قبل 14 ساعە
محمد الخزاعي
17 قراءة

بين الأسماك والحيتان فرق شاسع.. وشبكة الفساد في العراق لا تُهزم بـ "فجر" واحدة

في حدود حملة رئيس الوزراء السيد علي الزيدي وآفاقها حين تُطوَّق المنطقة الخضراء بالدبابات، وتُداهَم عشرات الفلل والقصور والبيوت الفارهة في ساعات وأيام متفرّقة، ويُلقى القبض على قرابة خمسين شخصية بينها نواب وموظفون كبار، فإنّ المشهد بصرياً يحمل كلّ مقوّمات "الضربة الخاطفة للفساد" التي طال انتظارها.

لكنّ المحلّل الذي يتأمّل المشهد من زاوية أعمق من زاوية البروباغندا الإعلامية لا يقف عند فُرجة الاعتقال و"طشّة" الصور، بل يسأل سؤالاً ربما يكون أكثر إزعاجاً: هل ما جرى هو معالجة لمرض الفساد الذي استشرى في جسد الدولة، أم حبوب تسكين لعارض من أعراضه؟

هذا هو جوهر الإشكال الذي تطرحه حملة السيد الزيدي، تلك الحملة التي وصفها هو نفسه بأنها "مرحلة أولى" فقط، تاركاً مسافة من الثقة لم يُجب عنها ولم يقطعها العراق بعد، وظلّت تراوح بين الاعتقالات واسترداد سيادة الدولة والقانون التي فقدها المواطن بيدين مغسولتين بصابون الحصة التموينية التي اختفى منها.

فحين يُختزل الإصلاح في صورة القبض تُثار حوله علامات استفهام كثيرة، إذ ينبغي الفصل بين أمرين كثيراً ما يُخلَط بينهما في الخطاب العامّ: ملاحقة الأفراد الفاسدين من جهة، وإصلاح البنية التي أنتجتهم من جهة أخرى.

فالقبض على نائب أو وكيل وزارة أو مسؤول مُفسد، مهما كان مدوّياً إعلامياً، فإنه يعالج واقعة صورة الجريمة، لكنه لا يمسّ بالضرورة المعادلة التي جعلت من هذا الشخص قادراً طوال سنوات، على العبث في المال العامّ من دون أن يُكتشف أمره وأحياناً كثيرة مسكوت عنه لسبب أو لآخر.

والسؤال الذي ينبغي أن يتصدّر أيّ تحليل جادّ لهذه الحملة ليس "كم شخصاً اعتُقل"؟، بل "كيف استطاع هؤلاء أصلاً أن يفلتوا من الرقابة لهذا الزمن الطويل، وما الذي تغيّر اليوم تحديداً ليُكتشف أمرهم"؟، وبخاصة أنّ الفساد في جوهره ليس انحرافاً أخلاقياً فردياً يكفي في علاجه عزلَ صاحبه؛ بل هو نتاج بيئة كاملة سمحت بنموه وتمدّده: بدءاً من غياب المساءلة الفعلية، مروراً بتداخلٍ بين من يصنع القرار ومن يستفيد منه، وصولاً إلى ثقافة إدارية ترى في المنصب فرصة استثمارية لا أمانة.

وحين تتوافر هذه الشروط مجتمعة، فإنّ استبدال شخص بآخر لن يغيّر النتيجة جوهرياً، لأنّ المنظومة التي أنتجت الفاسد الأول، هي نفسها جاهزة لإفراز بديل عنه بمجرّد أن يُبعَد عن المشهد، ولذلك فإنّ قياس نجاح أية حملة لمكافحة الفساد لا يكون بعدد من دخلوا القفص، بل بمدى تغيّر القواعد التي يعمل بموجبها من تبقّى خارجه.

ثمّة افتراض ساذج يتكرّر في كلّ موجة اعتقالات: أنّ كشف شخص واحد متورّط يعني انكشاف الملف بأكمله؟. والحقيقة أنّ صفقات الفساد الكبرى، تلك التي تُقاس بمليارات الدولارات كما يُتداول لا تُدار بيد واحدة، بل من خلال سلسلة طويلة من المتواطئين: من يوقّع العقد، من يصرف المبلغ، من يغضّ الطرف في الرقابة، من يؤجّل التحقيق في الجهة القضائية، ومن يوفّر الغطاء السياسي حين تشتدّ الضغوط؟. وبهذا المعنى، فإنّ اعتقال وكيل وزارة أو نائب برلماني، مهما بدا إنجازاً، قد لا يكون أكثر من كشف الطرف الظاهر من سلسلة أطول بكثير وأعمق غوراً.

