الصين: تطهير غير مسبوق في المؤسسة العسكرية الصينية
مع وصول الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى السلطة في العام 2013 أعلن سياسته المتمثّلة بـ "مهاجمة النمور" (كبار المسؤولين)، و"مطاردة الذباب" (صغار الموظفين).
هذه السياسة تستند إلى دروس التاريخ التي يؤمن بها الشعب الصيني والتي تقول إنه عندما قامت الصين ببناء أكبر مشروع عمراني في التاريخ، وهو سور الصين العظيم الذي تجاوز طوله 21 ألف كم لحماية نفسها من الهجمات الخارجية، لم يستطع هذا السور حمايتها حين كان هناك حرّاس فاسدون، تعاملوا مع المغول، فتمكّن جيش جنكيز خان من عبور السور في العام 1211.
وضعت الصين ثلاث خطط استراتيجية عملت على تحقيقها، وهي: القضاء على الفقر في العام 2021 (بمناسبة الذكرى المئوية لتأسيس الحزب الشيوعي الصيني)، وقد تحقّق ذلك باعتراف الأمم المتحدة، حيث نجحت الصين في انتشال 100 مليون نسمة من الفقر.
بعض التقارير التي تتهم الولايات المتحدة بنقل فيروس كوفيد 19 إلى الصين في العام 2019، ترى أنّ أحد أهدافها كان عرقلة نجاح الصين في تحقيق هدفها في القضاء على الفقر.
الهدف الثاني هو استكمال بناء جيش التحرير الصيني ليكون قادراً على خوض حروب خارجية، على أن يتمّ الوصول إلى هذا الهدف في العام 2027، أي بمناسبة الذكرى المئوية لتأسيس جيش التحرير الصيني.
تحقيق هذا الهدف كان أحد الأسباب الرئيسية للتمديد للرئيس شي لولاية رئاسية ثالثة تنتهي في العام 2027، أي بالتزامن مع إعلان استكمال بناء الجيش الصيني.
الرئيس شي قريب من المؤسسة العسكرية، كما أنّ زوجته "بينغ ليوان" تحظى بشعبية كبيرة في هذه المؤسسة، حيث كانت مديرة أكاديمية الفنون التابعة لجيش التحرير الصيني، وكانت أغانيها تحظى بشعبية كبيرة لدى الجنود وتسهم في رفع الروح المعنوية لديهم.
تركيز الرئيس شي على بناء الجيش لم يكن شعاراً، بل استراتيجية صيغت بدقة واقترنت بجدول زمني حوّلها إلى "خارطة طريق" لا يمكن التهاون مع من يعرقل تنفيذها.
جرى العمل على تحويل الجيش الصيني من جيش عقائدي إلى جيش احترافي، ومن ثم الانتقال إلى تحويله إلى جيش من المهندسين الملمّين بتقنيات العصر، وخاصة ما يتعلّق منها ببرامج الذكاء الاصطناعي والحروب السيبرانية.
وفي سبيل ذلك جرى تحويل ثلث طلبة الصين الراغبين في الالتحاق بالجامعات لدراسة الهندسة بفروعها كافة، كما جرى التركيز على افتتاح برامج متخصصة في الذكاء الاصطناعي، وهو التخصص الذي بات يدرّس في أكثر من 600 جامعة صينية.
تراجع افتتاح كليات الآداب بفروعها، وتمّ اغلاق نحو 6 آلاف برنامج لتدريس إدارة الأعمال بمختلف فروعها، لصالح التركيز على التوسّع في دراسة الهندسة.
يدرك صنّاع القرار في بكين أنّ أيّ دولة كبيرة لا تستطيع الاستمرار أو التوسّع ما لم تكن لديها القدرة على الدفاع عن مصالحها عند الحاجة. من هذا المنطلق، انطلقت الأفكار نحو أهمية إنشاء جيش مؤهّل لأداء الحروب والانتصار فيها، وفقاً لشعار "دولة مزدهرة وجيش قوي".
الفساد كالمياه الراكدة تفسد نفسها ومن حولها...
تلك الاستعدادات الهادفة إلى "استكمال بناء المؤسسة العسكرية" واكبها رصد موازنات كبيرة لتحقيق هذا الهدف، كما ظهرت حالات فساد تعاملت معها الحكومة بحزم وقوة.
