اتفاق هش يعيد رسم خرائط القوة في غرب آسيا
في العلاقات الدولية، لا تُقاس قيمة الاتفاقات بما يُكتب على الورق فقط، بل بالظروف التي تُنتجها وبميزان القوة الذي يفرضها. فالدبلوماسية هي "فنّ تقييد القوة بالقوة ذاتها" على حدّ تعبير هنري كيسنجر.
من هنا فإنّ ما جرى بين واشنطن وطهران لا يبدو مجرّد تفاوض تقني حول بنود، بل اختباراً مكشوفاً لمعادلة الردع في لحظة إقليمية تتداخل فيها السياسة بالعسكرة، والوساطة بالتهديد. هنا لا يعود الزمن الدبلوماسي هو الحاكم، بل زمن آخر أكثر قسوة: زمن الاقتراب من الحرب من دون الدخول فيها.
مفاوضات على حافة الحرب..
لم تكن المفاوضات بين واشنطن وطهران مساراً دبلوماسياً مستقلّاً، بل سلسلة من محاولات متكرّرة للتوصّل إلى مذكّرة تفاهم تتكوّن من أربعة عشر بنداً، ظلّت متعثّرة حتى لحظاتها الأخيرة، ما عكس هشاشة التوازنات السياسية المحيطة بها.
المعطيات تشير إلى أنّ النصّ كان جاهزاً فعلياً في ست مناسبات خلال أسابيع قليلة، لكنّ التوقيع كان يُعاد تأجيله في كلّ مرة بفعل إدخال مطالب أميركية إضافية أو تعديل شروط سبق الاتفاق عليها، بما يعكس منطق تفاوض لا يقوم على الحسم، بل على اختبار حدود الإرهاق السياسي للطرف المقابل.
هذا النمط من "التأجيل التفاوضي" لا يمكن فهمه خارج سياق ما يسمّيه منظّرو الواقعية السياسية بـ "إدارة التصعيد المضبوط"، حيث لا يكون الهدف إنهاء الأزمة بقدر ما يكون تحسين شروط التفاوض عبر رفع مستوى الضغط تدريجياً.
لكن في المقابل، لم يكن الطرف الإيراني يتحرّك ضمن منطق دفاعي فقط، بل ضمن استراتيجية ردع نشط، اتضح في إشارات ميدانية مرتبطة بجاهزية عسكرية من منصات إطلاق واستعدادات عملياتية، جرى تفسيرها في دوائر الوساطة على أنها انتقال من خطاب الضغط السياسي إلى التهديد الفعلي القابل للتنفيذ.
الأهمّ في هذا السياق أنّ الرسائل الإيرانية التي نُقلت عبر الوسطاء حملت مضموناً واضحاً: أيّ تراجع أميركي إضافي في اللحظة الأخيرة لن يُقابل بمزيد من التفاوض، بل بتحرّك فوري. وهنا يصبح الزمن عنصراً حاسماً في المعادلة، ليس بوصفه إطاراً إجرائياً للاتفاق، بل كعامل ضغط استراتيجي يحدّد شكل القرار نفسه.
وبهذا المعنى، لم يعد السؤال متعلّقاً بمحتوى المذكّرة فحسب، بل بتحوّل جوهري في طبيعة التفاوض ذاته: من منطق البحث عن تسوية إلى منطق إدارة احتمال الانفجار. فالاتفاق، في هذه الحالة، لا يُولد من التوافق، بل من الخوف المتبادل من لحظة ما بعد الفشل.
هندسة وسيطة غير مسبوقة…
إذا كانت الواقعية الكلاسيكية في العلاقات الدولية تفترض أنّ الدولة هي "الفاعل المركزي" وأنّ التفاوض يتمّ في خطوط ثنائية أو ثلاثية واضحة، فإنّ ما تكشفه هذه الجولة من التفاوض بين واشنطن وطهران هو شيء أقرب إلى تفكّك هذا النموذج نفسه.
فالاتفاق لم يعد يُنتج داخل غرف مفاوضات مغلقة، بل داخل "شبكة وسيطة متعدّدة المراكز" تتقاطع فيها الجغرافيا السياسية بالجغرافيا الاقتصادية، وتندمج فيها الدبلوماسية غير الرسمية مع قنوات النفوذ المالي والديني والأمني.
في هذا السياق برزت باكستان كحلقة مفصلية غير تقليدية في إدارة الاتصال بين الطرفين. فهي تمتلك من جهة وصولاً مباشراً إلى دوائر القرار الأميركي العليا، بما في ذلك قدرة تواصل استثنائية مع الرئيس الأميركي، ومن جهة أخرى تحتفظ بعلاقات عميقة مع إيران تتجاوز منطق المصالح التقليدية إلى روابط ثقافية ودينية تعزّز قابلية الثقة.
وفي لحظة مفصلية من التصعيد، نُقل عبر القنوات الباكستانية خطاباً شديد اللهجة من وزير الخارجية الإيراني حول الجاهزية للردّ العسكري، ووصل خلال دقائق إلى واشنطن، بما يعكس تحوّل الوساطة من بطء الدبلوماسية إلى سرعة "الاتصال الاستراتيجي الفوري"، وهو ما يغيّر طبيعة القرار نفسه، لا مجرّد توقيته.
كما اكتسبت الوساطة الباكستانية بعداً رمزياً إضافياً عندما زارت وفود دينية باكستانية طهران ضمن ترتيبات ذات طابع اجتماعي– ديني، شملت شخصيات شيعية في سياق تقديم العزاء والمواساة. ورغم طابعها غير السياسي ظاهرياً، فقد اعتُبرت في الإدراك الإيراني شكلاً من الاعتراف السياسي غير المباشر، أي أنّ الرمزية الاجتماعية تحوّلت إلى رأسمال سياسي ضمن معادلة تفاوضية معقّدة.
بالتوازي، لم تكن الصين طرفاً مباشراً في التفاوض، لكنها أدّت دور "المهندس الصامت" للبنية التحتية الجيو-اقتصادية التي جعلت هذا التفاوض ممكناً. فقد شجّعت بيجين توسيع المعابر البرية بين باكستان وإيران وربطها بالممرّ الاقتصادي الصيني– الباكستاني، بما أدّى إلى إعادة توجيه جزء من تدفّقات التجارة والطاقة خارج منظومة الضغط الغربي.
وهنا لم يعد الحديث عن دبلوماسية تقليدية، بل عن "إعادة تشكيل خريطة الاعتماد الاقتصادي" بين أطراف النزاع.
وفي الإطار الإقليمي الأوسع، لم تتحرّك دول الخليج ككتلة واحدة، بل كشبكات مصالح متداخلة. فقد كانت قطر حاضرة في طهران في لحظة التصعيد، مستندة إلى تاريخ طويل من قنوات التواصل والتفاهم غير المباشر بين البلدين.
في المقابل، اتخذت الإمارات موقعاً أكثر تعقيداً، يجمع بين الاصطفاف الأمني مع الولايات المتحدة والانخراط في مسارات تهدئة غير مباشرة، شملت نقل رسائل سياسية ومالية حسّاسة في لحظات حرجة.
أما السعودية ومصر وتركيا، فقد تحرّكت كلّ منها وفق منطقها الخاصّ، بين الوساطة، وإدارة التوازن، وإعادة التموضع في نظام إقليمي غير مستقر.
هكذا لم تعد الوساطة وظيفة دبلوماسية تقليدية تُمارس عبر وزارة خارجية أو قنوات رسمية فقط، بل أصبحت بنية متعدّدة الطبقات تشمل التجارة، والتمويل، والدين، والأمن، وحتى الرمزية الاجتماعية.
وبهذا المعنى، يمكن القول: إنّ ما نشهده ليس مجرّد تعدّد في الوسطاء، بل "ولادة نظام وساطة متعدّد المراكز في غرب آسيا" يعيد تعريف من يملك القدرة على إنتاج الاتفاق، ومن يملك القدرة على منعه.
المضيق، والنووي… إعادة تشكيل ميزان القوة الإقليمي
إذا كان جوهر السياسة الدولية، كما يذهب مورغنثاو، هو "صراع دائم على القوة ضمن بيئة فوضوية"، فإنّ ما يتكشّف في الإقليم اليوم لا يتعلّق باتفاق بقدر ما يتعلّق بإعادة توزيع أدوات القوة ذاتها. فالتوازنات العسكرية بين "إسرائيل" وإيران لم تعد تُقاس فقط بحجم الترسانة أو نوعية السلاح، بل بمدى القدرة على الحركة الجغرافية، ومرونة الدعم اللوجستي، واستمرارية الغطاء السياسي الخارجي.
في هذا السياق، تشير المعطيات إلى أنّ "إسرائيل" تواجه قيوداً متزايدة في أيّ مواجهة محتملة مع إيران، خصوصاً في ما يتعلّق بطائرات التزوّد بالوقود ومسارات العبور الجوي عبر دول المنطقة، وهو ما يقلّص بشكل ملموس قدرتها على تنفيذ ضربات بعيدة المدى من دون دعم أميركي مباشر أو شبه مباشر.
لكنّ البعد العسكري لا ينفصل عن البنية السياسية الداخلية. فداخل "إسرائيل"، يتصدّر بنيامين نتنياهو المشهد بوصفه قائداً تتحكّم في حساباته شبكة معقّدة من الضغوط السياسية والقضائية، بما في ذلك ملفات قانونية مفتوحة تجعل استمرار حالة الحرب عنصراً مهماً في إعادة إنتاج موقعه السياسي.
وفي هذا الإطار، يصبح القرار العسكري جزءاً من معادلة بقاء داخلي، وليس فقط استجابة لاعتبارات استراتيجية خارجية. ورغم ذلك، أعلنت "إسرائيل" رسمياً أنها غير ملزمة بأيّ تفاهم أميركي– إيراني، مؤكّدة استمرار عملياتها العسكرية، في موقف يعكس محاولة الحفاظ على هامش استقلال قرارها رغم التحوّلات الإقليمية.
في المقابل، نقلت قنوات غير مباشرة رسائل إيرانية مفادها أنّ طهران قد تتجاوز منطق الردع غير المباشر إلى الفعل المباشر إذا استمر التصعيد الإسرائيلي، في وقت التزمت فيه واشنطن صمتاً فُسّر على أنه امتناع عن المنع من دون إعلان موافقة، وهو ما خلق فراغاً استراتيجياً حسّاساً في بنية الردع الإقليمي. هذا الفراغ يضع "إسرائيل" في موقع أقلّ دعماً أميركياً ممّا اعتادت عليه خلال العقود الماضية، ويعيد تعريف مفهوم "المظلّة الأمنية" الأميركية في المنطقة.
أما في الملف النووي، فالصراع لا يزال يتمحور حول تعريف الشرعيّة نفسها. إيران تتمسّك بحقّها في التخصيب وفق معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، معتبرة أنّ هذا الحقّ سياديّ وغير قابل للتنازل الكامل، بينما ترى واشنطن أنّ أيّ اتفاق لا يكتمل من دون وقف التخصيب أو تقليصه إلى الحدّ الأدنى، مع استمرار الخلاف حول آليات التحقّق وتباين الروايات حول طبيعة الالتزامات المتبادلة. وهنا يتضح أنّ الأزمة ليست تقنية، بل قانونية – سيادية في جوهرها، تتعلّق بتفسير النظام الدولي نفسه لا ببنوده فقط.
وفي مستوى أكثر حساسية، يبرز ملف مضيق هرمز بوصفه نقطة التحوّل الأهمّ في إعادة تشكيل ميزان القوة. فالمعطيات تشير إلى إعادة تعريف إدارة المضيق ضمن تفاهم إيراني– عُماني يتضمّن رسوماً وخدمات وملاحة منظّمة، بما يمنح إيران دوراً سيادياً متزايداً في أحد أهمّ الشرايين النفطية في العالم. هذا التحوّل لا يُقرأ فقط كترتيب إداري، بل كإعادة توزيع للسيادة على الممرات الحيوية، وهو ما أثار جدلاً داخلياً في إيران حول تكلفة المقايضة بين النفوذ الاقتصادي ورفع العقوبات وتحرير الأصول المجمّدة.
وتبقى الصورة النهائية مفتوحة على ثلاثة سيناريوهات رئيسية: توقيع رسمي لاتفاق يُفسَّر بشكل مختلف بين الطرفين، أو تصعيد إسرائيلي يعيد تفكيك المسار التفاوضي، أو ولادة وثيقتين متناقضتين تحملان قراءتين مختلفتين للحظة السياسية نفسها، بما يعيد إنتاج الأزمة بدل حلّها.
وفي جميع الحالات، فإنّ ما يجري يتجاوز حدود الاتفاق الجزئي، ليعكس تحوّلاً أعمق في بنية النظام الإقليمي: تراجع مركزية الدور الأميركي، وصعود شبكة قوى متعدّدة المراكز تمتد من باكستان إلى الخليج مروراً بالصين، في لحظة يعاد فيها تعريف معنى القوة، وحدود التفاوض، وشروط الاستقرار في غرب آسيا.