والسؤال الحقيقي الذي يجب أن يطرحه كلّ متابع منصف هو: هل ستمتدّ يد التحقيق إلى بقية حلقات السلسلة، أم ستتوقّف عند أول حلقة ظاهرة وتُغلَق الملفات بحجة "الإنجاز المتحقّق"؟ وهل الضغط الخارجي محفّز أم بديل عن الإرادة الداخلية؟

لا يمكن لأيّ قراءة موضوعية تجاهل أنّ توقيت هذه الحملة وحجمها غير المسبوق؛ يتقاطعان مع ضغوط أميركية معلنة على بغداد وبخاصة بعد وصول المبعوث الأميركي الخاصّ توم برّاك، إذ إنها تربط استمرار الدعم السياسي والاقتصادي الأميركي (المزعوم) بخطوات ملموسة في ملفَي مكافحة الفساد وغسل الأموال -همُّهم على العراق- وآحسرتاه.

هذا المعطى لا ينتقص بالضرورة من شرعية الحملة ولا من أهميتها للمواطن العراقي الذي ما زالت عينه على الحيتان، لأنه شبع من السمك الصغير؛ لكنه يفرض حذراً تحليلياً مشروعاً: حين يكون المحرّك الأساسي لخطوة إصلاحية هو شرط خارجي بدل قناعة داخلية راسخة، فإنّ استدامة هذا المسار تظلّ مرهونة باستمرار الضغط الذي أنتجه. والاختبار الحقيقي لصدقيّة الإرادة الوطنية في هذا الملف لن يكون في الموجة الأولى من الاعتقالات، بل في قدرة الحكومة على توسيع رقعة الملاحقة لتشمل ملفات لا علاقة مباشرة لها بالشرط الخارجي، بما يثبت أنّ الدافع هو إصلاح حقيقي للدولة، لا مجرّد استجابة ظرفية لإرضاء شريك دولي.

أما في مفارقة الإجماع بإصدار وابل من بيانات الدعم لحملة (فجر الخضراء): نتساءل من الفاسد إذاً؟

ففي خضمّ هذا المشهد، لا يكاد يُسمَع صوت سياسي واحد، من أيّ اصطفاف أو كتلة، يجاهر برفض حملة مكافحة الفساد أو التشكيك في مبدئها. الجميع، من دون استثناء تقريباً، يقف اليوم في خانة "المؤيّدين". وهنا يحقّ لنا التساؤل بصراحة: إذا كان الكلّ يؤيّد محاربة الفساد، ولا أحد يُعلن نفسه ضدها، فمن هو الفاسد إذاً؟ هذا التناقض ليس مجرّد لعبة أدوار يمارسها بعض المُتصدّين الحيتان، بل هو كاشف دقيق لطبيعة المشكلة العراقية في جوهرها: فالفساد هنا ليس تياراً سياسياً معلناً له هوية واضحة يمكن مجابهتها بشعار، وإنما هو نسيج من المصالح المتشابكة يخترق أكثر من جهة في آنٍ واحد، بحيث يستطيع كلّ طرف أن يرفع راية النزاهة بصدق ظاهري وهو يحمي في الوقت نفسه، حلقة خاصة به من حلقات الفساد تحت ما بات يُعرف بـ"اقتصاديات الأحزاب". وهذا بالضبط ما يجعل الاختبار الحاسم ليس في عدد المؤيّدين المعلنين للحملة - فهذا رقم لا قيمة تحليلية فيه- بل في الأسماء التي ستُستثنى منها فعلياً حين يقترب التحقيق من حدود نفوذها الحقيقي.

من زاوية أعمق، فإنّ جذور المشكلة تعود إلى طريقة فهم العلاقة بين السلطة والمال العامّ في الوعي الإداري العراقي. فحين تتحوّل الوظيفة العامّة إلى عقود من المحاصصة أو إلى ما يشبه "المكافأة" التي يستحقّها من وصل إلى الكرسي؛ يُصبح المال العامّ أشبه بمورد مشترك لا يشعر أحد بمسؤولية مباشرة تجاهه، فيسهل اقتطاع جزء منه من دون أن يشعر المقتطِع أنه يسرق أحداً بعينه.

هذه الذهنية المتجذّرة في سنوات الاقتصاد الريعي القائم على توزيع عوائد النفط بدل الإنتاج الحقيقي، حوّلت السلطة من أداة لخدمة الناس إلى وسيلة للوصول إلى الثروة، وجعلت التنافس على المناصب تنافساً مقنّعاً على حصة من المال العامّ.

ولذلك فإنّ أيّ حديث جادّ عن إصلاح بنيوي لا يمكن أن يتجاهل ضرورة تنويع مصادر الدخل وتقليص اعتماد الدولة الكلّي على الريع، لأنّ استمرار هذا النمط الاقتصادي يُبقي البيئة الحاضنة للفساد قائمة، حتى لو تغيّرت الوجوه التي تديرها.

لذا؛ فمن أبرز الدروس التي تستحقّ الاستحضار في هذه الحملة: أنّ حماية المال العامّ لا تتحقّق بالاعتماد على جهاز رقابي واحد مهما بدا قوياً، بل بشبكة متكاملة من الرقابات المتقاطعة: رقابة قضائية مستقلة، رقابة مالية متخصصة بعيدة عن أيّ تجاذب حزبي، رقابة برلمانية حقيقية لا تتحوّل هي نفسها إلى أداة محاصصة، ورقابة مجتمعية وإعلامية تملك حرية الوصول إلى المعلومة. 

فحين يُترك أمر كشف الفساد لجهة واحدة، يصبح من السهل تحييد تلك الجهة أو السيطرة على قراراتها، وبخاصة هيأة النزاهة، أما حين تتقاطع عدة عيون مستقلة على الملف نفسه، فيضيق هامش الإفلات من المحاسبة. ويُضاف إلى ذلك بُعد آخر بالغ الأهمية وغالباً ما يُهمَل في النقاش العراقي: حماية من يكشفون الفساد من داخل المؤسسات، أولئك الموظفين الذين يملكون المعلومات الدقيقة لكنهم يصمتون خوفاً من الانتقام الوظيفي أو حتى التصفية الشخصية أو الابتزاز الاخلاقي. فمن دون منظومة حماية قانونية وإدارية جدية لهؤلاء، ستبقى أغلب ملفات الفساد رهينة الصدفة أو التسريب العرضي، لا نتاج عمل مؤسساتي ومنهجي.

ومن نافلة القول إنّ بطء العدالة يُشجّع بشكل غير مباشر على التكرار، فهو لا يقلّ خطورة عن ضعف الرقابة، وبخاصة الإجراءات القضائية في قضايا المال العامّ. فحين تمتدّ المحاكمات ويُذوّب الملف باسترداد جزء من المال المُختلَس، يتآكل الزخم الشعبي الذي رافق لحظة الاعتقال الأولى، وتتحوّل القضية تدريجياً من حدث وطني كبير إلى خبر هامشي تتجاوزه الأحداث اليومية، ويعود المسؤول الفاسد إلى إعادة تدوير نفسه في الانتخابات المقبلة أو التي تليها، بينما يبقى المتهم في وضع قانوني غامض لا إدانة فيه ولا تبرئة. وهذا التأخير، بصرف النظر عن أسبابه الإجرائية -وأنا لست أُفتي في القانون-، يبعث رسالة ضمنية خطيرة لكلّ من يفكّر في تكرار التجربة: أنّ المخاطرة محسوبة، وأنّ أسوأ الاحتمالات هو انتظار طويل لا عقوبة حاسمة. 

ولذلك فإن سرعة البتّ القضائي في هذه الملفات تحديداً ليست تفصيلاً إجرائياً، بل هي جزء جوهري من قوة الردع نفسها التي ينتظرها الشارع، كما حصل في محاكمة الطاغية صدام وزبانيته المجرمين العلنية، تماماً كأهمية استرداد الأموال المنهوبة فعلياً وتتبّع ما هُرِّب منها خارج الحدود، إذ إنّ العقوبة وحدها من دون استعادة الحقّين العامّ والمالي، تبقى عدالة منقوصة في عين المواطن الذي يقيس النجاح بما يعود إلى خزينة بلده وينعكس على توافر الخدمات لا بعدد من يدخلون السجن.

وهنا لا بدّ من تحذير: الحذر من "حادثة" تخطف الأضواء
ففي ظلّ هذا الزخم الإعلامي والتوجّس عند كبار الموظفين المرتبطين بحلقات الفساد السياسي داخل مؤسسات الدولة كما اتضح من كلام رئيس الوزراء، يُصبح من الواجب المهني عليّ (التنبيه) بوضوح إلى خطر حقيقي قد يهدّد استمرارية هذا المسار: فالتجربة العراقية المتكرّرة تُظهر أنّ كلّ خطوة إصلاحية جادّة تواجَه عادةً بمحاولات لتعطيلها أو صرف الأنظار عنها، سواء من خلال افتعال توتر أمني، أو تسريب أزمة سياسية جانبية، أو استدعاء ملف خلافي يستنزف اهتمام الإعلام والرأي العامّ بعيداً عن مسار المحاسبة الجاري، فضلاً عن فضائح التسريبات اللاأخلاقية التي تطفو على  السطح في لحظة مدروسة. 

