قبل 3 ساعە
علي فواز
9 قراءة

من وهم "النصر المطلق" إلى واقع "العصف المأكول"!

بعد مضي نحو 15 شهراً على اتفاق وقف إطلاق النار الذي جرى التوصل إليه بين لبنان و "إسرائيل" أواخر تشرين الثاني/ نوفمبر 2024 تستحق كل نقطة من النقاط التي ذكرها آنذاك رئيس حكومة العدو الإسرائيلي العودة إليها. لكن ما يستوجب أكثر التركيز عليه هو أن حزب الله كان في أسوأ حالاته في ذلك الوقت: 

فقد أمينه العام الأيقونة والملهم السيد حسن نصرالله ولاحقاً خلفه السيد هاشم صفي الدين وجزءاً كبيراً من قياداته العسكرية ومن مقاتليه، كما تعرض لاختراقات أمنية غير مسبوقة على أكثر من صعيد مكّنت العدو من تحييد عدد من نخبه وعناصره الفاعلة ومن خططه واستعداداته إضافة إلى الإجهاز على جزء معتبر من ترسانته ومستودعاته. 

رغم كل ذلك قاتل حزب الله لمدة 66 يوماً ولم يتمكن الإسرائيلي من تخطي بعض قرى الحافة الأمامية، واضطر في النتيجة إلى الموافقة على وقف إطلاق النار. المقارنة بين وضع المقاومة آنذاك حينما كانت تفتقد زمام المبادرة وتتعرض إلى ضربات من كل الجهات، وبين أدائها وجاهزيتها اليوم يسمح باستشراف أفق المعركة الحالية. 

معالم هذا الأفق تصبح أكثر وضوحاً عندما نلاحظ أن "إسرائيل" حينها كانت في وضع مثالي أتاح لها التفوق على أكثر من صعيد. تتبدّد الضبابية أكثر إذا ما استدعينا تاريخ الصراع والثغرات ونقاط الضعف التي برزت في صفوف جيش الاحتلال إثر "طوفان الأقصى" وبنتيجته. 

ما لا يقل أهمية عن كل ذلك وجود إسناد قوي يدعم حزب الله اليوم من إيران واليمن، فيما إسرائيل مشغولة بالدفاع عن جبهتها الداخلية وبتخصيص جزء من مواردها وأصولها وطاقاتها العسكرية والأمنية للمواجهة مع إيران.

من وهم الإنجاز إلى مأزق الحرب المفتوحة
في المؤتمر الصحافي الذي خصّصه بنيامين نتنياهو للإعلان عن وقف إطلاق النار مع لبنان أواخر عام 2024، أفرد حيزاً لتعليل أسباب هذا القرار أمام الرأي العام الإسرائيلي، والبنود التي جرى الاتفاق عليها. 

أعلن حينها أنه أعاد حزب الله عقوداً إلى الوراء، وأوضح أن أسباب وقف إطلاق النار هي التركيز على تهديد إيران وإنعاش الجيش الإسرائيلي وإخراج حماس تماما من الصورة، كما أشار إلى أن أحد أسباب وقف إطلاق النار هو فصل الجبهات والساحات العسكرية، معلناً بثقة أنه يقوم "بتغير وجه الشرق الأوسط". هذه التصريحات وغيرها لاحقاً، سوف تبقى معلّقة في رقبته مثل قلادة أسير لا يُسمح له بانتزاعها، وسوف تُعرّضه لاحقاً لمحاكمات شعبية في صناديق الاقتراع التي يُفترض إجراؤها بعد أشهر قليلة، ولأحكام التاريخ. 

هذا السبب، وغيره من الأسباب التي سيأتي ذكرها لاحقاً، يشكّل عاملاً نشطاً في دائرة احتمالات إطالة أمد الحرب. من الصعب أن يقرّ نتنياهو بالهزيمة المُضاعفة، إلا مجبراً. خابت الإنجازات التي سوّقها سابقاً لجمهوره حول تقويض خطر حزب الله وحول فصل جبهات المقاومة، ويجد نفسه اليوم في وضع حرج يحتّم عليه تحقيق ما لم يستطع تحقيقه في ذروة تفوّقه قبل عام ونصف العام.

حتى الآن تغيب صورة الانتصار التي بإمكانه تسويقها، فكيف بالأحرى سردية "النصر المطلق". يتخطى ذلك جبهة لبنان حيث تغرق قواته البرية تدريجياً، ويشمل جبهة إيران، وجبهة اليمن، ومن يدري أي جبهة بعد ذلك؟ 

استعصاء المخارج وتعنّت "تل أبيب"

بقدر ما يمثّل هذا الواقع مأزقاً أمام صانع القرار السياسي الإسرائيلي فإنه يشكّل بالتوازي استعصاء لأي حل قريب. يفسّر ذلك رفض الحكومة الإسرائيلية مبادرات التفاوض ووقف إطلاق النار التي صدرت من السلطات اللبنانية عقب الحرب، والإصرار على أن ذلك لن يتم قبل فرض وقائع ميدانية.

كما يفسّر التسريبات والتصريحات التي راجت خلال الأسابيع المنصرمة حول سعي "تل أبيب" إلى عرقة أي محاولة من قبل الرئيس الأميركي للتوصل إلى تسوية لا ترضيها، وما أشيع حول قيامها بعرقلة مبادرات أميركية تجاه إيران في محطات سابقة. يقول وزير الخارجية التركي هاكان فيدان في هذا السياق إن إسرائيل ستحاول التأثير في الولايات المتحدة، وستسعى إلى عرقلة التوصل إلى وقف إطلاق النار أو تحقيق سلام.

في خضم ذلك تأتي إشارات متضاربة من الجانب الأميركي، لا يعوّل فيها على ما يصدر من تصريحات رسمية فقط إنما على ما يجري وراء الكواليس. يؤكد دونالد ترامب في 9 آذار/مارس الماضي أن مسألة توقيت إنهاء الحرب مع إيران ستكون قراراً "متبادلًا" يتم اتخاذه بالتنسيق مع نتنياهو، ويصرح في 29 آذار/مارس لـ"القناة 14" الإسرائيلية بأن التنسيق مع "إسرائيل" وثيق للغاية. 

لكن وراء الكواليس تعرب "إسرائيل" عن مخاوف من أن يُعلن ترمب وقف الحرب بطريقة ما أو تعليق الغارات الجوية على إيران، الأمر الذي يجد صداه في التسريبات التي تنضح بها الصحافة الإسرائيلية.

إضافة إلى ما ذكرته صحيفة "ديلي ميل" حول مكاملة هاتفية متوترة بين نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس وبين نتنياهو اتهم فيها فانس الأخير بأنه كان مفرطاً في التفاؤل شأن بفرص تغيير النظام في إيران، وأن العديد من توقعاته التي كان روجها لترامب لم تتحقق، أفادت صحيفة "يديعوت أحرونوت"، نقلاً عن مصادر مقرّبة من نتنياهو، بأن الأخير "أقرّ بأنه يجد صعوبة في فهم ترامب، ولا يعرف متى ستنتهي الحرب".

في سياق المواقف المتتالية "المثيرة للقلق" من جانب ترامب، نقلت صحيفة "وول ستريت جورنال" عن مصادر مطّلعة في 25 آذار الماضي أن المسؤولين الإسرائيليين مقتنعون بأن "ترامب قد يسعى قريباً إلى إنهاء الحرب في إيران".

في ضوء ذلك تستمر الإغراءات الإسرائيلية لاستكمال الحرب بحيث أفاد مسؤول إسرائيلي إن "إسرائيل" أبلغت إدارة ترامب بوجود "فرصة سانحة" لتحقيق نتيجة حاسمة قد تُطيح بالنظام الإيراني، مضيفاً أن الخطط تركز على ضرب البنية التحتية للطاقة لدفع إيران نحو الانهيار المالي، بحسب القناة 12 الاسرائيلية.

