عن الحرب التي وقعت الليلة الماضية!
هاية التاريخ ليس من سنن التاريخ. لا يدوم حكم ولا تستقر حضارة إلى الأبد. سنبقى محكومين بقوانين النسبية والحركة والتغيير. يتعاقب علينا الألم والأمل والتفاؤل والتشاؤم والإحباط والعزم كما تتعاقب الفصول. أحوال تصيب الدول والمجتمعات والشعوب كما تصيب الأفراد. كل صفحة نقلبها تقابلها صفحات لا نعرف مضمونها بعد. نهاية الصفحة ليس نهاية الفصل، ونهاية الفصل ليس نهاية الكتاب.
ليس في ذلك حضّ على تفاؤل أو دعوة إلى أمل. هذه مجرد حقيقة. لكنها أيضاً نسبية. يراها كل فرد من منظوره، يعيها أو لا يعيشها، يتجاهلها أو يتأمل بها. إنها المعنى أو العبث، وفي كليهما شيء من التراجيديا.
لسبب ما لم تقع الحرب
ليس كل ما يطفو على السطح يمثل الحقيقة كاملة. ظاهر الأمور في كثير من الأحيان مخادع في دلالاته وإيحاءاته. ينطبق ذلك على أجواء الحرب المسيطرة على المنطقة اليوم وعلى التأويلات التي يسبغها إعلام الهيمنة وملحقاته تجاه التطورات والمواقف والتسريبات. لو كان قرار الحرب ضد إيران مضمون العواقب بفعل القوة الأميركية الماحقة التي لا تُضاهى لوجدنا أنفسنا اليوم في اليوم التالي للحرب.
تلك الحرب لم تقع في موعدها المفترض قبل أسبوعين، ولا قبل أسبوع، ولا بعد وصول حاملة طائرات أخرى، ولا بعد دخول طائرة الحرب الإلكترونية التي لا غنى عنها أخيراً إلى الميدان، ولا بعد وصول آخر قطعة عسكرية تبيّن في الساعات الأخيرة فقط أنها ضرورية كي تكتمل الاستعدادات، ثم.. نكتشف أن الاستعدادات لم تكتمل بعد.
لسبب ما لم تقع تلك الحرب. كان موعدها "بعد ساعتين" و"هذه الليلة". لكن منذ تلك "الليلة" مرّت ليال وأيام، ولم تقع الحرب إلا على وسائل التواصل الاجتماعي ومنصات التنبؤات والتنجيم العسكري. لا يعني هذا الأمر التقليل من جدية الموقف واحتمالاته المفتوحة على تداعيات في غاية الخطورة. خطورة يعبّر عنها قلق دول الجوار وارتباك الدبلوماسية والتحشدات الميدانية وضيق الهوامش وتوثّب الدوافع، لكنها الخطورة نفسها التي تشكّل كوابح الحرب.
حتى الآن، لم تقع الحرب. لكنها افتراضياً تقع كل يوم، وطبعاً النتيجة معروفة سلفاً: لم يعد يتبقّ سوى أن يُتوّج ترامب إلهاً و"إسرائيل" سيدة على المنطقة إلى الأبد ويسلّم حزب الله سلاحه، لأن محور المقاومة انهار الآن تماماً.
مكبّرات الحرب النفسية
معاينة التاريخ من زاوية اللحظة الراهنة قد تقود إلى التشاؤم. بمعزل عن احتمالات الحرب التي ما زالت كوابحها مرتفعة وأعلى من دوافعها، فإن الوقائع التي رست عليها التطورات المتلاحقة عقب "طوفان الأقصى" من فلسطين وصولاً إلى إيران وما بينهما تعكس صورة قاتمة لكل من يقف في وجه الهيمنة الإسرائيلية والأميركية. صورة تعززها موجات متلاحقة ومستمرة من الحرب النفسية ومحاولة السيطرة على عقول الشعوب ورفع منسوب القلق واليأس لديها مدعومة بإنجازات حقيقية حققتها "إسرائيل" والولايات المتحدة في المنطقة.
بدفع هذه الإنجازات الحقيقية يجري تضخيم آثارها وتثميرها بواسطة آلة الحرب النفسية بحيث تبدو نهاية التاريخ في المنطقة وبداية العصر الإسرائيلي نتيجة حتمية ومنطقية وغير قابلة للنقض. بهذا المعنى يتحوّل المؤقت، في دائرة الإدراك، إلى دائم، والمتحرك إلى ثابت، والنسبي إلى حقيقة مطلقة.
بعيداً من التهويل أو التهوين، من القراءات المبنية على الأمنيات والأوهام أو المنصاعة إلى نتائج البروباغندا المرسومة سلفاً، فإنه من الناحية النظرية كل الاحتمالات واردة، وهي احتمالات تحددها تطورات الأيام المقبلة، كما حددتها في السابق سنن التاريخ وأحكام الصراعات.
لم ينتصر الخير دائماً على مر التاريخ. أبيدت شعوب الهنود الحمر على أيدي أجداد من يريد اليوم إخضاع إيران والمنطقة. حدث أمر مشابه في أستراليا على أيدي الاستعمار البريطاني خلال القرن التاسع عشر. في اليابان محيت مدن وحواضر بالقنابل الذرية، وفي غزة حذفت عائلات بأكملها من سجلات النفوس. الأمثلة لا تنتهي.
