قبل 24 ساعە
يحيى الصادق
17 قراءة

في عهد ترامب... أميركا تخسر أوروبا!

قبل نحو عام ونصف، نقلت شخصية مدنية عربية عن مسؤول أوروبي رفيع حديثاً جانبياً دار بينهما بعيداً عن الأضواء، قال فيه إن المرحلة المقبلة ستشهد انحساراً متزايداً في التمويل الأوروبي المخصص للمساعدات الإنسانية ولأنشطة المجتمع المدني. حينذاك، افترضت الشخصية العربية أن الأمر مرتبط بتداعيات الحرب في أوكرانيا واستنزاف الموارد الأوروبية، غير أن المسؤول الأوروبي فاجأه بتفسير مختلف، قائلاً إن القلق الحقيقي داخل العواصم الأوروبية يتصل بإمكانية عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض. ففوزه المحتمل، بحسب المسؤول، يعني عودة الخلافات الحادة مع واشنطن، وهو ما يدفع أوروبا إلى إعادة ترتيب أولوياتها، وعلى رأسها زيادة الإنفاق العسكري.

اليوم، وبعد مرور عام على تنصيب دونالد ترامب رئيساً للولايات المتحدة في ولايته الثانية، تبدو تلك المخاوف الأوروبية أقرب إلى الواقع الملموس.

فقد اتخذت إدارة ترامب سلسلة من السياسات التي عززت حالة التوتر مع الحلفاء الأوروبيين، من بينها فرض رسوم جمركية مرتفعة على الواردات الأوروبية، والضغط على أوكرانيا للقبول بتسويات إقليمية تمس بعض الأراضي التي سيطرت عليها روسيا، إضافة إلى تصريحات وتهديدات غير مسبوقة طالت قضايا سيادية أوروبية، من بينها ملف جزيرة غرينلاند التابعة للدنمارك.

وفي ظل الطابع غير المتوقع لسياسات ترامب، لا يزال القلق الأوروبي قائماً إزاء ما قد تحمله المرحلة المقبلة من خطوات إضافية.

وتعكس التصريحات الصادرة أخيراً عن عدد من المسؤولين الأوروبيين مستوى متقدماً من الانزعاج، لا من السياسات الأميركية فحسب، بل أيضاً من طبيعة العلاقة القائمة مع واشنطن. فهذه التصريحات تشير إلى تنامي رغبة أوروبية في حماية المصالح الذاتية، وتعزيز القدرات العسكرية والاقتصادية، والسعي نحو بلورة سياسة خارجية أكثر استقلالاً عن الموقف الأميركي.

وبعبارة أكثر مباشرة، يبرز توجه أوروبي نحو تقليص الارتباط العضوي بالسياسة الأميركية. وفي هذا السياق، وصف الرئيس الفرنسي السابق فرانسوا هولاند سياسة ترامب بأنها تمثل "انقطاعاً عميقاً" مع أوروبا، محدداً ثلاثة مؤشرات أساسية تدعم هذا التوصيف: أولها تراجع الدعم الأميركي لأوكرانيا في مواجهة روسيا، وهو ما يتعارض مع الموقف الأوروبي الداعم لسيادة كييف، وثانيها إصرار ترامب على فتح قنوات تواصل مباشرة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي تنظر إليه مؤسسات الاتحاد الأوروبي باعتباره تهديداً استراتيجياً. أما المؤشر الثالث فيتمثل في المواقف الأميركية داخل الأمم المتحدة، ولا سيما التصويت إلى جانب روسيا وكوريا الشمالية ضد مشاريع قرارات أوروبية تتعلق بأوكرانيا.

في ضوء هذه المعطيات، يبرز سؤالان أساسيان: إلى أي مدى تستطيع الدول الأوروبية فعلياً فك تحالفها مع الولايات المتحدة؟ وهل تملك القدرة، أو يُسمح لها، بالتحول إلى قطب دولي مستقل ومؤثر في النظام العالمي؟

تحالف الأمن والرأسمالية
ترسخت في الوعي العام العالمي صورة نمطية عن العلاقة بين أوروبا والولايات المتحدة بوصفها علاقة تبعية أكثر منها شراكة متكافئة، رغم الخطاب السياسي الذي يصرّ على توصيفها كتحالف بين حلفاء. وباستثناء حالات محدودة، أبرزها الموقف الفرنسي الرافض لغزو العراق عام 2003، دأبت الدول الأوروبية في معظم القضايا الدولية الكبرى على تبني المواقف الأميركية، والدفاع عنها، بل والمشاركة في تنفيذها، حتى عندما قاد ذلك إلى الانخراط في تدخلات عسكرية مباشرة، من أفغانستان إلى ليبيا، وصولاً إلى مواقف متقدمة في ملفات الشرق الأوسط، بما فيها الحرب على قطاع غزة، وكذلك التوترات العسكرية التي شهدتها المنطقة في فترات لاحقة.

