05/04/2026
تقاریر 18 قراءة
لماذا لا تنتهي الحرب على إيران بضربة واحدة؟
66شس6+شسي+صص+4ب.png)
الاشراق
في اللحظات الأولى بعد الضربات التي وُصفت في الإعلام الغربي والإسرائيلي بأنّها «قاضية»، بدا وكأنّ الرهان واضح: ضرب الرأس لإسقاط الجسد، وإحداث صدمة كبرى تُدخل إيران في فوضى سياسية وأمنية ونفسية تنتهي بانهيار النظام من الداخل.
غير أنّ ما تلا ذلك لم يكن مشهد تفكّك، بل مشهد تماسك وتسارع في إعادة تنظيم المجال السياسي والأمني والرمزي. هنا بالضبط تبدأ المسألة الفعلية: لماذا فشل منطق «الضربة القاضية»؟ ولماذا لم يتحول اغتيال القيادة إلى المدخل المنتظر لإنهاء النظام؟
الجواب لا يكمن فقط في قدرات الدولة الأمنية أو في صرامة مؤسساتها، بل في طبيعة البنية التي تقوم عليها الجمهورية الإسلامية نفسها؛ فهي ليست جهاز حكم تقليدي يمكن أن ينهار إذا فُقد رأسه، بل منظومة مركّبة يتشابك فيها السياسي بالعقائدي، والمؤسسي بالشعبي، والدولة بالذاكرة، والقرار اليومي بصورة أعمق من مجرد الإدارة البيروقراطية.
طبقات الحكم في إيران
حين تُقرأ إيران بعين الخصم فقط، تبدو كدولة مركزية شديدة الارتباط بقائدها، وحينها يصبح اغتيال القائد فعلاً حاسماً بحدّ ذاته. لكن هذه القراءة، على رغم شيوعها، تتجاهل أن الدولة الإيرانية بُنيت منذ الثورة على طبقات متداخلة من الشرعية. هناك شرعية دستورية ومؤسساتية، وهناك شرعية ثورية، وهناك أيضاً شرعية رمزية تولّدت عبر عقود من الصراع والعقوبات والحروب غير المباشرة.
هذه الطبقات لا تلغي مركزية القيادة، لكنها تمنع اختزال النظام في شخص، حتى لو كان هذا الشخص هو الأكثر حضوراً وتأثيراً. فحين يضرب الخصم القمة، لا يتعامل مع هرم إداري صامت، بل مع بنية معتادة على تحويل الفقد إلى تعبئة، والتهديد إلى مناسبة لإعادة تعريف الذات والوظيفة والمعنى.
النظام الإيراني ليس جسماً يُسقط بضرب رأسه بل بنية متعددة الطبقات
الرهان على الاغتيال يفترض عادة أن الأنظمة تنكسر حين تُحرم من عقلها المدبّر أو رمزها الجامع. وهذه الفرضية قد تصحّ في أنظمة شخصية أو هشة أو معزولة مجتمعياً. غير أنّ الحالة الإيرانية تختلف، لا لأنّها محصّنة كلياً، بل لأنّها نشأت أصلاً في مناخ صراع مستمر، وتعلّمت من تجربتها أن توزّع عناصر القوة والقرار والاستمرارية على أكثر من مستوى.
في مثل هذه البنية، لا يكون القائد مجرد مدير أعلى، بل يكون جزءاً من سلسلة رمزية وتنظيمية تملك آليات استبدال، وإعادة تموضع، وإنتاج خطاب جديد يستوعب الصدمة. لهذا لا يتحوّل الاغتيال إلى لحظة شلل، بل كثيراً ما يصبح لحظة كثافة سياسية وعاطفية تستنهض الجمهور وتُعيد ربطه بالنظام على أساس الدفاع لا على أساس الاعتياد.
منطق المواجهة
ثمّة خطأ متكرر في قراءة طبيعة الحرب على إيران، وهو التعامل معها كأنها عملية عسكرية هدفها التدمير المادي فقط. في الواقع، المسألة أوسع من ذلك بكثير. ما يجري هو صراع على الإرادة والصورة والمعنى بقدر ما هو صراع على الصواريخ والمنشآت. لذلك فإنّ «الضربة القاضية» لا تُقاس فقط بحجم الخسائر، بل بقدرتها على إنتاج انهيار نفسي داخل المجتمع والطبقة الحاكمة. وما يظهر في التجربة الإيرانية هو أن هذا الانهيار النفسي لم يتحقق، لأن النظام نجح في نقل مركز التلقي من منطق الفاجعة إلى منطق المواجهة. أي أنّ الضربة لم تُقرأ بوصفها نهاية، بل بوصفها طوراً جديداً من الامتحان، وفي مثل هذه القراءة تتبدل النتائج كلياً.
يُضاف إلى ذلك أنّ إيران لم تبنِ مكانتها الإقليمية على نموذج الدولة المنعزلة داخل حدودها. لقد أنتجت، خلال العقود الماضية، شبكة نفوذ وتحالفات وعلاقات ممتدة في الإقليم، بحيث لم يعد أمنها ولا قرارها ولا ردعها مسألة محلية خالصة.
الضربة التي لا تُحدث انهياراً سريعاً تتحول إلى عبء على صاحبها
هذا لا يعني أن الحلفاء بديل عن الدولة، بل يعني أن المجال الإيراني نفسه بات موزعاً على أكثر من ساحة وأكثر من لغة وأكثر من مستوى اشتباك. وبالتالي فإن محاولة الحسم عبر ضربة مركّزة تفترض أيضاً أن الخصم يواجه دولة منفردة، بينما هو في الواقع يواجه بنية قادرة على امتصاص الصدمة وتوزيع أثرها والردّ عليها بطرق غير متناظرة. في مثل هذه الحالات، تصبح الحرب أقل قابلية للحسم وأكثر قابلية للتحول إلى مسار استنزاف طويل ومفتوح.
تعريف النظام
لكن العنصر الأهم، وربما الأقل فهماً في التناول الإعلامي السائد، هو أن شرعية الصمود في إيران ليست شرعية أداء فقط، بل شرعية معنى. هناك أنظمة إذا فشلت في حماية قادتها أو أراضيها فقدت فوراً مسوغها الأخلاقي والسياسي. أما في إيران، فإن الصمود نفسه جزء من تعريف النظام لنفسه. هو لا يقول لمجتمعه فقط: نحن ندير الدولة، بل يقول أيضاً: نحن نحمل عبء المواجهة وندفع ثمن الاستقلال ونقف في خط النار لأن هذه هي وظيفتنا التاريخية.
في هذه النقطة تحديداً، يتحول الألم إلى دليل على الموقع لا إلى دليل على الفشل. وهذا لا يُلغي وجود التململ أو النقد أو الخسائر، لكنه يفسر لماذا لا تؤدي الضربات إلى النتيجة التي يتوقعها من يقرأ المجتمعات بلغة المصلحة الباردة وحدها.
ولأنّ الصراع في جوهره صراع سرديات أيضاً، فإن اغتيال القيادة لا يبقى حدثاً أمنياً، بل يدخل فوراً في حيّز التأويل العام. هل هو دليل ضعف النظام؟ أم دليل خوف خصومه منه؟ هل يعني أن القيادة سقطت؟ أم يعني أن الخصم اضطر إلى تجاوز كل السقوف لأنه عجز عن فرض الشروط بالوسائل الأخرى؟ هنا تتحدد فعالية الضربة.
فإذا نجح الطرف المستهدف في احتواء التأويل وإعادة توجيهه، صار الاغتيال وقوداً للسردية المضادة. وهذا ما حدث مراراً في تجارب سابقة داخل المنطقة: حين تعجز القوة الكبرى عن كسر الخصم سياسياً، تلجأ إلى استهداف الرمز، لكنها بذلك تمنح الرمز حياةً إضافية في الذاكرة الجماعية. وعندما يكون المجتمع مهيّأً مسبقاً لفهم الخسارة بوصفها امتحاناً أو تضحية أو دليلاً على صواب الطريق، فإن الأثر ينقلب على مقصده الأصلي.