بعض هؤلاء كانوا في مواقع عليا، حيث جرى سابقاً محاسبة وزيرين للدفاع وقادة كبار في الجيش واللجنة السياسية للحزب الشيوعي الصيني، بمعنى أنهم كانوا من المقرّبين للرئيس شي شخصياً.
وسائل الإعلام الغربية، وعند كل عملية اعتقال لمسؤول صيني بتهمة الفساد كانت تبثّ الدعاية ذاتها، وهي أنّ الرئيس شي يقوم بالتخلّص من أعوانه عبر تلبيسهم تهماً بالفساد، ومن ثم تصفيتهم، حيث تصل عقوبة المرتشي في الصين إلى الإعدام.
تلك الإجراءات تحظى بشعبية واسعة لدى الشارع الصيني، وتزيد من شعبية الرئيس شي، وتزيد من ثقة الشعب الصيني بقيادة الحزب الشيوعي الصيني الذي نقلهم من دولة متخلّفة إلى دولة تنافس على "التربّع على عرش العالم".
قبل يومين كشفت صحيفة "وول ستريت جورنال" الأميركية، أنّ السلطات الصينية تحقّق مع الجنرال تشانغ يو شيا، أحد أكبر القادة العسكريين في البلاد، على خلفية اتهامات خطيرة تشمل تسريب معلومات حساسة عن برنامج الأسلحة النووية الصيني إلى الولايات المتحدة، إضافة إلى تلقّي رشاوى مقابل ترقيات ومناصب عسكرية رفيعة.
قرار الحزب التحقيق مع تشانغ يعكس نهج القيادة الصينيّة "الذي لا يتسامح مطلقاً مع الفساد"، ويؤكّد أنّ حملة الرئيس شي جين بينغ الأخيرة ضدّ الفساد والخيانة داخل القوات المسلحة تمثّل أوسع عملية تطهير للقيادة العسكرية الصينية منذ عهد ماو تسي تونغ. لكنه يفتح تساؤلات كثيرة حول مدى قدرة الولايات المتحدة على الوصول إلى شخصيات عسكرية كبيرة في الصين، واختراقها، وما حجم المعلومات التي استطاعت الحصول عليها في هذه المرحلة الحرجة من احتدام المواجهة بين البلدين.
في مجتمع مثل الصين من الصعب جداً حدوث مثل هذه الأشياء، حيث تسود قاعدة أنّ "الكل يراقب الكل"، فما بالك بالرقابة المفروضة على كبار الشخصيات.
"شيطنة الصين" قضية برعت الولايات المتحدة في العمل عليها، وفي سبيل ذلك ركّزت على قضايا "الحرية" و"الديمقراطية" التي تلقى قبولاً لدى الشباب، خاصة وأنّ الطبقة الوسطى في الصين باتت عريضة، نتجة لتحسّن الأوضاع المعيشية للمواطنين.
الطبقة الوسطى عادة هي الأكثر انشغالاً بالحقوق والحريات وسوى ذلك من الحوارات، فالأغنياء لا وقت لديهم لمناقشة القضايا العامة، والفقراء مشغولون بتأمين قوتهم، ولا مجال لديهم لمناقشة مثل تلك القضايا.
المقاربة الأميركية ترى أنّ اتساع الطبقة الوسطى في الصين سيكون هو الكفيل بتغيير شكل نظام الحكم فيها، خاصة وأنّ هذه الطبقة بدأت تتأثّر ببعض القيم الغربية، رغم سعي الحكومة الصينية لتحصين مجتمعها.
تغيّرات بنيوية كبيرة أصابت المجتمع الصيني نتيجة لـ "سياسة الطفل الواحد" التي اعتمدتها الصين سابقاً، وعزوف عدد كبير من الشباب عن الزواج لأسباب كثيرة أهمها الجانب الاقتصادي.
سياسة الطفل الواحد أدّت حينها إلى ولادة "الطفل الإمبراطور"، باعتباره الوريث الوحيد لستة أشخاص (الأب والأم، والجد والجدة من جهة الأب، والجد والجدة من جهة الأم).
