قبل 5 ساعە
شاهر الشاهر
12 قراءة

روسيا والصين: إعادة هندسة القوة في عالم ما بعد الهيمنة الأميركية

تتجه الأنظار إلى بكين التي استقبلت الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بعد أن ودعت الرئيس ترامب، في مشهد يعكس تحولها إلى عاصمة للقرار الدولي.

العلاقات بين روسيا والصين لم تعد مجرّد تقاطع مصالح بين قوتين كبيرتين تبحثان عن توسيع نفوذهما الدولي، بل تحوّلت خلال العقدين الأخيرين إلى واحدة من أكثر الشراكات تأثيراً في إعادة تشكيل النظام الدولي. 

العلاقة بين البلدين لم تعد تُقرأ فقط من زاوية الاقتصاد أو الأمن، بل من زاوية التحوّل التاريخي في بنية القوة الدولية، حيث يتراجع اليقين الأميركي تدريجياً، فيما تتقدّم قوى جديدة لإعادة تعريف موازين النفوذ ومفهوم القيادة العالمية.

تكتسب زيارة الرئيس بوتين إلى الصين أهمية استثنائية، لأنها تأتي في لحظة دولية شديدة الحساسية، تتداخل فيها الحرب في أوكرانيا مع الصراع الأميركي - الصيني، وتتقاطع فيها ملفات الطاقة والتكنولوجيا والأمن البحري والعقوبات الاقتصادية. لذلك، فإن أي لقاء بين موسكو وبكين لم يعد حدثاً بروتوكولياً عادياً، بل رسالة استراتيجية موجهة إلى العالم بأسره.

لقد أدرك البلدان، منذ وقت مبكر، أن النظام الدولي يتجه نحو مرحلة انتقالية طويلة، وأن التوازنات الجديدة لن تُصنع بالقوة العسكرية وحدها، بل بقدرة الدول على بناء شبكات نفوذ اقتصادية ومالية وسياسية عابرة للقارات. ومن هنا، جاءت الشراكة بينهما باعتبارها محاولة لإنتاج "هندسة توازن" جديدة، لا تقوم على إسقاط الغرب بقدر ما تقوم على منع احتكاره للقرار الدولي.

من التقارب السياسي إلى الشراكة الاستراتيجية
شهدت العلاقات الروسية - الصينية تحولات عميقة منذ نهاية الحرب الباردة. فبعد عقود من التوتر الأيديولوجي والصراع الحدودي خلال الحقبة السوفياتية، انتقلت الدولتان تدريجياً إلى مرحلة من البراغماتية السياسية، ثم إلى شراكة استراتيجية شبه شاملة.

ومع وصول شي جين بينغ وفلاديمير بوتين إلى قمة السلطة، اكتسبت العلاقة بُعداً شخصياً واضحاً. فالرجلان لا يتعاملان فقط بوصفهما رئيسي دولتين، بل بوصفهما شريكين في رؤية عالمية مشتركة تقوم على رفض الأحادية الأميركية، والدعوة إلى نظام دولي “متعدد الأقطاب”.

هذا البعد الشخصي لعب دوراً مهماً في ترسيخ الثقة السياسية بين البلدين. فالعلاقات الدولية، مهما بدت محكومة بالمصالح، تبقى بحاجة إلى "كيمياء سياسية" بين القادة، خصوصاً في اللحظات التاريخية الكبرى. وقد بدا واضحاً خلال السنوات الأخيرة أن بوتين وشي نجحا في بناء مستوى عالٍ من التفاهم الاستراتيجي، انعكس في تنسيق المواقف داخل المؤسسات الدولية وفي الملفات الجيوسياسية الحساسة.

ويكفي النظر إلى حجم التنسيق بين موسكو وبكين داخل مجلس الأمن الدولي لفهم طبيعة هذه الشراكة. فالبلدان يتبنيان مواقف متقاربة تجاه قضايا عديدة، من إيران إلى كوريا الشمالية، مروراً بسوريا وأوكرانيا وتايوان. كما يعارضان استخدام العقوبات الأحادية بوصفها أداة لإعادة تشكيل الأنظمة السياسية أو إخضاع الدول المنافسة.