قد تقع الحرب غداً وقد لا تقع، وإذا وقعت ليس معلوماً ما تداعياتها وتبعاتها، لكن الأكيد أن الصراع ما زال في أوجه، وما زلنا بعيدين عن الدقيقة تسعين.
هل ما زالت كوابح الحرب تعمل؟
عندما يقفل باب التحليل بفعل ضمور المعطيات وضبابية الموقف يفتح باب القياس. الثابت عبر التاريخ بفصوله القديمة وصفحاته القريبة أن الحروب مفاجآت. المؤشرات التي برزت في الأعوام والأشهر الأخيرة لا تدعم حتمية الحسم الأميركي رغم فارق القوة.
المواجهة اليمنية مع الأساطيل الأميركية وخلاصة نتائجها تفسح المجال للمقارنة بين قدرات اليمن وقدرات إيران. الهندسة الأمنية التي اخترقت إيران ومهّدت لحرب الـ12 يوماً لم تسقط الأخيرة بالضربة القاضية، رغم ما رُصد لها من موارد وجهد ووقت، وانتهت بمفاجأة خالفت تصريحات ترامب ونتنياهو عندما دعا الأول في الأيام الأولى من الحرب طهران إلى الاستسلام، وتبجّح الثاني بأن الأمور انتهت، وأن إيران تدرك ذلك. الطابع الوجودي للمواجهة المُفترضة وتداعياتها على الإقليم وعلى العالم تدعم إلى حد كبير انخراط الصين وروسيا وباكستان، بالحد الأدنى، دعماً وتسليحاً بما يمنع اختلال التوازن وانهيار حائط الصد وسط آسيا وعند تخوم الأمن القومي لهذه الدول.
الانعكاسات الاقتصادية على العالم وعلى جيوب دافع الضرائب الأميركي، إضافة إلى المساءلات والمحاكمات داخل الكونغرس التي تعقب في العادة فشل الحملات والحروب الأميركية، هي أيضاً من العوامل التي تكبح الحرب، لا سيما قبل أشهر قليلة من انتخابات نصفية تحتاج فيها الإدارة الأميركية إلى إنجازات لا إلى مراكمة المزيد من الملفات الضاغطة عليها تُضاف إلى جملة من التحديات والأزمات التي تعصف بها.
شريحة وازنة من ناخبي ترامب وداعميه لا يستسيغون الحروب. جزء من حملته الانتخابية بُني على وعد الابتعاد منها. جرى التأكيد على ذلك قبل مدة من خلال وثيقة الأمن القومي التي أكدت على الانسحاب من حروب الشرق الأوسط التي لا تنتهي. أي حرب جديدة ينتج منها انعكاسات مباشرة على أميركا وشعوبها سوف تصيب ترامب بمقتل.
الحرب المُنتظرة قد تعزز اللحمة الداخلية الإيرانية وتدفع النظام إلى الجنوح شرقاً بقوة دفع غير مسبوقة، فيما تبقى البدائل موجودة لدى أميركا من دون حرب، وهي بدائل أثبتت فعاليتها من دون الاضطرار إلى رفع نسبة المخاطرة عبر حرب من الصعب التكهن بمآلاتها ومفاجآتها.
هل هذه المؤشرات كافية للوصول إلى استنتاج موثوق يلجم ترامب من الانزلاق إلى مغامرة غير محسومة العواقب؟
لا تُخاض الحروب دائماً لأسباب عقلانية. دوافع الحروب الأميركية على وجه التحديد لا تمليها فقط نظريات الهيمنة والمصالح القومية. ملفات إبستين تفصح عن الكثير في هذا الخصوص.
لا يلغي ذلك هدفاً ثابتاً في السياسات والإدارات الأميركية المتعاقبة. المطلوب تطويع أو إسقاط النظام الإيراني بما يمثّل من نموذج ونهج وسلوك بمعزل عن المصطلحات والعناوين السياسية التي تغلف هذا المسعى.
يتوقف قرار الحرب إلى حد كبير على مسألة جوهرية تتعدى البحث عن ورقة ذهبية داخل إيران أو ضربة تخرج منها بانتصار رمزي. السؤال الذي يتوقف عليه قرار الحرب: كيف تضمن أميركا أن تحيّد القدرات الإيرانية بعد الموجة الأولى من الهجوم وتحبط الرد المضاد وتحسم من الساعات الأولى من دون الانزلاق إلى أيام وأسابيع قتالية؟
من دون ذلك سوف تكون الحرب مخاطرة ومغامرة، لأن الرد الإيراني قادر حتماً على إيلام أميركا وإسرائيل وإحراج الأولى من خلال استهداف أهم أصولها العسكرية.
مما لا شكّ فيه أننا وصلنا إلى لحظة فارقة في هذه المواجهة التاريخية. لم نعد إزاء جولة أخرى بقدر ما نقف على أعتاب حرب فاصلة ما قبلها لا يشبه ما بعدها. ولأن الحرب وجودية الطابع هذه المرة، فإن احتمال المفاجآت يصبح أكثر حضوراً وتوقعاً. فقط في النهائيات، يلعب الفريق المتأهل كل أوراقه.
فارق أساسي بين الطرفين في هذا المثال: ما يمثّل في الاعتبار الإيراني حرباً وجودية ليس كذلك في اعتبار الولايات المتحدة، بمعنى أن الأخيرة لا تخوض حرباً وجودية بل حرباً أخرى من موقع ضمور الهيمنة.
لا تتبنى الاشراق بالضرورة الاراء والتوصيفات المذكورة.