وجود جيل من الشباب الأغنياء، وقلة عدد الإناث مقارنة بعدد الذكور، (نتيجة لجوء الكثير من الأسر إلى تحديد جنس المولود ليكون ذكراً، باعتباره الطفل الوحيد المسموح به، خاصة وأنّ المجتمع الصيني مجتمع زراعي يفضّل الذكور على سواهم من الإناث)، زاد من المهر وتكاليف الزواج.
هذا الجيل من الشباب الأغنياء واجه لاحقاً عقبة كبيرة، حيث وجد كلّ شخص نفسه معيلاً لستة أشخاص أصبحوا كباراً في السن، وما يترتّب على ذلك من نفقات وحاجة للرعاية الصحية.
استخدام الروبوتات سدّ الفجوة في حاجة سوق العمل إلى اليد العاملة، لكنه أسهم في زيادة عدد العاطلين عن العمل. وظهر مفهوم "المصانع المظلمة"، وهي المصانع التي تعمل بالروبوتات فقط، فلا تحتاج إلى إضاءة أو تدفئة، وبالتالي تحقيق المزيد من الأرباح.
هذه التحدّيات وغيرها تزيد من الأعباء الملقاة على كاهل الدولة، والتي باتت معنية بإيجاد الحلول للكثير من المشكلات الداخلية، مع التركيز على المخاطر الخارجية الآخذة بالازدياد، خاصة وأنّ الصين تعيش في بيئة إقليمية مضطربة.
منع الصين من الهيمنة على منطقتها الإقليمية أمر تعزّزه الولايات المتحدة الأميركية، انطلاقاً من فكرة أنه "لا يمكن لدولة أن تصبح دولة عظمى إلا إذا كانت قوة إقليمية عظمى".
لم يعطِ الصينيون أهمية للبحر أو للقوة البحرية خلال تاريخهم الطويل، حتى أنّ جزيرة تايوان، التي تُعتبر جزءاً من جمهورية الصين الشعبية، اكتشفها البرتغاليون في البداية وعاشوا هناك. فكانت الصين دولة محاطة بجدران عالية تعزلها عن الغزوات والاعتداءات.
الاضطرابات في منطقة بحر الصين الجنوبي وإصرار الصين على استعادة تايوان زادت من تركيز بكين على القوة البحرية، حيث باتت تصنع أكثر من 100 سفينة حربية سنوياً، متفوّقة بذلك على أميركا التي بقيت لعقود القوة البحرية الأولى في العالم.
وفقاً للتقرير السنوي الذي يُصدره البنتاغون عن التسلّح الصيني لعام 2021، فإنّ سلاح الجو الصيني وسلاح الجو التابع للبحرية الصينية أصبحا يمثّلان أكبر قوة جوية في المنطقة، وثالث أكبر قوة في العالم. لقد انتقلت القوات الجوية الصينية من استراتيجية الدفاع إلى استراتيجية الهجوم، من خلال تطوير جيش قادر على تنفيذ عمليات جوية على مسافات بعيدة.
اهتمام بكين بمقاتلات الجيل السادس يعزّز سيطرتها الجوية، حيث تمّ رصد نماذج أولية بتصميم "دون ذيل" يعزّز من مستويات التخفّي ويقلّل من الأثر الراداري. تتميّز هذه الطائرات بقدرات هجومية متطوّرة، سرعة تفوق سرعة الصوت، دمج للذكاء الاصطناعي، والتحكّم في الطائرات المسيّرة (Loyal Wingman)، مما يضعها في مرحلة متقدّمة من الاختبارات النشطة.
في اللغة الصينية، تتكوّن كلمة "كارثة" من حرفين: الأول يمثّل الخطر، والآخر يمثّل الفرصة، وبالتالي فإنّ كلّ عملية كشف لقضية فساد تتيح المجال للحكومة الصينية لتعيد تحصين جبهتها الداخلية من جديد.
يبدو أنّ الرئيس شي يسعى لتحقيق الحكمة الصينية القائلة: "الحاكم القوي هو من يحافظ على قوته من خلال العدل والنزاهة، ويحرص على أن يكون جيشه قوياً وشعبه راضياً".
إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الاشراق وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً