قبل 3 سنە
علي فواز
274 قراءة

لاعب جديد في وسط آسيا.. ماذا بعد سيطرة "طالبان"؟

ما فتأت حركة طالبان منذ استيلائها على البلاد تحاول أن تبث رسائل الطمأنة في أكثر من اتجاه. عفو عام في الداخل، وضمان حرية المعتقد، وانفتاح على مختلف المكونات. وفي الخارج يد ممدودة إلى جميع الأطراف الإقليمية والدولية، بما تنطوي عليه هذه الأطراف من تناقضات لا يجمعها أحياناً سوى المنافسة والخصومة.

تطورات الساحة الأفغانية أثارت من الأسئلة بقدر ما جلّت من وقائع وعبر. خطوة الانسحاب الأميركي لم تتبلور آثارها بعد على البيئة الإقليمية وما يتجاوزها. تداعيات ما بعد الانسحاب لا ريب أنها تلامس أبعاداً وقضايا متعددة، تبدأ من انحسار هيمنة الولايات المتحدة وانعكاس ذلك على حلفائها، ولا تنتهي بالتداعيات التي سوف يخلفها هذا الانسحاب على روسيا والصين وإيران بشكل أساسي.

تحتاج "طالبان" خلال هذه المرحلة إلى الاستقرار والهدوء. كما تتوق إلى "شرعية" واعتراف دولي بها، وربما إلى غطاء دبلوماسي محتمل في الأمم المتحدة. هذا ما يبرّر رسائل التعاون والانفتاح على جميع القوى الداخلية والخارجية. تمكينها في الحكم ما زال في بدايته وهو مسار مفتوح على تعقيدات وعقبات لا يستهان بها. ملف إعادة الإعمار حاضر بقوة في بلد منكوب في بناه التحتية ويقبع أكثر من نصف سكانه تحت خط الفقر. معالجة الأزمات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية الناتجة من الفساد وعقود من الحرب تتطلّب التعاون مع جوار بإمكانه التدخّل والتأثير في الساحة الأفغانية، أكثر، إن لم يكن بنفس القدر الذي تستطيع "طالبان" التأثير في جوارها.

تفسّر هذه المقاربة لهجة "طالبان" الإيجابية والمنفتحة منذ سيطرتها على كابول. تقتضي مصلحتها في هذه المرحلة تجميد أي نزاع مع محيطها من أجل التفرّغ لترسيخ الحكم. ينعكس هذا التوجّه في شكله الأوضح تجاه الصين، البلد التي تشترك معها أفغانستان في حدود، هي الأصغر (76 كيلومتراً فقط)، مقارنة بحدودها مع بقية الدول. 

بكين أعربت عن استعدادها لتطوير علاقات ودية مع حركة "طالبان". بالمقابل كانت نقلت صحيفة "الغارديان" عن متحدث باسم الحركة قوله لصحيفة صينية إن الحركة تعتبر الصين بلداً "صديقًا" وتأمل التحدث إلى بكين بشأن الاستثمار في إعادة الإعمار، مؤكداً على أن "طالبان" لن تسمح بعد الآن لمقاتلي الإيغور بدخول البلاد.

ورغم تبنيها سياسة خارجية تقضي بعدم التدخل في شؤون الدول الأخرى، تشعر بكين بالقلق إزاء الأجندة الدينية لـ"طالبان". قلق تتشاركه الصين مع كل من إيران وروسيا، ليس فقط لما يمكن أن يحدث في المستقبل المنظور، بل أيضاً لما يخبئه المستقبل بعد استتباب الحكم لـ"طالبان". عندما يتعلق الأمر بعمليات الإرهاب فإن الأمر لا يتعلق فقط بـ"طالبان"، بل بما يمكن أن ينجم لاحقاً من ثغرات أمنية يتسلل عبرها متشددون باتجاه الحدود المفتوحة على كل الاتجاهات.

روسيا تبدو حتى الآن متشككة ومرتابة. هي أعلنت أنها ستقرر ما إذا كانت ستعترف بالسلطات الأفغانية الجديدة بناء على "سلوكياتها" وعلى ضوء اللقاء الذي جمع الثلاثاء المنصرم سفيرها لدى كابل مع قادة من حركة "طالبان".

إيران بدورها دخلت في حوار مع الحركة منذ سنوات إسوة بالصين، وسبق أن استضافت في المدة الأخيرة محادثات بين قادة الحركة وبين الحكومة الأفغانية السابقة. هذا ما طفا على السطح، فيما يغيب عن الإعلام مستوى العلاقة بين طهران من جهة والحركة من جهة أخرى.

لم يعد السؤال الآن يتركّز حول ما حصل، وكيف استطاعت الحركة أن تقلب المعادلة خلال فترة زمنية وجيزة خلافاً للتقديرات الأميركية. التطورات المتلاحقة والسريعة في أفغانستان سرعان ما تغلق أسئلة وتشرّع أخرى. في ذروة الحدث الأفغاني منذ أيام برزت آراء متضاربة توزّعت على محورين: ثمة من يرى في الانسحاب الأميركي محاولة لإثارة الاضطراب وإشغال الدول المحيطة بأفغانستان واستنزافها انطلاقاً من دولة دينية متشددة تجاور النظام الديني في إيران، وثمة من يرى أن التوافقات بين واشنطن وبين "طالبان" لا تتعدى إطار الانسحاب الآمن وتقديم ضمانات مقابل تسهيلات.

مهما كانت التساؤلات وما يتفرّع منها إلا أن الثابت أنها جميعها تتقاطع عند "طالبان". شكل الإقليم والتطورات الناجمة عن سيطرتها مرهون بشكل أساسي بتوجهات الحركة. 

في أثناء ذلك، بدأت تبرز بوادر على تمردات عسكرية بعد سيطرة "طالبان" على معظم البلاد من دون أن تنتفي إمكانية اندلاع حرب أهلية جديدة، فيما يتوقع البعض أن تؤدي توجهات الحركة "البراغماتية" إلى انشقاقات داخلها، ليبقى السؤال مفتوحاً حول مآلات الأوضاع وسط عدد غير قليل من المتغيرات والعوامل التي من شأنها أن تحرف المسار في هذا الاتجاه أو ذاك، ما يبقي المشهد الأفغاني مفتوحاً على احتمالات متعددة.

لا تتبنى الاشراق بالضرورة الاراء و التوصيفات المذكورة.

Copyright © 2017 Al Eshraq TV all rights reserved Created by AVESTA GROUP