ومن الطبيعي أن يكون الأكثر تضرّراً من اتساع هذه الحملة هم الأقدر أيضاً على توظيف أيّ حدث طارئ، أمنياً كان أو سياسياً، لتحقيق هذا الغرض بالذات: لإرباك المشهد، وإجبار الحكومة على إعادة ترتيب أولوياتها تحت ذريعة "الظرف الاستثنائي"، أو تحويل النقاش العامّ من سؤال "أين الأموال المنهوبة"؟ إلى سؤال أمني طارئ يُنسي الجميع الملف الأصلي. وهذا احتمال يجب أن تستعدّ له الأجهزة المعنية مسبقاً بوعي كامل، لا أن تُفاجَأ به حين يقع، لأنّ إدراك مثل هذا السيناريو سلفاً هو جزء من حماية مسار الإصلاح نفسه، -ولا أعني هنا غلق المنطقة الخضراء- فهذه سُنة خاطئة المتضرّر منها المواطن، والمبالغ المسروقة وصناديق المجوهرات الثمينة فهي خارج أسوار المنطقة كما أثبتتها حملات الدهم والاعتقال التي جرت.

إنّ الحكم على هذه الحملة بالنجاح أو الفشل لن يصدر اليوم، بل بعد أسابيع أو أشهر، حين تتضح ثلاثة مؤشّرات أراها حاسمة ومعيارية في التوصيف:

أولها: ما إذا كانت دائرة الملاحقة ستتسع لتشمل مستويات أعلى من تلك التي طالتها الموجة الأولى، وأنا استعرت في مقالتي مفردة المواطن العراقي الذي يسمّيهم بـ"حيتان الفساد"، أم ستتجمّد عند حدود معيّنة بذريعة "اكتمال المرحلة الأولى"، وبخاصة أنّ هناك تسريبات وحديث صالونات يقول: إنّ هذه الحملة نتيجة لعجز الدولة مالياً، فذهبت الى تقليم أظفار الصغار لرأب الصدع في الموازنة، أو أنّ مصدر القرار العراقي وصلته رسالة غير مباشرة من خلال الوسيط الأميركي لدفع جزء من فاتورة الخسارة الأميركية في الحرب على الجمهورية الإسلامية من جيوب صغار الفاسدين، وهذه الرواية تعزّزها مشاركة مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي في الحملة -على أنّي أؤكد أنه حديث صالونات- لكنه بات يُروى على لسان محلّلين سياسيين أيضاً.

وثانيها: ما إذا كانت الأموال المضبوطة ستُوجَّه فعلياً نحو قطاعات حيوية يلمس المواطن أثرها المباشر، أم ستبقى أرقاماً تُعلَن والسلام على من ينتفع بها في تبويبات قانونية، ولا سيما أننا لم نسمع إلى حدّ الآن أنّ قطاعاً حكومياً أو جهة مالية استلمت المبالغ المُستردّة وأحالتها إلى الاحتياط المالي.

وثالثها، وربما الأهمّ: ما إذا كانت هذه الحملة ستترافق مع إصلاح حقيقي في قواعد التعيين والمحاصصة وآليات الرقابة والملفات المركونة للحكومات السابقة ومسؤوليها التنفيذيين، أم ستبقى فعلاً أمنياً وقضائياً معزولاً عن أيّ تحوّل بنيوي في طريقة إدارة الدولة لمالها العامّ.

لذا فإنْ تحقّق المسار الأول في هذه المحاور كلّها نحو التنفيذ الفعلي أمام مرأى ومسمع المواطن، سيكون العراق أمام لحظة استثنائية فعلاً تستحقّ أن توصف بـ"المعجزة" كما حصل في سنغافورة عام 1965 -يا ليتها تكون كذلك-، أما إنّ تحقّق المسار الثاني، فسيُضاف اسم هذه الحملة إلى أرشيف طويل من المبادرات التي بدأت بزخم عالٍ وانتهت إلى ملف مؤجّل آخر يُستدعى عند الحاجة، بينما ثالثها يدور في فلك السؤال الذي طرحناه في صُلب هذه المقالة بلا جواب حاسم: من الفاسد، إذا كان الجميع يهتف ضدّ الفساد؟


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الاشراق وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً

Copyright © 2017 Al Eshraq TV all rights reserved Created by AVESTA GROUP