أميركا تهدد إيران.. لماذا لا نرد عليها بالمثل؟
مع استمرار التناقض في تصريحات الرئيس ترامب، يكتسب الرهان على احتمالات العدوان الصهيو-أميركي على إيران أهمية إضافية بسبب الحشود العسكرية الأميركية الضخمة في المنطقة التي وصلتها ما لا يقل عن 200 طائرة إضافية من مختلف الأصناف.
ولم تكتفِ واشنطن بقواعدها البرية والجوية والبحرية الموجودة في جميع الدول العربية وتركيا واليونان وقبرص وإيطاليا، فاستعجلت للتواصل مع دول أخرى، ومنها أرمينيا وجورجيا وأذربيجان، بل وربما بعض دول آسيا الوسطى، كي يتسنى لها الاستفادة من أراضيها وأجوائها في حال عدوانها على إيران.
وفي الوقت الذي يسعى الجميع لفهم عقلية الرئيس ترامب في تعامله مع الملف الإيراني مع استمرار الحوار الإيراني- الأميركي بأجوائه الإيجابية، يتمنى البعض في المنطقة لواشنطن أن تضرب إيران دعماً لمواقفهم العدائية التقليدية، تارة بمبررات طائفية وأخرى قومية، والأكثر منها التواطؤ مع الكيان العبري الذي يتحجج بالبرنامج النووي الإيراني، وهو الذي يملك العشرات من الرؤوس النووية، وهو حال باكستان والهند وكوريا الشمالية.
وربما لهذا السبب لا يجرؤ أحد من هؤلاء المتواطئين وأمثالهم، بل كل من تأثر بالحملة الإعلامية الضخمة ضد إيران، أن يسألوا سؤالاً واحداً فقط عندما يتحدثون عن الحشود الأميركية والتوقيت المحتمل للحرب، ألا وهو: "ماذا يريد ترامب من إيران؟ ولماذا هذا العداء الأميركي المسعور ضد هذا البلد الذي لم يقم بأي عمل عدائي ضد أميركا أو أي بلد في المنطقة أو خارجها؟".
كما لا يخطر على بال أحد من الذين يتحدثون يومياً عن التوتر الأميركي- الإيراني أن يقول لترامب: "ماذا تريد من الشعب الإيراني المحاصر منذ عشرات السنين؟".
فإذا كان السبب هو النظام السياسي الذي لا يعجبك، فالعالم برمته، بل وحتى نصف الشعب الأميركي، لا يعجبه جنونك الشخصي ونظامك المتغطرس داخلياً والعدواني خارجياً، حيث لا تتردد في استهداف الجميع وتقوم بإهانتهم واستحقارهم، وفي مقدمتهم الزعماء العرب، بل وحتى الأوروبيين.
كما لا يعجبنا جميعاً عدوانك وعدوان دولتك الإرهابية منذ أن تأسست قبل 250 عاماً، بل قبل ذلك، عندما أجرمتم بحق أصحاب الأرض وحق الملايين من الذين جئتم بهم من أفريقيا وقمتم باستعبادهم. وإذا لا يعجبك برنامج إيران النووي، فلا تتذرع به لأنك أنت الذي انسحبت في مايو/ أيار 2018 من الاتفاق النووي الذي وقعت عليه طهران مع مجموعة 1+5 في نيسان/ أبريل 2015 وتعهدت بموجبه بوضع مجمل فعالياتها النووية تحت إشراف المراقبين الدوليين الذين كان معظمهم عملاء لك وللكيان العبري.
أما حديث عملائك في المنطقة عن "خطر الثورة الخمينية الشيعية"، فهو ليس إلا للتغطية على مشاريعك ومخططاتك للتآمر على إيران والانتقام منها منذ فترة طويلة، لأنها أطاحت الشاه الذي كان عميلاً، ليس فقط لبلدك أميركا، بل للكيان العبري أيضاً.
ويبدو واضحاً أن هذا الكيان، وبدعم منك، يسعى لإعادة هذا البلد المسلم إلى ما كان عليه قبل الثورة عندما كانت إيران ومعها تركيا تحت حكم عدنان مندرس (1950-1960 ) وإثيوبيا تحت حكم هيلاسيلاسي حلفاء له في محيط عربي كان معادياً له آنذاك، وتحول معظمه بفضل التدخل الأميركي إلى صديق، ثم متواطئ".
وفي جميع الحالات، وأيا كان السيناريو المحتمل في التهديدات الأميركية، فعلى طهران ومن معها من دول وشعوب وقوى العالم الحر المناضل أن تتخلى عن نهجها الحالي وتنتقل من موقع الدفاع عن النفس وكأنها مذنبة إلى موقع الهجوم، وعلى الأقل بالقول وبصوت عالٍ، وأن تفضح سياسات واشنطن الإجرامية ضد الجميع في هذه المنطقة وخارجها .