حتى لو انسحب ترامب تبقى عقدة لبنان
إذا كان المسؤولون العسكريون الإسرائيليون قد يعتبرون أن العملية في إيران ناجحة حتى لو انتهت قريباً، فإنه من الصعب أن ينسحب الأمر نفسه على جبهة لبنان، عدا عن أن موقف نتنياهو قد يكون متباين مع المستوى العسكري حتى على جبهة إيران.

عند النظر إلى مسرح الأحداث المتشابك والمترابط على مستوى الإقليم، يتراءى مخرج الحرب في لبنان عصيّاً على أي محاولة تبسيطية. هنا تتعقّد المسألة برمّتها: جبهة لبنان مرتبطة بشكل وثيق بالحرب الواسعة، خروج أميركا من الحرب مع بقاء جبهة لبنان مشتعلة قد يدفع إيران واليمن إلى استمرار الإسناد، "إسرائيل" في مأزق على جبهتين وقريباً على 3 جبهات فاعلة وهي رفعت سقفها عالياً وأعلنت أن جبهة لبنان سوف تستمر حتى لو توقفت الحرب على جبهة إيران، إيران بدورها تعهّدت بتلازم الجبهات. 

الأمر الذي يقود إلى انطباع يغلّب أن يطول أمد الحرب، إلا إذا نجح أحد الطرفين في كسر الآخر. تراهن إسرائيل على المزيد من القوة العسكرية ويعوّل حزب الله في المقابل على الميدان.

يعكس الواقع سقوفاً مرتفعة شديدة التباين وعصية على التجسير بين الطرفين الأميركي والإيراني، الأمر الذي ينطبق على الهوة الواسعة التي تفصل بين الأهداف الإسرائيلية المعلنة في لبنان والمطالب التي رفعها حزب الله، ما يجعل الجبهات شديدة التفاعل والتآزر في ما بينها.

تفيد صحيفة "وول ستريت جورنال"، 30 آذار/مارس، نقلاً عن مسؤولين، بأن ترامب أبلغ مساعديه أنه مستعد لإنهاء الحملة ضد إيران حتى في حال استمرار إغلاق مضيق هرمز. قد يكون ذلك مجرد خديعة، وقد يكون صحيحاً نتيجة تعذّر الحلول لديه، الأمر الذي توضحه الصحيفة من خلال القول إن ترامب ومساعديه خلصوا إلى أن مهمة فتح المضيق ستؤدي إلى تصعيد الصراع لما بعد المدة الزمنية التي حددها.

حتى لو صحّ هذا الاحتمال وقرّر ترامب في لحظة ما الانسحاب من الحرب وإعلان الانتصار من طرف واحد فإن ذلك لا يحلّ الاستعصاء. من بين المسائل المعقدة في هذه الحالة، تبرز إشكاليتان:

أولاً، هل يستطيع ادعاء النصر أساساً إذا بقي مضيق هرمز مغلقاً؟ سيبقى هذا الأمر جدلياً داخل أميركا على وجه التحديد. لكن الأهم، كيف سيتعامل في هذه الحالة مع الارتفاع المضطرد لأسعار الوقود ومع حلفائه في الخليج؟ يحتّم عليه ذلك الوصول إلى تفاهم الحد الأدنى مع إيران.

ثانياً، ماذا لو استمرت إيران، بعد انسحاب ترامب، في إسناد لبنان عسكرياً ورفضت الاستفراد فيه من قبل "إسرائيل"؟ 

من يقود من؟
كل الأسئلة الشائكة المحيطة بالمخارج المحتملة للحرب ونهايتها المتصورة، بما فيها جبهة لبنان، تقود إلى سؤال يتعلق بمركزية القرار في هذه الحرب؛ بين نتنياهو وترامب: من يقود من؟

أغلب الشواهد والأدلة تدعم أن القائد الفعلي هو ترامب أو بالأحرى الولايات المتحدة. من تلك الأدلة ما حصل في أيار/ مايو 2025 عندما أعلن ترامب فجأة، ومن دون تنسيق مسبق مع "تل أبيب"، عن اتفاق لوقف الضربات العسكرية الأميركية ضد أنصار الله في اليمن فوراً، تاركاً "إسرائيل" في صدمة.

