قبل 19 ساعە
السيد شبل
18 قراءة

معركة الإرادة في جنيف: من يجفل أولاً؟

تتجه أنظار العالم نحو مدينة جنيف السويسرية، التي تستعد لاستضافة جولة حاسمة من المفاوضات غير المباشرة بين واشنطن وطهران، بوساطة من سلطنة عمان، التي استضافت جولة المفاوضات الأولى في السادس من الشهر الجاري. هذا الحراك الدبلوماسي، الذي يقوده من الجانب الأميركي فريق مقرب من الرئيس دونالد ترامب يضم جاريد كوشنر وستيف ويتكوف، لا يمثل مجرد جولة تفاوضية تقليدية، بل هو اختبار حقيقي لعقيدة دونالد ترامب السياسية التي تقوم على مبدأ "الترهيب لا التورط"، إذ يظن الرئيس الأميركي أن بإمكانه التوصّل إلى النتائج التي يريدها عبر طاولة المفاوضات معتمداً على حشوده العسكرية الضخمة، ولغته المتعالية التي تطلق التهديدات بكل اتجاه.

إلا أن المشهد المقابل في طهران يكشف عن معطيات مختلفة؛ فقد أظهرت القيادة الإيرانية، حتى اللحظة، هدوءاً استراتيجياً وقدرة لافتة على الصمود النفسي والسياسي. وبدلاً من التراجع أمام نموذج "الرئيس المغرور"، تبنّت إيران أسلوباً يمزج بين الذكاء الدبلوماسي والصبر الطويل، مدعوماً بإجراءات ميدانية تؤكد قدرتها على التحدي والردع إذا لزم الأمر. إنها معركة إرادات معقدة، يراهن فيها ترامب على قدرات بلاده العسكرية الفائقة، إضافة إلى تحكمه في الاقتصاد العالمي، بينما تراهن إيران على "تآكل الضغط" بمرور الوقت، والقدرة على تحويل التهديدات إلى فرص لانتزاع اعتراف دولي بمكانتها وقوة أوراقها التفاوضية.

عقيدة ترامب: النباح المتواصل لتجنب الاشتباك
تعتمد استراتيجية ترامب الحالية تجاه خصومه على ما يُعرف في العلوم السياسية بـ "نظرية الرجل المجنون" (Madman Theory)، إذ يتعمّد الرئيس الأميركي إظهار عدوانية مفرطة، مستخدماً لغة خشنة وغير مألوفة في الدبلوماسية الدولية؛ فعندما يتوعد إيران بـ "يوم سيئ للغاية" في حال فشل المفاوضات، ويقرن ذلك بتحركات عسكرية ضخمة كإرسال حاملة الطائرات "جيرالد فورد" لتكون الحاملة الثانية بعد "أبراهام لينكولن" فإنه يهدف إلى خلق حالة من الرعب النفسي والإرباك لدى الداخل الإيراني.

المفارقة الجوهرية هنا هي أن هذه العدوانية، رغم زخمها الخطابي واشتداد وطأتها الاقتصادية، تظل محكومة بنزعة حذر واضحة لدى ترامب، لأنه هو الرئيس الذي وعد ناخبيه بإنهاء "الحروب الأبدية لأنها تستنزف الأموال والأرواح ولا طائل منها". على هذا الأساس، فإن هدف ترامب يكون، في أغلب الأحيان، هو الترهيب لانتزاع المكاسب وإجبار الخصم على الهروب نحو طاولة المفاوضات طلباً للنجاة، لكنه يحاول بكل الوسائل تجنّب الانزلاق إلى صدام عسكري فعلي يربك خططه الداخلية لإنعاش الاقتصاد الأميركي ومنافسة الصين.