وآخر مثال على ذلك تصريحاته عن الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع، إذ قال: "أنا الذي جئت به ليحكم سوريا"، ناسياً أنه هو الذي وضع عام 2017 مكافأة بقيمة عشرة ملايين دولار لمن يدلي بأي معلومة عنه عندما كان اسمه أبا محمد الجولاني، ووضعه على رأس قوائم الإرهاب الدولية في أميركا ومجلس الأمن والاتحاد الأوربي.
وهو الذي أمر بنقل الآلآف من عناصر داعش من معتقلاتهم شرق الفرات إلى غرب العراق للاستفادة منهم مستقبلاً ضمن مخططاته ومشاريعه الخبيثة ضد الشعب العراقي، ثم الإيراني، ولاحقاً ضد كل دول وشعوب المنطقة بعدما غض النظر على هروب الكثيرين منهم من معتقلاتهم التي كانت تحت حماية وحدات حماية الشعب الكردية، والتي يريد لها ترامب أن تتحول إلى مرتزقة تقاتل معه ضد العراق وإيران.
وهو ما تسعى إليه واشنطن من خلال توحيد الأحزاب والقوى الكردية الإيرانية كي تكون على أهبة الاستعداد في حال التدخل البري الأميركي، وهو ما فعلته إبان احتلالها للعراق عندما نجحت في توحيد معارضتها الكردية وغيرها.
ودون أن ننسى أن الرئيس ترامب هو الذي أمر باختطاف الرئيس مادورو وزوجته من غرفة نومهما وسط تجاهل دولي غريب بعدما تبين للجميع أن هذا الرجل مجنون. وقد يفعل ذلك مع من يشاء من زعماء العالم الذين استسلموا له أو رضخوا لتعليماته أو أوامره في السر والعلن.
وفي جميع الحالات، وأياً كانت تطورات المرحلة القادمة في التهديدات الأميركية لإيران - التي لم تعتدِ على أميركياً أو أي بلد في العالم، بما فيها دول المنطقة التي عادتها منذ بدايات الثورة الإسلامية - علينا جميعاً ودون أي تردد وخجل وخوف أن نقف إلى جانب هذا البلد المسلم، حتى إن اختلف البعض معه حول نظامه السياسي.
ويعلم الجميع في المنطقة وخارجها أن السبب الوحيد والأوحد في العداء الصهيو - إمبريالي لإيران ليس نظامها الديني، ما دامت دول الخليج، والآن سوريا برمتها، ذات أنظمة دينية متطرفة، بل هو تصديها للخطط والمشاريع الإمبريالية والصهيونية ودفاعها المستميت عن قضية الشعب الفلسطيني المسلم "السني" بكل فصائله النضالية كحماس والجهاد الاسلامي، وقبلها الجبهتان الشعبية والديمقراطية بقياداتها المسيحية اليسارية، والتي تآمر الكثيرون من حكام المنطقة عليها جميعاً.
كما أن وقوف إيران إلى جانب سوريا في حربها ضد الإرهاب الداخلي والخارجي لم يكن إلا لصمود هذا البلد العربي ضد الكيان الصهيوني الذي وصل جيشه إلى مشارف دمشق واستسلم حكامها "الإسلاميون المتطرفون" الجدد لشروطه عبر الوسيط الأميركي والفرنسي وبضوء أخضر سعودي وتركي.
أما الدعم الإيراني لحزب الله في لبنان، فلم يكن هو الآخر إلا للدفاع عن سيادة هذا البلد العربي في مواجهة التهديدات الصهيونية منذ استقلاله عام 1946، إذ كان، وما زال، هدفاً لكل المشاريع والمخططات الإمبريالية الصهيونية التي اعترف بها السفير الأميركي في "تل أبيب" مايك هكابي عندما تحدث عن حق اليهود بالسيطرة على منطقة الشرق الأوسط برمتها ووفق النصوص التوراتية التي يرددها نتنياهو بين الحين والحين، مع تجاهل الحكام العرب وغيرهم لكل ذلك خوفاً من جنون الرئيس ترامب.
في النهاية، على كل من يعادي إيران في المنطقة العربية والاسلامية، ولأي سبب كان، أن يكون صادقاً بينه وبين نفسه عندما يبحث عن جواب منطقي ووجداني لأسباب هذا العداء ما دامت إيران لم تعتدِ على أحد في هذه المنطقة، والأهم من كل ذلك أنها لم تستفد أبداً لا مادياً ولا سياسياً، بل وحتى مذهبياً، كما يدّعي البعض، من علاقاتها مع سوريا والعراق واليمن ولبنان وفلسطين.
بل إنها ضحت بالكثير والكثير الذي لو لم تضحِّ به، لكانت الآن بشعبها وحكامها، وأياً كان نهجهم وانتماؤهم الديني والمذهبي والسياسي، الأكثر غنى ورفاهية وسعادة، ولكن بلا كرامة وشرف وإباء، كما هو الحال في معظم دول المنطقة التي يحول ويصول فيها ترامب والمجرم نتنياهو كما يشاءان.
إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الاشراق وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً