قبل 5 ایام
يسري الغول
37 قراءة

غزة التي غرقت في البحر

عندما كنت صغيرًا، سمعت رئيس الوزراء "الإسرائيلي" الراحل إسحاق رابين يقول في أكثر من لقاء إنه يتمنى لو يستيقظ ذات يوم وقد التهم البحر مدينة غزة. لم تكن الجملة زلّة لسان، ولا مجرّد تعبير عابر عن غضب سياسي، بل كانت اعترافًا صريحًا بعجز القوة أمام مدينة صغيرة، محاصَرة منذ عقود طويلة، لكنها عصيّة على الكسر. غزة التي تحارب بأظافرها، وتنهض من تحت الركام في كل مرة، رغم الطعنات التي تخترق جسدها من الخلف. ولقد جرى اغتيال رابين وبقيت غزة، شامخة كما كانت، تذود عن أمة تائهة في تعريف معنى الأحلاف والأعداء، وفي فهم أولوياتها وأسباب صمتها الطويل.

غزة لم تكن يومًا مدينة تبحث عن البطولة، بل كان قدرها أن تكون مقبرة للغزاة، مدينة تبحث عن الحياة بكرامة. تبحث بكل إصرار عن بيتٍ آمن، عن مدرسة لا تُقصف، وعن طفل لا يُحمل على الأكتاف إلى المقابر.

ومع ذلك، كُتب عليها أن تكون دائمًا في قلب العاصفة، وأن تدفع ثمنًا مضاعفًا: ثمن الاحتلال، وثمن العزلة، وثمن الخذلان، حيث إن جميع جيرانها يتفرجون بصمت وربما تواطؤ كما سبق وكتب مظفر النواب يهجو الأمة التي تشاهد اغتصاب مدينة القدس، واليوم تُنتهَك حرمة غزة أيضًا والمتفرجون كثر. 

ليلة البارحة، لم يعد البحر استعارة شعرية، ولا رمزًا بلاغيًا، البحر الذي لطالما شكّل متنفسًا لأبناء غزة، وحدهم الذين حُرموا السفر عبره، تحوّل إلى فخّ، فخ صنعته الطبيعة في مؤامرة جديدة حيث غرقت خيام النازحين بمياه البحر فعلًا، خيام مهترئة لا تستر من الناس شيئًا نُصبت على عجل فوق الرمال، بلا أساسات، بلا حماية من الرياح ولا من الأمواج أيضًا. لم يكن ذلك بفعل الطبيعة وحدها، بل كان نتيجة سياسة ممنهجة، دفعت الناس قسرًا نحو غرب مدينة غزة، بعد أن دمّر الاحتلال المناطق الشرقية من قطاع غزة، ثم بسط سيطرته عليها، في واحدة من أوسع عمليات الإفراغ السكاني التي يشهدها العالم، لا قطاع غزة فقط.

وفي ظل صمت عربي مريع للأسف، جرى تكديس مئات الآلاف من البشر في شريط ضيّق محاذٍ للبحر. مساحة لا تتسع للحياة، ولا تملك بنية تحتية، ولا قدرة على استيعاب هذا الكمّ الهائل من المعاناة، إذ فشل الاحتلال في تنفيذ مخطط الجنرالات القاضي بتهجير سكان غزة من الشمال إلى الجنوب ثم إلى خارج القطاع، رغم القصف والجوع والقتل، حيث عاد الناس من جنوب القطاع إلى شماله، متشبثين ببيوتهم المدمّرة، بإحساسهم العميق بأن الرحيل هو الهزيمة الوحيدة الحقيقية.

أمام هذا الفشل، انتقل الاحتلال إلى مرحلة أكثر انحطاطًا تتمثل بخنق الحياة من الداخل وتقييد حركة السكان، والتضييق عليهم، ورسم خطوط وهمية على الأرض، مثل "الخط الأصفر" الذي يتمدّد يومًا بعد يوم، ليحوّل قطاع غزة إلى مربعات صغيرة من الخوف، يُسمح لك أن تعيش فيها مؤقتًا، إلى أن يُقرَّر مصيرك جندي لا يفقه من الحياة شيئًا، وكل ذلك يجري في ظل صمت الوسطاء، وربما تواطؤ بعضهم أحيانًا، حيث تحوّلت الوساطة من أداة لوقف المجازر إلى غطاء لاستمرارها.

