قبل 3 سنە
حسام عبد الكريم
219 قراءة

قراءة في نتائج الانتخابات الإيرانية.

فوز الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي كان متوقّعاً. لا يعود ذلك إلى أن الانتخابات مسرحية مرتبة سلفاً، كما يقول بعض المعارضين. هذا الأمر غير صحيح، إذ إن التنافس على منصب الرئاسة كان حقيقياً (الفوز كان بنسبة 62%)، والأصوات لم تكن مزوّرة، والنتائج لم تكن مضمونة (رئيسي نفسه خسر الانتخابات في العام 2017). 

السبب الذي يجعل النتيجة متوقعة هو التطورات التي حصلت خلال السنوات الأخيرة من حكم التيار الإصلاحي، ممثلاً بالرئيس حسن روحاني، والفشل الذي مُنيت به سياسته على الصعيدين الداخلي والخارجي؛ فقد أولى الرئيس روحاني، ومعه الوزير جواد ظريف، اهتماماً استثنائياً بالمفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن الملف النووي، واعتبرا ذلك مدخلاً لحل مشاكل إيران الاقتصادية المعقّدة. وكانت سياستهما المعلنة توحي للداخل الإيراني بأنَّ الاتفاق مع أميركا ممكن وضروري جداً لمصلحة الشعب الإيراني.

ورغم وجود تيّار في إيران لا يثق بأميركا، وينظر بريبة وتوجس إلى جدوى المفاوضات معها، فإنَّ الرئيس روحاني وفريقه أخذوا فرصتهم كاملة لتنفيذ سياستهم في الملف النووي، ولم يتعرض عَمَلهم للعرقلة من طرف الجهات المعارضة. وقرر المرشد آية الله علي خامنئي، رغم تحفّظه على "الثقة" بأميركا ومصداقيتها، أن يسمح لروحاني بالمضي إلى آخر الشوط في المفاوضات. وبالفعل، تمكَّن الثنائي روحاني - ظريف من التوصل إلى اتفاق متوازن وجيّد جداً مع أميركا، يحفظ حقوق إيران، ويراعي مصالحها.  

الضربة جاءت من الطرف الآخر، وتحديداً ترامب، الذي نقض الاتفاق بلا أي سبب قانوني، إذ انسحب منه، وترك روحاني وظريف في موقف محرج أمام شعبهما، الذي رأى بعينيه أنَّ الذين ظنّوا أنهم فتحوا صفحة جديدة مع أميركا، وحسبوا أنهم نجحوا في تجاوز الماضي الصعب في العلاقة معها، كانوا مخطئين. 

وقد صار واضحاً للجميع أن المشكلة ليست أساساً في التيار الأصولي أو الثوري داخل إيران، بل في الطرف الآخر الأميركي، الذي يأبى قبول حدّ أدنى من العلاقة القائمة على الاحترام مع إيران. الجهات المعادية لإيران في الداخل الأميركي كثيرة جداً، تبدأ من اليمين المسيحي المتصهين، ولا تنتهي عند صقور الحرب في المجمع الصناعي العسكري. 

هذه الجهات لن تقبل بصفقة تعتبرها ضماناً لاستمرار نظام الثورة الإسلامية واستقراره. في نظر هؤلاء، يجب إسقاط النظام الإيراني القائم، أو كحد أدنى تغييره جذرياً، بحيث تعود إيران إلى ما كانت عليه أيام حكم الشاه رضا بهلوي؛ تابعاً مطيعاً للسيد الأميركي. وعندها فقط، يمكن المصالحة معها. بمعنى آخر، انتقام تاريخي لهزيمة أميركا في إيران في العام 1979.

لا داعي للاستفاضة في الحديث عما فعله ترامب تجاه إيران من سياسة عدائية فظّة ووحشيّة، فذلك معروف تماماً. لقد أدى إلى صعوبات اقتصادية هائلة شكَّلت عبئاً على عموم الشعب، وتسبّبت في إحدى المراحل باندلاع تظاهرات شعبية بسبب غلاء المعيشة ورفع أسعار المحروقات.

هذه هي باختصار الأسباب التي جعلت التغيير في إيران متوقعاً تماماً ومنطقياً، فالناس لا يمكن أن يستمروا في منح ثقتهم لمن فشلت سياستهم، بل سيعاقبونهم بالتصويت، وسيغيرونهم. هذا ما حصل مع التيار الإصلاحي الذي خسر الرئاسة الآن، بعد أن كان قد خسر أغلبيته في مجلس الشورى (البرلمان) العام الماضي. إنها طبيعة الأشياء وسنّة الشعوب الحيّة. لا تزوير، ولا مسرحيات، ولا انتخابات مرتبة، ولا شيء من كلّ ذلك.   

