08/04/2026
تقاریر 11 قراءة
جدلية الطاولة والميدان.. التفاوض كاستمرار للصراع بوسائل دبلوماسية!

الاشراق
الاشراق | خاص.
بعيداً عن القراءات التي تختزل التفاوض في مهارات لغوية أو بروتوكولات طاولة، يبرز هذا العلم كشكل من أشكال الصراع الأكثر تعقيداً؛ فهو ليس بديلاً عن المواجهة بل إعادة تشكيل لها ضمن قواعد مختلفة. وتؤكد الوقائع التاريخية أن الخطاب السياسي الذي يحاول فصل الدبلوماسية عن القوة يقع في فخ "الاستسلام المُموّه"، فمن يدخل التفاوض بلا رصيد من القوة، يحمل هزيمته المسبقة خلف الكلمات المنمقة.
إن المعادلة التي أرساها كلاوزفيتز حول الحرب والسياسة تجد انعكاسها المعكوس في أن "التفاوض هو استمرار للحرب بوسائل غير عسكرية". فموازين القوى التي تحسم المعارك الميدانية لا تتلاشى عند الجلوس إلى الطاولة، بل تنتقل لتُصاغ في بنية اللغة وتعريف الممكن. والتجارب التاريخية غنية بالدروس؛ فمن "اتفاقية ميونيخ" عام 1938 التي أثبتت أن التفاوض من موقع الضعف لا ينتج إلا حرباً أكثر شراسة، إلى التجربة الفيتنامية التي أجبرت واشنطن على الجلوس في باريس نتيجة "تراكم قوة مضادة فرضت نفسها"، يتضح أن التفاوض امتداد للقوة وليس بديلاً عنها.
وفي مراجعة نقدية لمسارات دبلوماسية سابقة، يكشف روبرت مالي في كتابه "غداً هو أمس" أن "الإبداع الدبلوماسي" لا يمكن أن يعوض غياب التوازن الواقعي. ويشير مالي إلى أن الفشل في محطات مثل كامب ديفيد 2000 لم يكن وليد "التعنت"، بل نتيجة بنية تفاوضية حاولت فرض حلول لا تعكس توازن القوى الحقيقي. هذا ما يضعنا أمام حقيقة أن التفاوض هو "صراع على تعريف الواقع نفسه".
ومن هنا، يبرز وهم تصوير التفاوض كنقيض للمقاومة؛ فالتفاوض الفعّال يفترض بالضرورة وجود فعل مقاوم، سواء كان عسكرياً أو اقتصادياً أو رمزياً، يمنح للكلمات وزنها ومعناها. وتجربة نيلسون مانديلا في جنوب أفريقيا تجسد هذا المفهوم، حيث لم تكن المفاوضات ممكنة لولا عقود من النضال الذي فرض كلفة حقيقية على نظام الفصل العنصري، مما جعل التفاوض انتقالاً لميزان قوى جديد لا تنازلاً ضمن الميزان القديم.
في المقابل، تظهر محطات أخرى مثل "اتفاقيات أوسلو" كيف يمكن للتفاوض، في ظل اختلال بنيوي وتراجع الدعم الاستراتيجي، أن يتحول إلى "آلية لإدارة الاحتلال بدل إنهائه". وهذا يؤكد أن التفاوض الحقيقي لا يبدأ عند الطاولة، بل يبدأ قبلها بكثير من خلال بناء القوة وإدارة الصراع بطريقة تفرض على الآخر الاعتراف بك كفاعل لا يمكن تجاوزه.
في المحصلة، ليس السؤال "هل نتفاوض؟"، بل من أي موقع وبأي أدوات؟ فالتفاوض ليس خياراً أخلاقياً يقابل العنف، بل هو ممارسة قد تكون عنيفة في جوهرها لأنها تعيد توزيع القوة وتحدد مصائر الشعوب. إن التفاوض من دون مقاومة ليس سوى "استسلام بلغة مهذبة"، بينما يظل التفاوض المسنود بالفعل الميداني أحد أرقى أشكال المقاومة حين تبلغ نضجها الاستراتيجي.