مغامرة ترامب ضد إيران.. البداية والنهاية (1)
يكفي للدلالة على المعادلات والموازين الميدانية في مجمل المنطقة أن نعرف أنّ اليمن لم يدخل الحرب بعد.
يشير ذلك، بخلاف تصريحات دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو الدعائية ورغم الضربات القاسية التي تتعرّض لها إيران، إلى أنّ زمام المبادرة لم يفلت من أيدي محور المقاومة.
حدّدت إيران منذ البداية كعب أخيل الخاصّ بالولايات المتحدة في حرب لامتناظرة: مضيق هرمز. يكفي السيطرة عليه وعرقلة تدفّق النفط حتى يتفاعل الزمن، حتى لو فقدت إيران جزءاً معتبراً من مقدّراتها العسكرية والبحرية ودفاعاتها الجوية.
بعد ثلاثة أسابيع من المواجهة المسلحة، ارتقت الحرب درجة مع تلويح المعسكر الأميركي الصهيوني باستهداف البنى التحتية الاقتصادية والمنشآت الحيوية الإيرانية.
يراهن ثنائي الحرب في هذه الخطوة على رفع الكلفة لدى إيران عبر التسبّب لها بمزيد من النزيف وضرب مرتكزات الصمود لديها، مقابل حرب الاستنزاف التي تخوضها الأخيرة والتي تعتمد فيها بشكل أساسي على إغلاق مضيق هرمز وجعل الوقت يفعل فعله ويتكفّل برفع الكلفة على الجانب الأميركي إلى درجة يتعذّر تحمّلها.
معادلة لا يمكن أن يقبلها الجانب الأميركي ويسلّم بها ببساطة، لأنّ قبولها يعني الرضوخ لشروط إيران التي لم تفعّل بعد كلّ أدواتها، ويعني بالتالي التسليم بالهزيمة. لذلك يُتوقّع أن تمتد الحرب إلى أجل غير محدّد وترتبط نهايتها بمجموعة متغيّرات. بالاتساق مع ذلك سوف تستمر المحاولات الأميركية والإسرائيلية لكسر المعادلة التي تعمل طهران على إرسائها.
فشل متدرّج ورهانات جديدة
تدرّجت الخطط الأميركية الصهيونية منذ البداية صعوداً أو توازياً: بدءاً بمحاولة تحقيق نصر حاسم وسريع، تلاها محاولة إحداث اضطرابات في الجبهة الداخلية الإيرانية، ثم محاولة الزجّ بمجموعات انفصالية في المحافظات الطرفية وصولاً إلى توريط دول الجوار في الحرب، ثم أوحت بالتدخّل البري عبر قواتها الخاصة. وكلّها محاولات باءت بالفشل حتى الآن، من دون أن يعني ذلك أنها غير قابلة لإعادة التوظيف في مراحل معيّنة.
في المقابل، فوجئت الولايات المتحدة و"إسرائيل" بدخول حزب الله الحرب، وبمبادرة طهران منذ اللحظات الأولى إلى تفعيل ورقة مضيق هرمز، وبصمود جبهتها الداخلية التي شكّلت صدمة حقيقية لأجهزة الاستخبارات المهاجمة.
آخر المحاولات الصهيونية الأميركية الساعية إلى تقويض مرتكزات الصمود الإيرانية تمثّلت بالتلويح في إمكان استهداف البنى الحيوية الإيرانية من خلال ضرب المنشآت العسكرية والدفاعية في جزيرة خارك التي تعتمد عليها إيران في تصدير نحو 90% من منتجاتها النفطية.
معادلة جديدة لكنها محفوفة بالمخاطر العالية والمحاذير غير القابلة للإصلاح، وضعت إيران مقابلها استهداف المنشآت النفطية التي يستثمر فيها الأميركي في كلّ الخليج. ربما لهذا السبب ورد توضيح أميركي بأنّ أيّ منشآت نفطية واقتصادية في الجزيرة لم تتعرّض للضرر، الأمر الذي أكّدته طهران بدورها، وادّعى دونالد ترامب أنّ عدم استهدافها سببه أنّ القيام بهذه الخطوة يجعلها تستغرق سنوات لإعادة بنائها!
ما لم يقله ترامب أعلنه صراحة قائد القوة البحرية في حرس الثورة الأدميرال علي رضا تنكسيري، إذ قال إنّ أيّ هجوم على جزيرة خارك سيخلق للأميركيين معادلة أخرى أشدّ وطأة لأسعار الطاقة وآليات توزيعها حول العالم.
معادلات الردع المضادة
هذه المعادلة النفطية الجديدة لم تكن سوى مقدّمة لمعادلات ردع أوسع، سرعان ما كشفت عنها التصريحات الإيرانية اللاحقة. ردّ أمين مجلس الأمن القومي علي لاريجاني على تصريح ترامب الذي قال فيه: "أستطيع خلال ساعة واحدة قطع الكهرباء عن إيران، لكنني لم أفعل"، بالقول: "إذا أقدم على ذلك، فإنّ المنطقة بأكملها ستغرق في الظلام خلال نصف ساعة". وأوضح أنه حين تنقطع الكهرباء عن المنطقة بأسرها، ستكون الفرصة مناسبة لتعقّب العسكريين الأميركيين الفارين في المنطقة واصطيادهم.
وفي سياق متصل، أوضح مقر خاتم الأنبياء بشكل قاطع أنه إذا هوجمت البنى النفطية والاقتصادية الإيرانية "فسنمحو البنى التحتية النفطية المرتبطة بأميركا"، فيما أكّد رئيس مجلس الشورى محمد باقر قاليباف أنه "إذا ما بدأوا حرب البنى التحتية فسنستهدف بناهم التحتية من دون تردّد".
هذه التهديدات المتبادلة وجدت صداها في تحرّكات ميدانية وسياسية كشفت عن تباين في الرؤى داخل المعسكر الأميركي الإسرائيلي. ففيما نفّذ الجانب الإسرائيلي قصفاً على مخزونات النفط الإيرانية قبل أيام، كشفت "نيويورك تايمز" أنّ ترامب والأدميرال كوبر حذّرا الإسرائيليين من استهداف خزانات النفط الكبيرة خارج طهران خشية الردّ الإيراني. هذا التباين دفع حتى أبرز الداعمين والمدافعين عن "إسرائيل"، ليندسي غراهام، إلى استنكار الخطوة بعدما هدّدت إيران بقصف منشآت ومصالح أميركا النفطية في الخليج.
أميركا بدأت تقلق
مع استمرار الحرب، بدأت التداعيات الاقتصادية تظهر بوضوح على أكثر من صعيد. فمع الوقت سترتفع حرارة الاقتصاد الأميركي الذي بدأ يعاني من آثار "الحمى الإيرانية". إذا بقيت إيران صامدة مع بقاء وتيرة العمليات على حالها من دون أيّ تغيّر دراماتيكي، فإنّ الشكوك تتعزّز أكثر في قدرة ترامب على الاستمرار. المؤشرات الاقتصادية غير مبشّرة في هذا الإطار.
الخسائر المباشرة الناجمة عن توقّف مرور الحاويات التي تحمل النفط والمنتجات البتروكيماوية عبر مضيق هرمز باتت معلومة ومتداولة. يمسّ هذا الأمر بشكل مباشر إعادة تشكّل النظام العالمي، بشكل بطيء لكنْ فعّال. تريليونات الدولارات التي سبق أن تبرّعت بها دول الخليج نتيجة ابتزاز ترامب قد تبخّرت على الأرجح، ولكن معها أيضاً أمور لا تقل أهمية.
فقد برزت بوادر إعادة نظر خليجية محتملة في العلاقة مع أميركا وفي مبدأ الحماية، وهو ما عبّرت عنه بوضوح نخب خليجية، من بينها وزير الخارجية القطري السابق حمد بن جاسم.
انقطاع النفط وعائداته لا ينحصر فقط بالأنظمة الخليجية، لكنه يلامس بشكل مباشر أسواق الأسهم والبورصات وصناديق الاستثمار الأميركية عبر حرمانها من عوائد تعتمد عليها إلى حدّ كبير. تتقاطع هذه الرؤية مع ما أوردته "بلومبرغ" بأنّ الدول العربية ستعيد النظر بالدفاع والتحالفات الإقليمية والاستثمار الخارجي ودورها في الأسواق العالمية، وأنّ صدمة الصراع في إيران ستعيد تشكيل منطقة الخليج.
في هذا الإطار، تنقل "رويترز" عن مسؤول خليجي أنّ بعض دول الخليج تراجع استثماراتها في صناديق الثروة السيادية لتغطية الخسائر المرتبطة بالحرب في إيران، موضحاً أنّ المراجعة قد تشمل التراجع عن التزامات وبيع أصول وإعادة تقييم صفقات رعاية عالمية.
فرص روسيا والصين
إذا طالت الحرب واستنزفت فيها المزيد من الموارد والأصول الحربية الأميركية، واضطرت واشنطن إلى تركيز جهودها وأولوياتها في هذا الملف، يبرز سؤال استراتيجي: ما الذي يضمن عدم انقضاض الصين على تايوان في لحظات مؤاتية بالتزامن مع ذروة الانشغال الأميركي في الشرق الأوسط؟
ينسجم مع هذا السؤال إشارة رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف إلى انعكاسات تفضيل البنتاغون حماية "إسرائيل" على الخليج والزجّ بمعظم القدرات الدفاعية الأميركية حول الكيان بدل توزيعها. قال إنّ عواقب ترك مصالح الولايات المتحدة وجنودها بلا دفاع لن تقتصر على الشرق الأوسط فقط، وإنّ الأميركيين مضطرون إلى تحديد الأولويات بسبب نقص مخزونات الدفاع الجوي.
مرور الوقت يزيد من هذه المخاطر، التي ليس آخرها وضع أوروبا في موقف خطر، بخلاف موقف روسيا التي باتت حاجة للغرب بعدما كانت معزولة ومعاقبة من قبله. يقول وزير الخارجية الإيراني عباس عراقتشي في هذا الإطار: "بعد أسبوعين من الحرب مع إيران، أصبح البيت الأبيض يتوسّل للعالم بما في ذلك الهند لشراء النفط الروسي"، لافتاً إلى أنّ واشنطن قضت شهوراً تضغط وتتنمّر على الهند لإجبارها على إنهاء واردات النفط من روسيا، قبل أن تتراجع الآن.
في هذا السياق، يؤكد الممثّل الخاص للرئيس الروسي للتعاون الاستثماري والاقتصادي مع الدول الأجنبية كيريل دميترييف أنّ الخروج من أزمة الطاقة العالمية مستحيل من دون الاعتماد على الطاقة الروسية. الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يعبّر عن كثير من الرضا لمسارات الأمور عندما يقول: "ربما من الأفضل أن تتوقّف روسيا عن تزويد أوروبا بالغاز الآن".
استراتيجية إيران: من الصمود إلى فرض المعادلات
في خضمّ هذه التحوّلات الدولية الكبرى، تبقى إيران ممسكة بخيوط اللعبة من الداخل. فمنذ البداية كانت تحسب الخسائر المتوقّعة وتدرك أنها في ظلّ التفوّق الجوي الساحق لأعدائها لن تكون قادرة على حماية جميع أصولها العسكرية.
لقد حدّد السيد علي الخامنئي قبل استشهاده استراتيجية المواجهة المتوقّعة، وكشف موقعه الإعلامي عن معالم استراتيجية إيران للتعامل مع أيّ عدوان محتمل، محذّراً من أنّ أيّ حرب مقبلة لن تكون محدودة، وأنّ كلفتها ستتجاوز حدود إيران لتطاول المصالح الأميركية والإسرائيلية في المنطقة، متوعّداً بأنّ إشعال فتيل الحرب مع إيران لن يؤدّي إلا إلى تفاقم مأزق ترامب بشكل انفجاري وتحويله إلى هزيمة مذلة.
يبرز في هذا السياق موقف قائد الثورة الجديد في إيران السيد مجتبى الخامنئي الذي قال في أول خطاب له بعد انتخابه إنه أُجرى دراسات حول فتح جبهات أخرى "يفتقر العدو فيها للخبرة وسيُفعَّل ذلك إذا استمرت حالة الحرب ووفق المصلحة".
بقدر ما يدلّ هذا المؤشر على إمكانات تتيح لإيران هامشاً واسعاً من المناورة وعدم خروج المبادرة من يدها، فإنه قد يشير أيضاً إلى ترك الباب موارباً أمام إمكان إتمام صفقة الآن بشروط إيران قبل أن تتراكم الخسائر في الجانب الأميركي إلى درجة يصعب تجسيرها.
هذه الرؤية الاستراتيجية تجد ترجمتها على لسان قادة حرس الثورة. نائب القائد العامّ للحرس يقول إنّ على العدو أن يضع في حسبانه احتمال الدخول في حرب استنزاف طويلة الأمد تؤدّي إلى انهيار كامل للاقتصاد الأميركي والعالمي. فيما يقول ضابط في القوة البحرية: "لن نعود إلى معادلات ما قبل الحرب، وعلى أميركا أن ترحل من المنطقة".
في الطرف الآخر: تراجع عن السقوف العالية
في الطرف المقابل، يبدو المعسكر الأميركي الإسرائيلي وكأنه يتراجع تدريجياً عن سقوفه العالية. بخلاف إشاراته وتوقّعاته الأولى، استعرض نتنياهو في مؤتمره الصحافي أهداف الحرب على إيران، حاصراً إياها هذه المرة في "البرنامج النووي والصواريخ الباليستية"، في حين أشار إلى أنه "ليس واثقاً من سقوط النظام".
في المقابل، يتوعّد عضو مجمع تشخيص مصلحة النظام محسن رضائي بأن يكون مصير ترامب بعد الحرب مشابهاً لمصير الرئيس الأميركي السابق جيمي كارتر، مشدّداً على أنّ انتهاء هذه الحرب في أيّ نقطة سيغيّر توازن القوى في المنطقة والنظام الدولي لصالح إيران.
رغم كلّ الاحتدام الذي يبدو غير قابل للاحتواء، ما زالت هناك مؤشّرات على ترك الباب موارباً مقابل مؤشرات أخرى أقوى وأشدّ صلابة على عدم وجود استعداد أميركي كافٍ حتى الآن للاستجابة إلى شروط طهران.
في النهاية وحده الميدان هو من يحدّد الطرف الذي بإمكانه أن يملي إرادته في حرب لا متناظرة سوف تدخل التاريخ من بابه الواسع، ويبدو أنّ تفاعلات الميدان ما زالت تعتمل وتشي تطوّراته بمراحل جديدة.
إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الاشراق وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً