قبل 11 ساعە
أحمد الدرزي
19 قراءة

الحركة الإبراهيمية في سوريا: وهم أم مقدمة لحرب أهلية جديدة؟

في تطوّرات متسارعة خلال الأسبوع الأخير، بدأت ملامح واقع جديد في غرب آسيا تتشكّل عبر مسار المفاوضات الجاري في إسلام آباد، والتي ستترجم نتائج الحرب وتعبّر عن نفسها بإعادة رسم الخرائط الجيوسياسية للمنطقة. في خضمّ هذا المشهد، كان الإعلان الأكثر إثارة للجدل هو الظهور العلني لما يعرف بـ"الحركة الإبراهيمية" في سوريا، التي يقودها توم ويغنر.

هذا الإعلان جاء متزامناً مع طلب رسمي من الرئيس الأميركي دونالد ترامب لدول محورية تعمل على إنهاء الحرب (تركيا، مصر، السعودية، قطر) للدخول في الاتفاقيات الإبراهيمية والتطبيع مع "إسرائيل" كثمن لإنهاء الصراع، مع إمكانية مبدئية لدخول إيران لاحقاً. فما هي حقيقة هذه الحركة؟ وما مدى فرص نجاحها في الداخل السوري؟ وهل هي مجرّد وهم استراتيجي أم أنها قد تكون مقدّمة لحرب أهلية جديدة؟

من هو توم ويغنر؟ الإبراهيمية السياسية كفكرة
توم ويغنر هو كاتب ومؤلف إسرائيلي، شغل سابقاً منصب متحدّث باسم رئيس وزراء "إسرائيل" ومستشار إعلامي لوزير الدفاع. وهو مؤسس "الحركة الإبراهيمية"، وصاحب كتاب "الثورة الإبراهيمية: صيغة سلام في الشرق الأوسط"، الذي يُعدّ البيان التأسيسي لحركته. وفقاً لرؤيته، تهدف الحركة إلى "صياغة مستقبل جديد للشرق الأوسط من خلال الحوار المباشر والتكامل الإقليمي وتعزيز الهوية الإبراهيمية المشتركة".

ما يميّز ويغنر عن غيره من المنظّرين الإسرائيليين هو أنه حاول ترجمة أفكاره إلى واقع عملي، من خلال إطلاق مبادرات ميدانية وسياسية في أكثر من بلد عربي، كان آخرها وأكثرها خطورة محاولة فتح مكتب تمثيلي للحركة في سوريا. لكنّ السؤال الذي يطرح نفسه: هل البيئة السورية مهيّأة لاستقبال مثل هذه الأفكار؟ أم أنّ الحركة تصطدم بواقع معقّد من الرفض الشعبي والممانعة الإقليمية؟

الموقف السعودي: الضربة القاضية للتطبيع المشروط
لم يمضِ سوى ساعات قليلة على طلب ترامب حتى جاء الردّ السعودي حاسماً وحازماً، ليُفقد الدعوة الأميركية أيّ زخم كان يمكن أن تحظى به. فقد أعلنت الرياض رفضها القاطع للتطبيع مع "إسرائيل" من دون مسار مؤكّد ومُلزم لحلّ الدولتين وإقامة دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس الشرقية.

هذا الموقف السعودي لم يكن مجرّد ردّ دبلوماسي عابر، بل كان انعكاساً لتحوّلات جوهرية عميقة في بنية غرب آسيا بعد أن انكشف العجز الأميركي-الإسرائيلي للعالم بأسره. فقد سقط الردع الإسرائيلي الذي بُنيت عليه عقود من الهيمنة، وتبخّرت مكاسب ما بعد السابع من أكتوبر، وعادت القضية الفلسطينية إلى الواجهة كمركز ثقل لأيّ تسوية إقليمية.

الرياض لم تكتفِ بالرفض، بل وجّهت رسالة واضحة لواشنطن: لم يعد ممكناً تجاوز الحقوق الفلسطينية تحت أيّ ظرف، والمقايضات التي كانت مطروحة قبل الحرب لم تعد قابلة للحياة بعد أن أثبتت "إسرائيل" أنها "عامل خطر" يجرّ المنطقة إلى صراعات مدمّرة.

هذا الرفض جعل من أيّ تقدّم لمشروع "الناتو الأوسطي" أو أيّ حركة إبراهيمية في المنطقة شبه مستحيل، لأنه يُفقد هذه المشاريع أهمّ أذرعها السياسية والمالية.

الحركة الإبراهيمية في سوريا: فرص ضئيلة في بيئة رافضة
أما في سوريا، ففرص نجاح أيّ كيان يرتبط بمشروع التطبيع تبدو محدودة للغاية، إن لم تكن معدومة. فالمشهد السوري اليوم لم يعد كما كان قبل سنوات، والقوى الإقليمية التي ترعى شؤون البلاد ترى في هذا التحرّك تهديداً مباشراً لمصالحها.

أولاً: التهديدات المحلية. المجتمع السوري الذي أنهكته حرب دامت لأكثر من عقد، وأُنهك اقتصاده بعقوبات جائرة، لا يمتلك أيّ طاقة لاستيعاب كيانات جديدة تثير الفتنة. دخول "الحركة الإبراهيمية" إلى مناطق النفوذ، وخاصة في منطقة الساحل السوري التي تعتبر أخطر منطقة في الصراع الإقليمي والدولي على سوريا، قد يُدخل البلاد في مرحلة جديدة من الحرب الأهلية لا أحد يستطيع تحمّل تبعاتها. فالساحل ذو التركيبة السكانية الحساسة تاريخياً يتحوّل بسهولة إلى مسرح لصراعات بالوكالة، وهو ما تدركه كلّ الأطراف وتجنّبته لسنوات.

ثانياً: التهديدات الإقليمية. تشكّلت في الأشهر الأخيرة مؤشرات واضحة نحو تشكّل تكتّل إقليمي يضمّ تركيا ومصر والسعودية وباكستان وإيران بشكل أساسي، إلى جانب قطر. هذا التكتّل، الذي أدرك بأنّ أميركا و"إسرائيل" لم تعودا قدراً لا يُردّ، بل هما حالة انكفاء وتراجع سريعين، لن يسمح بالتمدّد الإسرائيلي خارج حدود منطقة الجنوب السوري التي لم تُحسم معالمها بعد. تركيا التي تُعتبر الراعي الإقليمي الأبرز للحكومة السورية الانتقالية، ستعتبر أيّ تحرّك لـ"الحركة الإبراهيمية" بمثابة تحدٍ مباشر لسيادتها على عمقها الاستراتيجي.

ثالثاً: الرفض الشعبي. الحركة الإبراهيمية في سوريا تواجه تحدّياً وجودياً يتمثّل في أنّ هويتها "الإسرائيلية" تجعل منها هدفاً سهلاً للرفض الشعبي. فالشعب السوري الذي ناصر القضية الفلسطينية بكلّ أطيافه لعقود، والذي يرى في "إسرائيل" عدواً احتلّ أرضه وجرّدها من الجولان، لن يقبل بسهولة بأيّ كيان يرفع شعار "التطبيع" على أرضه. هذا الرفض الشعبي قد يتحوّل إلى مقاومة مسلّحة، مما يزيد من تعقيد المشهد ويدفع نحو مزيد من العنف.

الساحل السوري: خط أحمر لا يُقبل المساس به
في هذا السياق، تبرز منطقة الساحل السوري (اللاذقية، طرطوس، جبلة) باعتبارها "المنطقة الأكثر خطورة" وأيضاً "الخط الأحمر" الذي لن تسمح القوى الإقليمية الفاعلة بتجاوزه. هذه المنطقة تمتاز بتركيبة سكانية حسّاسة، وهي عمق استراتيجي للحكومة السورية الانتقالية ولحلفائها. أيّ تحرّك للحركة الإبراهيمية نحو الساحل سيواجه بردّ فعل عسكري فوري وحاسم من قبل القوات السورية وحلفائها.

تركيا تحديداً، التي تعتبر الراعي الإقليمي الأبرز للحكومة السورية الانتقالية، ستعتبر أيّ اختراق في الساحل بمثابة تهديد مباشر لأمنها القومي. كما أنّ إيران، التي لا تزال تمتلك نفوذاً كبيراً في مناطق متفرّقة من سوريا، لن تسمح بتمرير أيّ مشروع يهدف إلى تقويض حلفائها أو تغيير توازن القوى لصالح المشروع "الإسرائيلي". أما روسيا، التي لديها قواعد عسكرية في طرطوس واللاذقية، فستكون لها كلمة الفصل في أيّ تحرّك يهدّد مصالحها في المنطقة.

الحصاد المرّ: بين الفشل المحتوم والخطر الداهم
في ضوء هذه المعطيات، يمكن القول إنّ "الحركة الإبراهيمية" في سوريا تواجه فرص نجاح ضئيلة جداً، إن لم تكن معدومة. الرفض الشعبي، والممانعة الإقليمية، والتوازنات العسكرية القائمة، كلّها عوامل تجعل من الصعب على هذه الحركة أن تجد موطئ قدم حقيقياً على الأرض. ويغنر نفسه، رغم كتاباته النظرية، وإطلاقه للحركة في سوريا، وتسمية مسؤوليها وقادتها في المناطق السورية،لم يقدّم بعد دليلاً عملياً على قدرته على تحويل أفكاره إلى واقع ملموس.

لكنّ الخطر الأكبر لا يكمن في نجاحها، بل في المحاولة ذاتها. فحتى لو كانت فرص نجاحها معدومة، فإنّ مجرّد محاولة اختراق الساحة السورية قد تؤدّي إلى انزلاق البلاد إلى مواجهات ميدانية محلية، تتحوّل بسرعة إلى تصعيد إقليمي لا يمكن السيطرة عليه. فالمجتمع السوري الذي أنهكته الحرب، والاقتصاد المنهار الذي يعاني عجزاً في الميزانية يصل إلى 1.8 مليار دولار، لن يكونا قادرين على تحمّل تكاليف جولة جديدة من العنف.

الرفض السعودي الحاسم لدعوة ترامب، والموقف المصري والتركي الموحّد، والتماسك الإيراني، كلّها عوامل تجعل من أيّ مغامرة إبراهيمية في سوريا أشبه بالمشي على حبل مشدود فوق بركان. قد تكون الحركة مجرّد وهم استراتيجي، أو ربما محاولة أخيرة من واشنطن و"تل أبيب" لإنقاذ ما يمكن إنقاذه بعد فشل الحرب. لكنّ المؤكّد أنها لن تنجح، وأنها إذا حاولت، فقد تُشعل حرباً أهلية جديدة لا تحمد عقباها.

والسؤال الذي يبقى مطروحاً: هل تدرك واشنطن و"تل أبيب" أنّ الوقت قد فات لمثل هذه المحاولات، وأنّ المنطقة لم تعد تحتمل المزيد من التجارب الفاشلة؟ أم أنهما ستستمران في دفع الحركة نحو المغامرة، آملتين في تحقيق ما عجزتا عن تحقيقه بالقوة العسكرية المباشرة؟

Copyright © 2017 Al Eshraq TV all rights reserved Created by AVESTA GROUP