وأمام هذا المشهد العبثي، بدأ أطفال غزة ورجالها ونسائها وحجارتها وحواريها يشعرون، بوعيهم الفطري أن ما يجري ليس حربًا عسكرية فحسب، بل محاولة لتحقيق نبوءة قديمة. نبوءة رابين الذي تمنّى أن يبتلع البحر غزة. واليوم، يبدو أن نتنياهو يسعى لتحقيق تلك الرغبة، لكن ليس بضربة واحدة، بل بالتقسيط، مرة بالماء، ومرة بالبرد، ومرة بالجوع، ومرة بالانتظار الطويل الذي يقتل ببطء، حيث أطفال يموتون من شدّة البرد داخل خيام لا تقي من الريح، وآخرون يغرقون في عبّارات المياه المدمّرة، ومرضى يُتركون بلا دواء، وجرحى بلا أجهزة طبية، وأمهات يلدن على ضوء الهواتف المحمولة، ومدن بلا إعادة إعمار، وقطاع يُحاصر حتى من الهواء. لا دواء يدخل ولا وقود ولا مواد بناء، كأن المطلوب أن تتآكل الحياة ذاتها حتى يستسلم الناس وتعلن غزة تسليم آخر رصاصة فيها. 

في المقابل يقف العالم متفرجًا. يراقب المشهد كما لو كان فيلمًا وثائقيًا طويلًا، يتبادل فيه المعلّقون الأدوار وتُطلق فيه بيانات القلق والاستنكار، من دون أن يملك أحد الجرأة على الفعل، لذلك فإن عدالة تُؤجل، والقرارات تُفرغ من مضمونها، والقوانين الدولية تُستخدم انتقائيًا، فيما يُترك الفلسطيني ليواجه مصيره وحيدًا، محاصرًا بين بحر يُغرقه وعدوّ يدفعه نحوه بدم بارد.

أمام هذا كله، كان لا بد من طرق جدران الخزّان، لا بالصراخ فقط، بل بفضح هذا الصمت القاتل، رغم وجود الخونة الذين يترصدون كلماتنا، ورغم العسس الذين يحاصرون الأحرار، من أجل تمرير كل مخططات الاحتلال، لأن الخطر الحقيقي اليوم لا يتمثل في القصف وحده، بل في تطبيع المأساة، وفي جعل الغرق والموت والبرد أخبارًا اعتيادية تمرّ على شاشات التلفزة العربية والعالمية بلا أثر؛ فغزة لا تغرق في البحر وحده، بل في بحرٍ أوسع من الخذلان العربي والنفاق الدولي والإنسانية المشروطة، التي تطارد الأحرار في كل مكان حتى داخل البلاد التي قال فيها فولتير إنه على استعداد أن يدفع عمره ثمنًا لمن يخالفه الرأي أن يبوح برأيه، فهناك في القارة العجوز أيضًا، الكلمة صارت بثمن. 

ورغم ذلك، ورغم كل شيء ترفض غزة أن تكون نهاية الحكاية، نحن صوتها الحر، نرفض أن تتحول إلى رقم في نشرات الأخبار، أو إلى جغرافيا منسية حتى وهي محاصَرة بين عدوٍّ يدفعها نحو البحر، وبحرٍ يرفض أن يكون قبرها، تبقى غزة واقفة، تذكّر العالم بأن الشعوب لا تمحى وأن المدن التي تعلّمت الصمود لا يغرقها الماء، مهما علا منسوبه.

غزة التي غرقت في بحر الدم، تغرق اليوم في ماء البحر، وهي عطشى للحرية والسلام. 

Copyright © 2017 Al Eshraq TV all rights reserved Created by AVESTA GROUP