13/02/2026
السياسية 21 قراءة
طهران وواشنطن... ما هو المختلف في هذه المفاوضات؟

الاشراق
الاشراق | متابعة.
لا شكّ في أن الجولة الأولى من المفاوضات مؤخراً في مسقط حدثت في ذروة التوتر الإيراني الأميركي، ربما منذ انتصار الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، وتختلف عن سابقاتها من المفاوضات في عدد من شروط النظام الإقليمي والدولي، منها:
1. واشنطن... تحولات مستمرة في الأولويات
قبل الاتفاق النووي عام 2015، كانت لحظة أميركية حساسة في تركيز الاهتمام على آسيا (Pivot to Asia)، فالناتج الإجمالي الصيني بمعدل القوة الشرائية قارب آنذاك 10 تريليونات دولار، وفي الولايات المتحدة 15 تريليوناً، ولكن معدلات النمو التي وصلت إلى 11% على الجانب الصيني، وتلك التي كانت تنحدر إلى قيم سالبة عام 2009 في الولايات المتحدة ، كانت تنذر بمستقبل مشؤوم أميركياً، إذا لم تتحرك واشنطن، وبسرعة.
لم تدفع تلك الأولوية أوباما إلى التخلّي عن "إسرائيل"، ولكنها تضاربت ضمنياً مع أولويات كيان الاحتلال في الحرب ضد محور المقاومة، وعلى رأسه إيران، أو أقلّه زيادة الضغط عليه.
اضطر نتنياهو خلال رئاسة أوباما إلى التكيف مع الأولويات الأميركية، وظهر ذلك في خطابات بار إيلان 1 عام 2009، وبار إيلان 2 عام 2013، حيث تحدّث في الأول عن "دولة فلسطينية" منزوعة السلاح، وفي الثاني لم يتجاوز خطابه سقوف التحذير من مراكمة القدرات النووية الإيرانية وضرورة تشديد العقوبات عليها، ومحاولة قطع الطريق على الاتفاق.
أقصى ما أمكن أن يقدمه أوباما ضمن شرط الأولويات الأميركية هو توجيه مسارات "الربيع العربي"، وإنتاج حالة فوضى تقاتل هي قوى المقاومة نيابة عن "إسرائيل" والولايات المتحدة معاً، وتنتج واقعاُ يتوافق مع الشرط الإسرائيلي، سواء لجهة إنتاج حالة من التفكك السياسي الداخلي، والعجز عن إنتاج السلطات البديلة بسلاسة، وكذلك إنتاج التيارات التكفيرية التي اقتحمت المشهد.
حدث الاتفاق النووي في المرحلة التي بدأت موجة التنظيمات التكفيرية بالتراجع، وانتصار قوى المقاومة في المنطقة.
يتحرك الشرط الأميركي الآن في ظل ظروف مختلفة؛ فمن جهة أولى، هنالك يأس أميركي مضمر من التصميم على عنوان أوباما السابق "التوجه إلى آسيا"، ويظهر ذلك في لغة أدبيات الوثائق الاستراتيجية الأميركية، التي تتحدث عن تجنب المواجهة (confrontation)، لصالح الردع السلبي (Denial Deterrence). الأمر الذي يدفع العدوان الأميركي إلى المناطق التي تعتبرها أقل تماسكاً؛ أميركا اللاتينية وغرب آسيا.
من جهة ثانية؛ ترى واشنطن أن ثمة معطيات جديدة لم تكن متوفرة في عهد إدارة أوباما؛ التحولات الكبرى في سوريا، والضغوط التي تعرّضت لها قوى المقاومة في المنطقة، منذ السابع من أكتوبر، في فلسطين ولبنان تحديداً. معطيات تجد فيها واشنطن أوراقاً ضاغطة في عملية التفاوض مع إيران، على اعتبار أن التراجع في إمكانات محور المقاومة ككل، ينعكس بالضرورة على مركزه في طهران.
2. روسيا... من الانطلاقة القوية خارج الحدود إلى الانشغال في الجوار القريب
حدث الدخول الروسي على خط الأزمة في سوريا في العام نفسه الذي أُبرم فيه الاتفاق النووي مع إيران. كان ذلك الحدث الرابع لتحرك روسيا الحديثة خارج الحدود، بعد انهيار الاتحاد السوفياتي ( الشيشان، جورجيا / أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا، شبه جزيرة القرم). ولكن التحرك هذه المرة كان باتجاه الجغرافيا البعيدة، والذي امتلك طاقة دفع كبيرة، أربكت الأوراق الأميركية.
لكن المواجهة الروسية الأطلسية في أوكرانيا التي بدأت عام 2022 فرضت واقعاً جديداً، يُضعف من الحماسة الروسية للتحرك القوي خارج الحدود؛ وهو ما ظهر في مناسبات عديدة؛ في سوريا وكذلك في فنزويلا.
من زاوية أخرى، وبمنطق مماثل للحالة الصينية، ثمة شعور أميركي دفين بلا جدوى، المزيد من الدّعم ضد روسيا في أوكرانيا، وفي الوثائق الاستراتيجية الأميركية الصادرة مؤخراً (وثيقة الأمن القومي، ووثيقة الدفاع الوطني) تعتبر واشنطن أن أوروبا باتت قارة في طور الذبول، حضارة في مرحلة الاضمحلال، ولا يُعتمد عليها، وأن الحليف النموذجي يتمثل في "إسرائيل".
وفي الوقت الذي كانت فيه روسيا، والصين أيضاً، أطرافاً أساسية في مفاوضات الـ 5+1 ، فالمفاوضات تتحرك اليوم بحضور وساطات مصرية وتركية وعمانية وقطرية.
انتقلت أوروبا من موقعها في الـ 5+1 ، وتعاظم التبادل التجاري مع إيران بعد توقيع الاتفاق ( من 1.3 مليار دولار في عام 2015 إلى 11.4 مليار دولار عام 2017 بحسب trading economics) إلى تفعيل آلية السناب باك، وتصنيف الحرس الثوري كـ"منظمة إرهابية".
3. التفاوض الأميركي... انحدار المنطق والكفاءات
مع أن الولايات المتحدة تشهد منذ عقود تراجعاً ملحوظاً في مستوى القيادات السياسية، إلّا أنّ فريق ترامب يبدو الأسوأ لجهة الخبرات السياسية والفنية في المفاوضات.
كانت ويندي شيرمان حاضرة في فريق التفاوض الأميركي عام 2015، وكانت قد جاءت من خلفية أكاديمية ومراكز البحوث وماجستير العمل الاجتماعي، في حين أن ويتكوف ظهر على طاولة المفاوضات باستعجال من إمبراطورية العقارات.
على المستوى الفني، إذا كان آرنست مونيز، المشارك في الفريق الفني للتفاوض عام 2015، حائزاً درجة الدكتوراه في الفيزياء النظرية من ستانفورد، ومشاركاً فاعلاً في اتفاقيات المناخ، ومديراً في معهد ماساتشوستس للتقنية، ، فإنّ مايكل أنطون، الذي اختير عام 2025 ليكون على الجانب التقني من التفاوض، جاء من خلفية إدارية بحتة.
ولأن الكثير من المحللين يتحمسون لتشبيه إدارة ترامب بإدارة ريغان، فكأننا مع انحدار كفاءة المفاوضين في فريق ترامب أمام مشهد هنري كسنجر وهو يقدّم نصيحة لرونالد ريغان قبل لقائه الشهير بالدبلوماسي السوفياتي المخضرم، غروميكو: "لا تجرّب أن تدخل معه في الكثير من التفاصيل، إنه يعرف الكثير، إبقَ على القشور" .
يفضّل البعض تسمية الدبلوماسية التي تخوضها واشنطن بـ "دبلوماسية البوارج" (Gunboat Diplomacy)، وهي الدبلوماسية المستندة إلى الضغط العسكري لتحقيق أهداف السياسة الخارجية. وفي الوقت الذي كانت فيه العناصر العسكرية في خلفية المشهد عام 2015، قررت إدارة ترامب تصديرها إلى واجهته في جولة المفاوضات مؤخراً في مسقط، عبر مشاركة قيادة سنتكوم فيها.
مع كل هذه التحولات، ومع موجة الضغوط المباشرة غير المسبوقة على إيران، ما يثير استغراب المراقبين هو استمرار إيران بمنطق التفاوض نفسه، وكأن العالم الخارجي والظرف الموضوعي لا يمثل إبرة تحريك لمنطق المفاوضات، فما زالت مستمرة فيما عبّر عنه محمد جواد ظريف عن توجيهات القيادة في التفاوض في كتاب "صمود الدبلوماسية"، أن مثلث العزة والحكمة والمصلحة يجب أن يبقى متماسكاً، ولكن في خدمة الضلع الأهمّ (العزة).
يطرح عباس عراقتشي في مقدمة كتابه "قوة التفاوض" معاني أساسية لهذه القوة، ويقدّم القوة الوطنية كعنصر أول في هذه المعاني. وهذا بالذات ما يميز التجربة التفاوضية الإيرانية، التي تعزل، قدر المستطاع، تحولات الظرف الموضوعي الصعبة، عن هامشها الخاص في عملية التفاوض. وهذا ما يضع واشنطن، لا في مواجهة تقليدية مع دولة أو نظام سياسي، إنما مع أيديولوجيا وهوية.
إنها المفاوضات الأصعب، واللحظات الأصعب على المنطقة، ونحن على أعتاب انكشاف نقاط التحول الكبرى في المنطقة، وعلى أعتاب تقدير أدّق لاحتمالات المحطة المقبلة، في الممرّ الضيّق بين المفاوضات والحرب، التي سنناقشها في مقال لاحق.
محمد فرج - باحث سياسي وإعلامي
إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً