27/02/2026
السياسية 22 قراءة
«إفرات» مدخلاً لشرعنة المستوطنات: أميركا تغطّي ضمّ الضفة!

الاشراق
الاشراق | متابعة.
أعلنت السفارة الأميركية لدى الاحتلال الإسرائيلي، في خطوة غير مسبوقة، نيّتها تقديم خدمات قنصلية داخل مستوطنة «إفرات» المُقامة على أراضي الضفة الغربية المحتلة، مبيّنةً أن مكاتبها ستباشر تقديم «خدمات جوازات السفر الروتينية» في تلك المستوطنة التي تقع إلى جنوب القدس المحتلة، ضمن ما أسمته «مبادرة الحرية 250» للوصول إلى جميع المواطنين الأميركيين. وتأتي هذه الخطوة خلافاً للسياسات المُعلنة للإدارات الأميركية المتعاقبة، التي كانت تعبّر عن رفضها الرسمي لضمّ الضفة الغربية، وتعدّ الاستيطان «عقبةً أمام السلام»، حتى وإن لم تُترجم هذه المواقف يوماً إلى ضغوط حقيقية على كيان الاحتلال.
ويحمل هذا القرار دلالات بالغة الخطورة، على رأسها الانتقال من «التغاضي السياسي» عن التغوّل الاستيطاني، إلى مستوى المشاركة العملية في السياسات التي تستهدف «شرعنة» الضمّ تدريجياً، إذ إن الخطوة تمثّل اعترافاً مباشراً بالمستوطنات، كحيّز يمكن للسفارات العمل فيه بصورة «طبيعية»، وهو ما من شأنه تكريس «شرعنة» وجودها، تمهيداً لفرض «السيادة» الإسرائيلية عليها.
هكذا، تعيد واشنطن توصيف المستوطنات سياسياً، محوّلةً إياها من كيانات غير شرعية وفق القانون الدولي، إلى «أماكن سكن عادية» يتلقّى فيها المواطن الأميركي خدمات رسمية من دولته. ومن شأن الإعلان الأخير «مساواة» تلك المستوطنات، إدارياً، بمدن داخل فلسطين المحتلة، وذلك من طريق إدراجها ضمن برنامج قنصلي واحد مع القدس وحيفا ونتانيا، على سبيل المثال، الأمر الذي يسهم بشكل مباشر في تطبيع واقع الضمّ والاحتلال.
وفيما لا تُعدّ هذه الخطوة مستغربة في ظلّ إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، التي كانت سبّاقة في نقل سفارة الولايات المتحدة إلى القدس، رحّبت حكومة الاحتلال بها، واصفةً إيّاها بـ«التاريخية». وأشاد وزير الخارجية، جدعون ساعر، بالقرار، معتبراً، خلال مداخلة في «الكنيست»، أنه يعكس «تطوراً» في التعامل الدولي مع المستوطنات، فيما عدّته أوساط في اليمين المتطرف اعترافاً عملياً بالمستوطنات، كجزء من المجال الإداري لكيان الاحتلال.
والواقع أن أخطر ما يستبطنه القرار الأميركي أنه يتقاطع مع مشروع اليمين الإسرائيلي المتطرف، خصوصاً رؤية وزير المالية، بتسلئيل سموتريتش، القائمة على إزالة الفوارق القانونية والسياسية بين المستوطنات والاحتلال، وتحويل الضفة الغربية إلى مجال إداري يخضع بشكل كامل للسيادة الإسرائيلية. فاليمين المتطرّف لا يحتاج إلى إعلان ضمّ رسمي بقدر حاجته إلى سلسلة إجراءات تراكمية تُحوّل الاحتلال إلى واقع «طبيعي» معترَف به ضمنياً من القوى الكبرى، ولا سيّما الولايات المتحدة، وهو ما يوفّره الإجراء الأميركي بالفعل.
ورغم الإجماع الدولي النظري على عدم شرعية الاستيطان، فإن القرار الأميركي الأخير يُضاف إلى سجلّ الولايات المتحدة الحافل بإضعاف هذا الإجماع عملياً، وتالياً بتقويض المنظومة القانونية الدولية برمّتها، التي تبدو مجدّداً «قابلة للتجاوز» حين تتعارض مع مصالح واشنطن أو مصلحة الاحتلال الإسرائيلي.
يشير الواقع إلى «انتقال» الفلسطينيين من مرحلة «التحذير» من احتمالات الضم إلى مرحلة «نتائجه الفعلية»
وإزاء ما تقدّم، يقول مدير التوثيق في «هيئة مقاومة الجدار والاستيطان»، أمير داوود، في حديثه إلى «الأخبار»، إن القرار يمثل «دفعة جديدة تقدّمها الإدارات الأميركية المتعاقبة لمنظومة الاستيطان الاستعماري في كيان الاحتلال، ويكشف التناقض بين الموقف الأميركي المعلن والممارسة الفعلية»، وهو ما يشكّل، بحسبه، «منبع الخطورة الحقيقي». وتنسحب هذه «الخطورة» نفسها، وفقاً لداوود، على معظم مواقف قادة دول العالم حيال ما يجري في الضفة الغربية؛ إذ «ترفض هذه الدول إعلان الضم رسمياً، في مقابل التواطؤ مع خطوات الاحتلال العملية التي تفرض السيادة الإسرائيلية فعلياً».
ويشير داوود إلى أن الفلسطينيين اليوم باتوا أمام مرحلة جديدة في تعامل الإدارات الأميركية مع الاحتلال؛ ففي السابق كانت تلك الإدارات «تمنح هامشاً ضيقاً من التساوق الشكلي مع القانون الدولي، لكنها باتت اليوم تتجاهل منظومة القوانين الدولية، بما في ذلك اتفاقيات جنيف وكلّ ما يتعلق بعدم شرعية المستوطنات»، معتبراً أن التوجه الأميركي الحالي يستهدف «تحويل الاحتلال إلى وجود دائم وفق منطق سيادي مفروض بالقوة». وإذ يلفت إلى أن السفارة الأميركية أعلنت نيتها افتتاح مراكز أخرى في مستوطنات أخرى، بينها «بيتار عليت» القريبة من «إفرات»، فهو يتوقّع أن هذه التجربة «سيتمّ تعميمها على نطاق أوسع داخل عمق الضفة الغربية المحتلة، بما فيها المستوطنات في محافظة رام الله».
ويرى داوود أن هذا الواقع يشير إلى «انتقال» الفلسطينيين من مرحلة «التحذير» من احتمالات الضم إلى مرحلة «نتائجه الفعلية»، والمتمثّلة، بحسبه، في «تفكيك أي التزامات سياسية ناتجة من «اتفاق أوسلو»، والاعتداء على الكيانية الوطنية الفلسطينية، واعتبار الأراضي المحتلة جزءاً من سيادة كيان الاحتلال». ولذا، يدعو إلى اعتماد خطاب إعلامي مكثّف «يوصّف الوقائع كما هي، بعيداً عن لغة الاحتمالات والتوقعات، وبلا مواربة ولا تجميل: كيان الاحتلال بات يمارس فرض السيادة بشكل معلن بضوء أخضر أميركي وبدعم أميركي مباشر».