المثال الفنزويلي مجدداً
من الواضح أن ترامب يسعى لنقل "كتالوج فنزويلا" إلى منطقة الشرق الأوسط، وذلك من خلال فرض حصار اقتصادي خانق على إيران يهدف إلى تجفيف منابع الدخل وتصفير صادرات النفط، مراهناً على أن الضغط المعيشي سيجبر النظام على التفكك أو على الأقل التراجع. إلا أن هذا الرهان يصطدم بحقائق جيوسياسية تجعل إيران مختلفة؛ فإيران تمتلك قدرة هائلة على توحيد الصفوف في الداخل، إضافة إلى القدرة على الرد الإقليمي وإشعال جبهات متعددة في لبنان واليمن والعراق وسوريا، وكذلك تهديد الملاحة الدولية في مضيق هرمز، وهي عوامل لم تكن متوفرة للنظام الفنزويلي.

 يمكن أيضاً التذكير بأن إيران وصلت بالفعل إلى "عتبة نووية" متقدمة ما يجعل من "لعبة الوقت" مخاطرة كبرى، فبينما كان عامل الوقت في فنزويلا أداة للاستنزاف، فإنه في الملف الإيراني يعني استمرار دوران أجهزة الطرد المركزي وزيادة المخزونات، ما يقرب طهران من "نقطة اللاعودة". كما أنه على العكس تماماً من فنزويلا، فإن إيران أقرب جغرافياً إلى روسيا والصين، ما يسمح لها بتطوير مسارات متنوعة تتمكن عبرها من الالتفاف على العقوبات، كذلك فإن الوصول العسكري الأميركي إلى المياه الإقليمية الإيرانية، وطول مدة بقاء القوات بالقرب منها، يعتبر مكلفاً للغاية، وهذا عامل جيوسياسي آخر شديد الأهمية.

عموماً ثمة فجوة ملحوظة في الرهان الأميركي على الحصار وحده؛ لأنه حتى في نموذج فنزويلا، نجد أنه رغم سياسة العقوبات المدمرة وتمويل المعارضة وتحريض العصابات في الداخل لإحداث فوضى، لم يسقط نظام نيكولاس مادورو، واضطر الأميركي في النهاية إلى شن عملية عسكرية كاسحة لإزاحته. أي إن النظام، الذي يتمتع بقدرات أقل من النظام الإيراني، استطاع الصمود لفترة طويلة، ولم تتمكن واشنطن من الانتصار النسبي عليه، إلا بشن عملية "لم يسبق لها مثيل منذ الحرب العالمية الثانية وباستخدام أحدث الأسلحة"، على حد تعبير دونالد ترامب.

هذا الدرس التاريخي يجعل القيادة الإيرانية تعتقد أن بإمكانها الصمود أمام الحصار الاقتصادي، مراهنة، في الوقت ذاته، على تردد الإدارة الأميركية، وعدم حسمها قرار الحرب. ومن المؤكد أن تلك الحالة من التناقض بين الاستعراض العسكري الأميركي المبالغ فيه وبين السعي الحثيث لتحاشيها والإصرار على المفاوضات، ستمنح طهران مساحة للمناورة، مراهنة على أن واشنطن ستفضل في النهاية "انتصاراً دبلوماسياً" على حرب استنزاف لم تكن خياراً مفضلاً لترامب حتى في الحالة الفنزويلية، وهو ما أجبره على التعامل مع الصف الثاني من النظام هناك في نهاية المطاف، والقبول بقيادة الحزب الاشتراكي الموحد للبلاد، حتى الآن.

رهان الوقت وجولة جنيف
في جولة جنيف المرتقبة، يبدو أن كل طرف يقرأ عقارب الساعة بمنطق استراتيجي مغاير؛ فبينما يراهن ترامب على أن الأزمات الداخلية المتفاقمة بفعل العقوبات الاقتصادية المشددة ودعم "قوى المعارضة" ستدفع المفاوض الإيراني نحو تقديم تنازلات جوهرية ومؤلمة تطال برنامج الصواريخ الباليستية والنفوذ الإقليمي، نجد في المقابل رؤية إيرانية مغايرة تماماً.

