27/02/2026
تقاریر 20 قراءة
التردّد الأميركي يتمدّد: ماذا بعد «حرب اللاضرورة»؟

الاشراق
الاشراق | متابعة.
مهما كانت مخرجات الجولة الثالثة من المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة، فالنتيجة الفعلية لن تخرج في الغالب عن دائرة الغموض والتردّد، اللذَين باتا يطبعان السياسة الأميركية تجاه الجمهورية الإسلامية في هذه المرحلة. وسواء انتهت تلك الجولة ببيانات متفائلة أو مشكّكة، فمن المرجّح أن تبقى الفجوة كبيرة بين ما تطمح إليه واشنطن عبر مسار يزاوج بين الدبلوماسية والتلويح بالحرب، وما هو قابل للتحقيق واقعياً. والفجوة هذه، لا يمكن ردمها ما لم تتنازل إدارة دونالد ترامب عن سقف توقّعاتها المرتفع، وهو أمر يبدو صعباً في ظلّ الدينامية التصعيدية التي اعتمدتها، والتي جعلت من أيّ تراجع دبلوماسي بلا مواجهة، يبدو وكأنه انتكاسة استراتيجية لها.
أمّا في حال أرادت الإدارة المضيّ في خيار التصعيد، فلن يكون طريقها مُعبّداً بالورود؛ إذ على الرغم من أن الميزان العسكري يميل بشكل حاسم لمصلحة الولايات المتحدة، وأن القياس بالقدرة التدميرية والتفوّق التقني والاستخباراتي يرجّح حتماً غلبة واشنطن، فإن المفارقة التي تبرز من داخل أروقة صنع القرار في الولايات المتحدة، تتمثّل بوجود اعتقاد بأن هذه الغلبة لا تُترجَم تلقائياً إلى مكاسب سياسية، بل قد ترفع الكلفة الكلية للعملية العسكرية إلى مستويات تفوق أيّ فائدة عملية منها.
وممّا يصعّب الموقف الأميركي هنا أيضاً، أن الحرب على إيران، بحسب كثير من التعليقات الأميركية، هي «حرب خيار» وليست «حرب ضرورة»، ما يعني أنها ستكون تحت مجهر المحاسبة السياسية، وستلاحقها أسئلة الكلفة والنتيجة، وسيظهر معها البحث في البدائل، حكمة وليس ضعفاً. وفي هذا المجال، تدرك واشنطن جيداً أن المعادلة الإيرانية تختلف جذرياً عن حالات أخرى واجهتها، من مثل فنزويلا، حيث تكفي ضربة محدودة أو عقوبات خانقة لإحداث تغيير في سلوك الطرف الآخر. فإيران دولة إقليمية ذات عمق استراتيجي، وتمتلك شبكة واسعة من الحلفاء، وقدرة صاروخية معتدّاً بها، ويحكمها نظام سياسي أيديولوجي متماسك حول فكرة المقاومة. ولذا، فإن أيّ مغامرة عسكرية ضدّها لن تكون مجرّد عملية تُحسم من الجو، ثم يُعلن من بعدها النصر، بل هي مقامرة مُعقّدة قد تفتح أبواباً لا تُغلق بسهولة.
كما أن الرد الإيراني، حتى لو بدا غير متكافئ عسكرياً، قد يكون كافياً لإلحاق خسائر بشرية ومادية بالقوات الأميركية وقواعدها في المنطقة. والخسائر، بحسب ما تخبر به التجارب الأميركية، تتحوّل سريعاً إلى مقياس فوري للنصر أو الهزيمة، بغضّ النظر عن الأهداف الاستراتيجية المُعلنة، خاصة في «حروب الخيار». وهنا، تبرز الأسئلة التي أثيرت كثيراً في الأيام القليلة الماضية في أميركا، ومن بين أبرزها: هل المخزون الصاروخي الأميركي في المنطقة كافٍ لحملة تتجاوز أياماً معدودة؟ وهل يمكن تحمّل كلفة استنزاف هذه الذخائر في ظلّ تحدّيات أمنية عالمية أخرى؟ وكيف يمكن حماية القواعد الأميركية المنتشرة من ردود فعل صاروخية إيرانية أو عبر حلفاء طهران، خاصة مع ثغرات في الأنظمة الدفاعية التي لا تغطي كلّ السيناريوهات؟
عندما تكون الحرب خياراً فهي تحوّل كل سؤال عن الكلفة والنتيجة إلى سؤال مشروع
والأهم، ماذا بعد الضربة؟ فحتى لو نجحت العملية في تدمير بعض المنشآت النووية أو الصاروخية، فهل تعني هذه النتيجة إخضاع إيران؟ الواقع يشير إلى نقيض ذلك؛ فالتجربة التاريخية تظهر أن التهديد الخارجي يؤدّي في الحالة الإيرانية إلى تصلّب المواقف الداخلية والاصطفاف خلف النظام، وهي لن تفضي على الأرجح إلى إضعافه وإن آلمته. لا بل قد تخرج طهران من المواجهة أكثر إصراراً على امتلاك الردع النووي كضمان لعدم تكرار الاعتداء، ما يجعل الهدف المُعلن (منعها من امتلاك السلاح النووي) يبتعد بدلاً من أن يقترب. كما أن العودة إلى طاولة المفاوضات بعد مواجهة عسكرية، ستكون في ظروف أكثر تعقيداً؛ إذ قد ترفض إيران والحال هذه التفاوض تحت النار، أو قد ترفع سقف مطالبها تعويضاً عن الخسائر، أو قد تنسحب كلياً من أيّ حوار، في ما من شأنه إغلاق المسار الدبلوماسي لسنوات. وبالتالي، حتى الخيار العسكري «الناجح» تكتيكياً قد يفشل استراتيجياً في تحقيق الهدف السياسي المنشود.
في ضوء هذه المعطيات، وفي ظلّ عدم «مضمونية» نتائج أيّ تصعيد، يصبح التمسّك بالخيار الدبلوماسي، حتى مع كلّ ثغراته، أقلّ خطورة من المغامرة بـ»حرب خيار». ومن هنا، ترفع الولايات المتحدة سقف تهديداتها بما يفوق قابلية هذه التهديدات للتنفيذ، أملاً في دفع إيران نحو تنازلات كبرى من شأنها تغيير جوهر النظام.
لكنّ إيران ليست في وارد تقديم تنازلات من النوع المذكور؛ إذ على الرغم من إبدائها استعداداً لتغيير نسبي محمول الكلف، فإنها تتعامل مع كلّ ما يتجاوز تلك الدائرة كقضية وجودية لا تقبل المساومة، وهذا ما لم تفهمه الولايات المتحدة إلى الآن.
على أيّ حال، حتى إذا لاحت في الأفق اتفاقات مؤقّتة أو هدن تكتيكية، فإن البنية الهيكلية للأزمة ستبقى قائمة، وهو ما لن يختلف أيضاً حتى مع تفعيل الخيارات العسكرية. فالغموض الأميركي سيستمرّ كوسيلة للحفاظ على الضغط، في حين أن التصلّب الإيراني سيتواصل كآلية للدفاع عن الوجود. وما لم تحدث إعادة تعريف جذرية للأهداف الأميركية تتواءم مع الواقع، أو تحوّل استراتيجي في أولويات النظام الإيراني، فإن جولات المفاوضات، مهما كثر عددها، ستظلّ مجرّد فواصل زمنية في صراع طويل، لا يُرجّح له أن ينتهي.
بقلم يحيى دبوق