والآن، وقد جاء رئيسي، فإنه يواجه مهمة شاقة وعسيرة، تتمثل في إخراج إيران من الظروف الاقتصادية الصعبة الناتجة من الحصار والعقوبات، وفي الوقت ذاته التعامل بحذر مضاعف مع الولايات المتحدة في ما يتعلَّق بالمفاوضات الجارية للعودة إلى الاتفاق النووي.

وقد عبر سابقاً عن اعتقاده بأن الأميركيين لديهم خطط خبيثة تجاه إيران، حين قال في العام 2017: "الأميركيون لا يريدون تمزيق الاتفاق النووي، إنما يريدون تعميم نسخة الاتفاق النووي على المجال الأمني والقدرة الدفاعية للشعب الإيراني، وتحويل إيران إلى حالةٍ من العراق وليبيا، بخفض قدرة البلاد، بحسب ظنهم". 

السؤالُ في نظر الأصوليين في إيران: ما الذي يضمن لنا ألا يتكرّر سيناريو "النكث" الأميركي في المستقبل؟ إذا كانت الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا والصين، والمواثيق والأعراف والقوانين الدولية كلها، لم تستطع أن تلزم الرئيس الأميركي باتفاقية ناجزة وموقَّعة، وأن تردعه عن شنّ حرب اقتصادية فاجرة على إيران، فكيف يمكن الركون إلى اتفاقٍ يُعادُ ترميمُه مع أميركا؟

لذلك، من المتوقع أن إيران في عهد رئيسي ستضع المزيد من الشروط، وستطالب بتعويضات وضمانات إضافية، ربما تصل إلى حد الإصرار على معاهدة رسمية ملزمة يصدّق عليها الكونغرس (وهو ما لم يحصل في اتفاقية العام 2015)، حتى لا يكون الخروج منها أمراً يسيراً بالنسبة إلى أي رئيس أميركي في المستقبل. ومن المستبعد أن يوافق الكونغرس بجناحيه على ذلك، نظراً إلى قوة اللوبي الصهيوني والجهات المعادية لإيران ونفوذهم فيه.

إذاً، قد يطول الأمر كثيراً حتى يثمر. وإلى أن يحصل ذلك، ستستمر إيران في استراتيجيتها في المنطقة، والتي أسَّسها الإمام الخميني في العام 1979، وسار عليها خليفته السيد علي خامنئي، وستواصل الاعتماد على قواها الذاتية وعلى "الاقتصاد المقاوم" الذي نجت في تطويره في ظل العقوبات والحصار، ولن تكون على عجلة من أمرها للوصول إلى اتفاق سريع مع بايدن بالشروط القديمة نفسها، ولو تطلب ذلك المزيد من الصبر والتحمّل. 

وربما تكون الاتفاقية الاستراتيجية التي أبرمتها إيران مؤخراً مع الصين، القوة الصاعدة في العالم، خياراً مستقبلياً واقعياً يمكن الركون إليه بشكل أكبر من العلاقات مع أوروبا وأميركا.  

سننتظر ونرى الشخصية التي سيختارها رئيسي لمنصب وزير الخارجية خلفاً لجواد ظريف، وسننتظر أيضاً رد الفعل الأميركي على التغيير الذي حصل في إيران. حتى الآن، تبدو الأمور وكأن إدارة بايدن اتّخذت قراراً قطعياً بالعودة إلى الاتفاق النووي، وإلى سياسة أوباما "السلمية" نفسها تجاه إيران، ولكن يبقى السؤال: هل ستتمكن من جبْر الكسْر الذي أحدثه ترامب؟ وبأيّ ثمن؟ 

أما على الصعيد الداخلي، فإنَّ الانتخابات أعادت إضفاء الشرعية الشعبية على مؤسسات الجمهورية الإسلامية ونظامها. صحيح أنَّ هناك انخفاضاً في نسبة المقترعين (49%) مقارنة بانتخابات الرئاسة في العام 2017 (73%)، إلا أنَّ هذه النسبة تبقى معقولة ومقبولة وفق معايير أغلب الدول الديمقراطية في العالم وممارساتها، وتكاد تكون الأفضل على مستوى الشرق الأوسط كلَّه، حتى لا نقول الدّول العربيّة (بعضها لا يعرف الانتخابات أصلاً).

لقد توجّه 29 مليون إيراني إلى صناديق الاقتراع، جزء كبير منهم من الشباب، وهو أمر ليس بالهيّن، ولا يمكن أن يحصل لولا إيمانهم بأهميّة أصواتهم وقدرتهم على التغيير.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الاشراق وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً

Copyright © 2017 Al Eshraq TV all rights reserved Created by AVESTA GROUP