ومن ذلك أن ترامب ألزم نتنياهو وفق تقارير بالامتثال إلى إرادته بوقف الحرب على غزة رغم محاولة الأخير التملص والالتفاف على ذلك. عدا ذلك، هناك ترتيبات جرت في سوريا، إحداها ما انتهى إليه ملف الكرد، بما يخالف التصورات الإسرائيلية.

وفي الساعات الأخيرة من حرب الـ12 يوماً أجبر ترامب، وفق تصريحاته، الطائرات الإسرائيلية على العودة بعد إقلاعها لاستهداف إيران، وأشارت تقارير إلى أن الأخير ألزم نتنياهو بالإعلان قبل نحو أسبوعين أن قرار استهداف منشآت بارس الغازية الإيرانية كان قراراً إسرائيلياً تم اتخاذه من دون علم ومشورة البيت الأبيض.

لا يلغي كل ذلك أنه لحسابات شخصية نجح نتنياهو بالتسلل إلى عقل ترامب وأقنعه بخوض الحرب على إيران، وقبل ترامب عن قناعة لا عن ابتزاز. 

في المقابل تزداد الشكوك التي تعبّر عنها أوساط إعلامية وسياسية وأكاديمية أميركية حول وجود دالة لنتنياهو عند ترامب، ويستحضر على وجه التحديد ملف إبستين في هذا الإطار. يسوّق الخطاب الإيراني بذكاء لهذا الأمر.

الخلاصة من كل ذلك:
- إذا كان ترامب هو من يقود، وقرر إنهاء الحرب فمن المستبعد أن تتمكن "إسرائيل" من مواصلة الحرب وحدها ضد جبهات المقاومة مجتمعة، خصوصاً أن إيران ألزمت نفسها بأن إنهاء الحرب لا بدّ أن يشمل حلفاءها. ما نقلته صحيفة "يديعوت أحرونوت" عن "مسؤول إسرائيلي كبير" يُعتقد أنه نتنياهو نهاية شهر آذار/مارس يؤكّد ما سبق إذ يقول المسؤول: "بمجرد أن يقرر ترامب وقف إطلاق النار في إيران سنتبع القرار".

- أما إذا قرّر ترامب الاستمرار في الحرب ولم يكن مستعداً بعد للاستجابة إلى الشروط الإيرانية، وهو الأمر الذي تدعمه المؤشرات وتصريح المتحدث العسكري الإسرائيلي نهاية آذار/ مارس بأن رئيس الأركان وقائد القيادة المركزية صدقا على خطط عسكرية في ايران لمدة شهر كامل، فإن الضغط عليه من باب "إسرائيل" التي تمثّل أكبر حاملة طائرات على اليابسة وأحد أبرز الاستثمارات العسكرية الأميركية قاطبة، قد لا يقلّ فاعلية عن استهداف القواعد والمصالح الأميركية في الخليج ومن شأنه أن يساعد ساكن البيت الأبيض على التعايش مع ما أعلنه أكثر من مسؤول إيراني بأن نتائج الحرب لا تصب في صالحه، ما يفرض عليه التنازل.

أما إذا ثبت أن "إسرائيل" تمتلك من الأوراق والأدوات التي تستطيع من خلالها عرقلة مسار التسوية وتقييد خيارات ترامب، فإن أقرب طريق إلى الخروج من الحرب يكون حينها في كسر "إسرائيل" وإجبارها على الصراخ أولاً. 

في الحالتين يتعيّن هزيمة "إسرائيل"، وقد تأتي الهزيمة مضاعفة: فشلها في تحقيق أهدافها في لبنان وانكسارها في الميدان، وتمزّق مظلة الحماية الأميركية التي تتلطّى بها وانكشاف عجزها.. في هذا الصدد ثمة مفاجآت لم تظهر بعد.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الاشراق  وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً

Copyright © 2017 Al Eshraq TV all rights reserved Created by AVESTA GROUP