إذ يدرك المسؤولون في طهران أن واشنطن تفتقر إلى القدرة على شن ضربة عسكرية موسعة وشاملة، ولا سيما بعد نجاحهم في تحصين الجبهة الداخلية وإجهاض "سيناريو الفوضى" الذي كان مُعداً لإرباك النظام، وبالنظر أيضاً إلى امتلاكهم قوة ردع عسكرية قادرة على الرد المؤثر. ومن هذا المنطلق، ترى طهران أن واشنطن تجد نفسها مضطرة لخيار التفاوض كمسار وحيد، وهنا ستبرز براعة الفريق المفاوض الإيراني في انتزاع النتائج المرجوة، مقابل تقديم ترضيات محدودة ومدروسة للخصوم فيما يخص الملف النووي.

أما على الجانب الإسرائيلي، فبعد أن كانت "تل أبيب" تخشى اندلاع مواجهة مباشرة تحسباً لرد فعل إيران، أصبحت اليوم الطرف الأكثر استعجالاً لحسم الموقف عسكرياً. ولا يعود هذا الاستعجال فقط إلى التخوف من استغلال إيران لعامل الوقت لتحصين منشآتها النووية بما يجعل استهدافها مستقبلاً أمراً متعذراً، بل لأن المعطيات الراهنة تشير إلى أن الحشود العسكرية الأميركية الضخمة رفعت سقف التوقعات؛ حيث باتت النخبة الإسرائيلية ترى أن أي نتيجة تنتهي بغير قصف إيران ستُفسر على أنها انتصار سياسي ومعنوي للنظام الإيراني وتعزيز لموقف حلفائه، وهو السيناريو الذي تشكل مواجهته الأولوية القصوى للحكومة الإسرائيلية في الوقت الراهن.

وقد ظهر هذا التوجه الإسرائيلي خلال زيارة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الأخيرة لواشنطن، إذ حاول دفع ترامب إلى اتخاذ إجراء عسكري حقيقي، فنتنياهو يرى أن الدبلوماسية هي مجرد وسيلة إيرانية لشراء الوقت، في المقابل يطمح ترامب لاتفاق يكتب عليه اسمه، ويتباهى به أمام شعبه قائلاً: "لقد منعتُ الحرب وحققتُ أفضل اتفاق بفضل قوتي"، ويظن أنه قادر على تحقيق ذلك.

صراع العقل والإرادة
لا شك في أن المشهد الحالي مربك وشديد التعقيد، إذ تُستخدم فيه "العدوانية الخطابية" كبديل استراتيجي عن المواجهة المباشرة. وسيعتمد نجاح جولة جنيف المرتقبة من وجهة نظر الإدارة الأميركية على قدرة مفاوضيها على ممارسة لعبة مزدوجة، تهدف من جهة إلى إقناع طهران بأن "الجنون" المفترض لترامب ليس مجرد استعراض، بل قد يتحول في أي لحظة إلى فعل حقيقي، ومن جهة أخرى إقناع "تل أبيب" بأن الصفقة السياسية هي الضمانة الوحيدة والممكنة للتعامل مع النظام الإيراني.

ومن الواضح، رغم حالة القلق المشروعة، أن الإدارة الأميركية ترى أن المسار الدبلوماسي هو الطريق الأقل كلفة لتجنب الانزلاق إلى حريق إقليمي شامل، وهو السيناريو الذي لا يريده أحد داخل أروقة البيت الأبيض.

إلا أن تلك الحقيقة لا تمنع من الاعتراف بأن العالم بأكمله واقف على حافة الهاوية، حيث يحاول ترامب انتزاع تنازلات تاريخية عبر "الترهيب"، بينما تترقب كل الأطراف الأخرى ما إذا كانت هذه التهديدات ستقود فعلياً إلى اتفاق مُرضٍ، أم أنها ستفتح الباب أمام مواجهة تخرج عن السيطرة وتطيح كل حسابات التهدئة.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الاشراق وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً

إقرأ أيضاً

Copyright © 2017 Al Eshraq TV all rights reserved Created by AVESTA GROUP