّل إلى حقل ألغام سياسي وعسكري واقتصادي في وجهك؟

حين تصل الأمور إلى هذه النقطة، لا تعود الحرب مجرّد أداة لإخضاع الخصم، بل تصبح اختباراً قاسياً لقدرة المركز الإمبراطوري على التحكّم في نتائج العنف الذي أطلقه.

حين تدخل الجغرافيا إلى قلب المعادلة
هنا يظهر مضيق هرمز لا كممرّ بحري فحسب، بل كقلب نابض للأزمة كلّها. فحين تتمكّن إيران من تحويل الجغرافيا إلى سلاح، تصبح الحرب أكبر من مواجهة صاروخية بين أطراف متصارعة؛ تصبح حرباً على شريان الطاقة العالمي، وعلى استقرار الأسواق، وعلى أعصاب الحكومات والحلفاء والمستهلكين.

في هذه اللحظة، لا تعود المسألة: من قصف من؟ بل: من الذي صار عاجزاً عن حماية النظام الذي يزعم قيادته؟ وما قيمة الهيمنة إذا كانت الحرب التي أطلقتها لتأكيد سيطرتك تقود إلى اختناق الملاحة، وقفزات النفط، وذعر الأسواق، واتساع المطالب الدولية بوقف النار؟

هذا هو الوجه الأخطر في المشهد. فالجغرافيا هنا لا تعمل في الهامش، بل في القلب. وهرمز، بما يمثّله من وزن استراتيجي وطاقوي، لا يضيف إلى الحرب عنصر ضغط فحسب، بل يضع الهيمنة الأميركية نفسها أمام سؤال وجودي: هل لا تزال قادرة على ضبط العالم، أم أنها باتت جزءاً من فوضاه الكبرى؟

من ميدان القتال إلى ميدان الاقتصاد
لطالما قدّمت الولايات المتحدة نفسها بوصفها الحارس الأكبر للنظام الدولي، ولحرية الملاحة، ولتدفّق الطاقة، وللاستقرار المالي العالمي. لكنّ الحرب الراهنة تحمل مفارقة قاسية: القوة التي تزعم حماية النظام باتت، بفعل اندفاعها العسكري، أحد أهم مصادر اختلاله.

حين تقفز أسعار النفط، وتضطرب سلاسل الإمداد، وترتفع كلفة التأمين والشحن، ويتسع القلق من ركود وتضخّم واهتزاز في الأسواق، فإنّ المسألة لم تعد مسألة حرب بعيدة عن المركز. لقد أصبحت الحرب نفسها عبئاً على النظام الذي تدّعي واشنطن أنها عموده الفقري.

وهنا يبدأ التحوّل العميق. لأنّ الإمبراطوريات لا تُستنزف فقط بالخسائر العسكرية المباشرة، بل أيضاً بتحوّل قوتها إلى عبء على حلفائها، وعلى اقتصادها، وعلى صورة إدارتها للعالم. وحين تغدو الحرب التي شُنّت لإعادة فرض الانضباط سبباً في اتساع الفوضى، فإنّ معنى القيادة نفسه يدخل في أزمة.

من امتصاص الضربة إلى قلب المعادلة
في هذا السياق، لا يمكن النظر إلى الأداء الإيراني، ولا إلى دور حزب الله، بمنطق ردّ الفعل المحدود. ما يتكشّف هو تطوّر في طبيعة الاشتباك نفسه: من امتصاص الضربة الأولى إلى السعي لقلب معادلة الحرب عبر توسيع الكلفة، وإرباك مراكز القرار، ونقل الصراع من ساحة واحدة إلى فضاء إقليمي مفتوح.

الخصم هنا لم يعد يواجه جبهة صامتة أو دفاعاً مرتبكاً، بل يواجه إرادة تقول بوضوح: إذا فتحتم أبواب النار، فلن تبقى النار عند حدودكم التي رسمتموها أنتم. وهذا هو التحوّل الأخطر في أيّ حرب: أن يفقد المعتدي امتياز تحديد الساحة، وتوقيت الردّ، ومستوى الكلفة.

هذا لا يعني أنّ ميزان القوى انقلب نهائياً، ولا أنّ الولايات المتحدة و"إسرائيل" فقدتا قدرة الإيلام. لكنّ المؤكّد أنّ الحرب لم تعد خطاً مستقيماً من ضربة إلى نتيجة، بل صارت مشهداً مركّباً تتداخل فيه الصواريخ بالممرات البحرية، والميدان بالاقتصاد، والردع بالهيبة، والحسابات العسكرية بالأسواق العالمية.

إذا توقّفت الحرب الآن… من الذي يكون قد خسر صورته؟
هنا نصل إلى النقطة المفصلية. إذا توقّفت الحرب، أو فُرض عليها التوقّف، بعد كلّ هذا الاتساع في الجبهات، وبعد تعاظم كلفة هرمز، وبعد تعرّض القواعد الأميركية للضرب، وبعد عجز "إسرائيل" عن تحويل تفوّقها الناري إلى مشهد خضوع واضح، فكيف سيُقرأ ذلك؟

لن يُقرأ، في نظر كثيرين، بوصفه إدارة ناجحة للأزمة. سيُقرأ بوصفه لحظة اضطرت فيها القوة الأعظم إلى التراجع خطوة، لا لأنّ نيّاتها تغيّرت، بل لأنّ كلفة الاستمرار صارت أعلى من قدرتها على جني مكاسب سياسية حاسمة. وهذا بحدّ ذاته ضربة ثقيلة لهيبة واشنطن، لأنّ أخطر ما يمكن أن يصيب الإمبراطورية ليس أن تُستنزف فقط، بل أن يُكتشف أنها ليست قادرة دائماً على تحويل تفوّقها العسكري إلى إرادة نافذة.

وهنا يتجدّد درس السويس، لا كاستعارة بل كقانون تاريخي يكاد يعيد نفسه: حين تعجز الحرب عن انتزاع الخضوع، تبدأ في دقّ المسامير في صورة الإمبراطورية التي أطلقتها.

ليس سقوطاً فورياً… لكنه تآكل تاريخي متسارع

لا، ليست الولايات المتحدة بريطانيا 1956. والفارق بين الإمبراطوريتين، في البنية والامتداد والقدرات، فارق هائل. وليس من الجدّية تحويل كلّ أزمة إلى إعلان متسرّع عن السقوط النهائي. لكنّ التاريخ لا يعمل بهذه الفجاجة أصلاً. الإمبراطوريات لا تنهار في ضربة واحدة، بل تتآكل في سلسلة من الاختبارات التي تكشف حدودها، وتراكم الشقوق في جدارها، وتبدّد الهالة التي كانت تحيط بها.

ومن هذه الزاوية، تبدو الحرب الراهنة واحدة من تلك الاختبارات الكاشفة. لا لأنها ستسقط أميركا غداً، بل لأنها قد تسرّع انتقال العالم من لحظة الهيمنة الأميركية المنفردة إلى لحظة أكثر تعقيداً وتعدداً وصداماً، لحظة تتقدّم فيها قوى دولية كروسيا والصين، وتتصاعد فيها أدوار البريكس، وتتسع فيها رغبة كثير من الدول في كسر المركز الواحد الذي حكم العالم منذ تفكّك الاتحاد السوفياتي.

ليست الحرب إذاً مجرّد صراع على إيران، بل جزء من صراع أوسع على شكل العالم المقبل.

صوت المسامير
قد لا تكون هذه الحرب المسمار الأخير في نعش الإمبراطورية الأميركية، لكنّ الأرجح أنها ليست حدثاً عابراً في سجل هيمنتها. فبعض الحروب لا تُقاس بخرائط النار وحدها، بل بما تكشفه من حدود الحسم، وهشاشة الردع، وعجز القوة عن تحويل التفوّق العسكري إلى طاعة سياسية دائمة.

في السويس، لم تخسر بريطانيا وفرنسا لأنهما كانتا أقلّ سلاحاً، بل لأنّ الحرب كشفت أنّ زمنهما السياسي بدأ ينفد. واليوم، إذا خرجت واشنطن من هذه المواجهة من دون الحسم الذي أرادته، وبعد أن تمدّدت النار إلى القواعد والممرات البحرية والأسواق وصورة الهيبة نفسها، فإنّ التاريخ قد يسجّل ما يجري بوصفه واحدة من اللحظات التي لم تعد فيها الحرب برهاناً على مجد الإمبراطوريات، بل صارت برهاناً على تصدّعها.

الإمبراطوريات لا تسقط دفعة واحدة. تتآكل أولاً في صورتها، ثم في قدرتها على إخافة العالم، ثم في عجزها عن تحويل النار إلى مستقبل. وعند تلك النقطة، لا يعود دويّ الصواريخ هو الصوت الأعلى، بل ذلك الصوت الأعمق الذي لا تخطئه أذن التاريخ: صوت المسامير وهي تُدقّ في نعوشها.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الاشراق وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً

Copyright © 2017 Al Eshraq TV all rights reserved Created by AVESTA GROUP