التفوق المستمر
ثمة عامل آخر لا ينبغي إغفاله، هو أن خصوم إيران كثيراً ما يبالغون في تقدير أثر الضربات الخاطفة ويقلّلون من شأن الزمن. بينما تقوم الاستراتيجية الإيرانية، في المقابل، على فكرة مراكمة الصبر وتحييد أثر الصدمة الأولى.
في الحروب الحديثة، لا يكفي أن تصيب الهدف، بل يجب أن تحافظ على تفوقك في الزمن اللاحق: في الساعات التالية، ثم في الأيام، ثم في الأسابيع. هذا هو الامتحان الحقيقي. الضربة التي تفشل في إنتاج انهيار سريع تتحول غالباً إلى عبء، لأن الطرف المهاجم يكون قد استنفد عنصر المفاجأة من دون أن يحسم المعركة. عندها يبدأ الطرف المستهدف في استعادة المبادرة، ليس بالضرورة عبر انتصار عسكري مباشر، بل عبر إثبات القدرة على البقاء وإجبار الخصم على الانتقال من وعد الحسم إلى إدارة المأزق.
الصمود في إيران جزء من تعريف النظام لنفسه لا مجرد نتيجة ظرفية
في الحالة الإيرانية، يبدو واضحاً أن مسألة القيادة نفسها تُقرأ داخل سردية أوسع من الشخص. ليس لأن الأشخاص غير مهمين، بل لأن فكرة الاستمرار تتقدم دائماً على فكرة الفرد، حتى لو كان الفرد مركزياً. ولذلك فإن السؤال الأهم ليس: هل اغتيال القائد يُحدث فراغاً؟ بل: هل المنظومة تملك لغةً وذاكرةً وآلياتٍ تنظّم هذا الفراغ وتحوله إلى استمرارية؟ والجواب، حتى الآن على الأقل، هو نعم. فالمؤسسات لا تتحرك فقط بحكم الروتين، بل بحكم التعبئة العقائدية، والشارع لا يُستدعى فقط بقرار تنظيمي، بل عبر ربط اللحظة الراهنة بسلسلة طويلة من المعاني: الشهادة، الابتلاء، الثبات، عدم التسليم، وتحويل المحنة إلى مناسبة لإعادة البيعة المعنوية مع المشروع كله.
الاستثمار في الضربة
من هنا يمكن فهم لماذا لم تكن الضربة القاضية ممكنة. ليس لأن إيران عصيّة على الجرح، ولا لأن خصومها عاجزون تماماً، بل لأن منطق الحسم نفسه كان مبنياً على قراءة ناقصة لبنية الخصم. لقد افترض أن النظام الإيراني يساوي قيادته المباشرة، وأن المجتمع الإيراني سينظر إلى الضربة بعيون الخوف وحده، وأن تفوق النار يكفي لإنتاج انهيار الإرادة. لكن ما جرى أظهر أن ثمة بُعداً آخر في هذه البنية: قدرة على تحويل الخسارة إلى رصيد، وعلى جمع المؤسسي بالشعبي، وعلى جعل الاستهداف الخارجي سبباً إضافياً لتماسك الداخل، لا لتفككه. في هذا المعنى، ليست المشكلة عند من يواجه إيران أنه لم يُحسن التصويب، بل أنه لم يُحسن الفهم.
ولعلّ هذا هو الدرس الأهم في الحرب الجارية: بعض الأنظمة تسقط حين تُضرب، وبعضها يتشقق، وبعضها يُعاد إنتاجه عبر الضربة نفسها. والفارق بين هذه الحالات لا تشرحه القوة العسكرية وحدها، بل طبيعة الشرعية، وشكل المجتمع السياسي، وموقع الذاكرة في الوعي العام، وقدرة النظام على إعادة تعريف الألم بوصفه جزءاً من وظيفته التاريخية. بهذا المعنى، لا تبدو إيران اليوم حالة يمكن إسقاطها بضربة واحدة، بل بنية تُرغم خصومها، مرة بعد مرة، على الانتقال من حلم الحسم إلى واقع الاستنزاف.