لقد بات واضحاً أن موسكو وبكين تنظران إلى الضغوط الغربية باعتبارها تهديداً مشتركاً، لا مجرد خلافات منفصلة. ولذلك، فإن العلاقة بينهما تجاوزت مفهوم "التنسيق التكتيكي"، لتقترب أكثر من صيغة "الشراكة الاستراتيجية طويلة المدى".

حين تشعر القوى الكبرى بأنها مستهدفة ضمنياً من النظام القائم، فإنها تبدأ ببناء نظام موازٍ من داخل النظام نفسه، وهذا ما تفعله روسيا والصين اليوم بهدوء وصبر استراتيجي.

الاقتصاد والطاقة… إعادة كتابة قواعد النفوذ
إذا كانت السياسة تمنح العلاقات الروسية - الصينية بعدها الاستراتيجي، فإن الاقتصاد والطاقة يشكّلان العمود الفقري لهذه الشراكة.

حجم التبادل التجاري بين البلدين ارتفع بصورة غير مسبوقة خلال السنوات الأخيرة، متجاوزاً مئات المليارات من الدولارات، في مؤشر واضح على انتقال العلاقة من مستوى التنسيق السياسي إلى مستوى التشابك الاقتصادي العميق. 

أسهمت العقوبات الغربية المفروضة على روسيا في تسريع هذا التحول، إذ أصبحت الصين الشريك الاقتصادي الأكبر لموسكو، فيما وجدت روسيا في السوق الصينية منفذاً حيوياً لتعويض جزء كبير من خسائرها الأوروبية.

وفي قطاع الطاقة تحديداً، تبدو العلاقة أكثر وضوحاً. فالصين تُعد اليوم من أكبر مستوردي النفط والغاز الروسيين، بينما تقدم موسكو لبكين إمدادات مستقرة وبأسعار تفضيلية وحسومات مهمة، خصوصاً بعد إعادة توجيه الصادرات الروسية نحو آسيا.

لا يتعلق الأمر بالطاقة فقط، بل بإعادة رسم خرائط الاقتصاد العالمي. فروسيا والصين تدركان أن السيطرة الغربية على النظام المالي العالمي تمنح واشنطن نفوذاً هائلاً، ولذلك تعملان على توسيع التبادل بالعملات الوطنية وتقليص الاعتماد على الدولار.

إن استخدام الروبل واليوان في التبادل التجاري لا يحمل بعداً اقتصادياً فحسب، بل يحمل دلالة سياسية عميقة. فالدولار لم يكن مجرد عملة، بل كان أحد أعمدة الهيمنة الأميركية بعد الحرب الباردة. وبالتالي، فإن أي محاولة لإضعاف مركزيته تعني عملياً تقليص قدرة الولايات المتحدة على التحكم في التجارة والعقوبات والنظام المالي العالمي.

من هنا، يمكن فهم أهمية تجمع بريكس ومنظمة شنغهاي للتعاون بالنسبة لموسكو وبكين. فهاتان المنصتان لم تعودا مجرد أطر للتعاون الاقتصادي أو الأمني، بل تحوّلتا تدريجياً إلى فضاء سياسي يسعى لبناء توازن دولي جديد خارج المظلة الغربية التقليدية.

لقد دخل العالم بالفعل مرحلة "التعددية النقدية"، حيث لم يعد الدولار اللاعب الوحيد بلا منافس. ربما لا يعني ذلك سقوط الهيمنة الأميركية قريباً، لكنه يعني بالتأكيد بداية تآكل الاحتكار الغربي لمفاتيح الاقتصاد العالمي.

الأمن والعسكر… شراكة تفرض وقائع جديدة
في الجانب العسكري والأمني، تبدو العلاقات الروسية - الصينية أكثر حساسية وتعقيداً، لأنها تمس مباشرة توازنات القوة العالمية.

فالبلدان كثّفا خلال السنوات الأخيرة المناورات العسكرية المشتركة في البر والبحر والجو، بما في ذلك مناطق شديدة الحساسية مثل المحيط الهادئ والقطب الشمالي وبحر اليابان. 

هذه المناورات لا تهدف فقط إلى رفع مستوى التنسيق العملياتي، بل تحمل رسائل سياسية واستراتيجية واضحة إلى الولايات المتحدة وحلفائها.

لقد أصبح الأمن البحري جزءاً أساسياً من العقيدة الاستراتيجية لكل من موسكو وبكين، خصوصاً مع تصاعد المنافسة على الممرات التجارية العالمية والطاقة وسلاسل الإمداد. ومن هنا، فإن التعاون في حماية الممرات البحرية يعكس إدراكاً مشتركاً بأن الصراع في القرن الحادي والعشرين لن يكون فقط على الحدود، بل على طرق التجارة والتكنولوجيا والطاقة.

أما في القطب الشمالي، فتبدو المصالح الروسية والصينية متقاطعة بصورة متزايدة. فروسيا تمتلك حضوراً جغرافياً وعسكرياً ضخماً هناك، بينما ترى الصين أن المنطقة ستكون أحد أهم المسارات التجارية والاستراتيجية مستقبلاً مع تغيّر المناخ وذوبان الجليد.

وفي الملف الإيراني والكوري الشمالي، يظهر التنسيق الروسي- الصيني بصورة واضحة. فالدولتان ترفضان سياسة "الخنق الاستراتيجي" التي تمارسها واشنطن ضد خصومها، وتعتبران أن الاستقرار الدولي لا يمكن أن يتحقق عبر العقوبات والضغوط العسكرية فقط.

مع ذلك، سيكون من المبالغة القول إن العلاقة بين موسكو وبكين وصلت إلى مستوى "التحالف العسكري الكامل". فالصين ما تزال حريصة على عدم الانجرار إلى مواجهة مباشرة مع الغرب بسبب الحرب في أوكرانيا، كما أن لكل دولة حساباتها ومصالحها الخاصة. لكن الثابت أن مستوى التقارب بينهما بلغ درجة غير مسبوقة منذ عقود.

في السياسة الدولية، ليست كل التحالفات معلنة بالضرورة، وبعض الشراكات تصبح أكثر قوة حين تبقى مرنة وغير مقيّدة بمعاهدات صلبة. وهذا تحديداً ما يميز العلاقة الروسية - الصينية اليوم.

إن زيارة بوتين للصين لا تعبّر فقط عن تطور العلاقات الثنائية، بل تكشف عن ملامح مرحلة دولية جديدة يتراجع فيها منطق الهيمنة المنفردة، ويبرز فيها منطق التوازنات المركبة. فالعالم يدخل تدريجياً عصراً لا تستطيع فيه قوة واحدة أن تدير السياسة والاقتصاد والأمن العالمي وحدها.

وربما تكون أهم حقيقة في هذه العلاقة أن موسكو وبكين لا تسعيان فقط إلى حماية مصالحهما، بل إلى إعادة تعريف قواعد اللعبة الدولية نفسها. وفي عالم يعيش تحولات عميقة ومفتوحة على احتمالات كبرى، تبدو الشراكة الروسية - الصينية واحدة من أهم القوى التي تعيد رسم خرائط القرن الحادي والعشرين.

لم تعد المشكلة بالنسبة لواشنطن تتمثل فقط في صعود روسيا أو الصين كلٌّ على حدة، بل في تشكّل بيئة دولية جديدة لم تعد تستجيب تلقائياً لفكرة القيادة الأميركية المطلقة. فالعالم لا يشهد مجرد انتقال في موازين القوة، بل تحوّلاً أعمق في طبيعة النظام الدولي نفسه، حيث تتراجع قدرة قوة واحدة على احتكار القرار العالمي، مقابل صعود توازنات أكثر تعقيداً وتشابكاً.

وفي قلب هذا التحول، تبدو الشراكة الروسية - الصينية واحدة من أبرز القوى التي تعيد رسم خرائط القرن الحادي والعشرين. فموسكو وبكين لا تسعيان إلى إسقاط النظام الدولي القائم بقدر ما تعملان على إعادة توزيع النفوذ داخله، عبر بناء منظومات مالية وتجارية وأمنية موازية تتقدّم بهدوء، لكنها تغيّر قواعد اللعبة تدريجياً.

إن زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين للصين ليست مجرد محطة دبلوماسية عابرة، بل هي تعبير عن مرحلة دولية جديدة تتآكل فيها الأحادية القطبية لصالح عالم أكثر سيولة وتنافساً وتعقيداً؛ عالم لم يعد يُدار من مركز واحد، بل يُعاد تشكيله عبر توازنات مفتوحة على احتمالات كبرى.

إقرأ أيضاً

Copyright © 2017 Al Eshraq TV all rights reserved Created by AVESTA GROUP