ومن مظاهر هذا التحالف أيضاً ما يمكن وصفه بالتنسيق الثلاثي داخل مجلس الأمن بين الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا، وهو تنسيق أسهم، وفق منتقديه، في تعطيل دور المجلس لفترات طويلة، وفي تمرير قرارات أو بيانات لم تؤدِّ بالضرورة إلى تعزيز الاستقرار الدولي، بل أسهمت أحياناً في تعميق الأزمات في مناطق متعددة من العالم.

هذا النمط من العلاقات لم يتشكل صدفة، بل تعود جذوره إلى مرحلة الحرب العالمية الثانية، ثم تعزز خلال الحرب الباردة في إطار الاصطفاف الرأسمالي في مواجهة المعسكر الاشتراكي. واستمر هذا التحالف بعد انهيار الاتحاد السوفياتي في تسعينيات القرن الماضي، قبل أن يكتسب زخماً جديداً مع صعود روسيا في الألفية الجديدة ومحاولتها إعادة بناء قدراتها العسكرية، الأمر الذي أثار قلقاً أوروبياً واسعاً. عندها، بدا التحالف مع واشنطن الخيار الأكثر أماناً لمواجهة أي طموحات روسية توسعية، وهو ما تعزز لاحقاً مع اندلاع الحرب في أوكرانيا.

غير أن العوامل التي دفعت أوروبا إلى التشبث بهذا التحالف بدأت تفقد جزءاً من وزنها، مع بروز تهديدات مباشرة تطال المصالح الأوروبية نفسها، خصوصاً منذ تولّي ترامب رئاسة الولايات المتحدة في ولايته الثانية.

فقد وجد الأوروبيون أنفسهم أمام إدارة أميركية لا تتردد في استخدام أدوات الضغط الاقتصادي والسياسي حتى ضد أقرب الحلفاء. هذا الواقع دفع عدداً من القادة الأوروبيين، علناً أو خلف الكواليس، إلى البحث في سبل مواجهة سياسات ترامب أو احتوائها، سواء تلك التي تمس المصالح الأوروبية بشكل مباشر، أم تلك التي تنعكس على ملفات دولية ذات تأثير واسع على الاستقرار العالمي.

وفي هذا الإطار، اكتسب بعض الخطوات الأوروبية، رغم رمزيته، دلالات سياسية واضحة، سواء فيما يتعلق بتعزيز الحضور العسكري في مناطق حساسة، أم في النقاشات المتصاعدة حول إمكانية لعب دور أمني أكثر استقلالاً في أوكرانيا، بمعزل عن الموقف الأميركي.

لا مصلحة في العداء
على الرغم من تصاعد الخلافات، تحرص الدول الأوروبية على إدارة علاقتها مع إدارة ترامب بحذر بالغ، في محاولة لتجنب الانزلاق نحو قطيعة مفتوحة أو عداء مباشر لا تبدو أوروبا قادرة على تحمل كلفته في المرحلة الراهنة.

فالتباين القائم مع واشنطن لا يلغي حقيقة وجود مساحات واسعة من التوافق بين الطرفين في عدد من الملفات الإقليمية والدولية، من الشرق الأوسط إلى أفريقيا وأميركا اللاتينية. كما يدرك الأوروبيون أن التصعيد غير المحسوب قد يدفع الولايات المتحدة إلى اتخاذ مواقف أكثر تشدداً تضر بالمصالح الأوروبية، وهو ما يفسر الجهود التي بُذلت خلال العام الماضي للتوصل إلى تسويات اقتصادية تخفف من حدة الرسوم الجمركية التي فرضتها إدارة ترامب.

إلى جانب ذلك، لا يمكن تجاهل الفجوة الكبيرة في موازين القوة بين الطرفين، سواء على الصعيد الاقتصادي أم العسكري، وهي حقيقة تفرض نفسها بقوة على حسابات صنّاع القرار في القارة الأوروبية. وفي هذا السياق، نقلت وسائل إعلام غربية عن رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني قولها، خلال قمة أوروبية عُقدت في بروكسل، إن الدخول في مواجهة مباشرة مع ترامب يمثل مخاطرة كبرى قد تضع أوروبا أمام خسائر يصعب تعويضها، داعية إلى التعامل معه بهدوء وعدم الاستهانة بطبيعته غير القابلة للتنبؤ.

في المقابل، فإن تعميق الخلاف بين واشنطن وأوروبا لا يخلو من تداعيات سلبية على الولايات المتحدة نفسها، إذ قد يؤدي إلى تراجع التأييد الشعبي الأوروبي للعلاقة مع أميركا، ويدفع نحو حالة من التنافس المتزايد على الساحة الدولية، ولا سيما في ظل تنامي التنسيق الروسي–الصيني الذي أظهر فاعلية ملحوظة في عدد من الملفات داخل مجلس الأمن. كما أن هذا الخلاف قد يضعف من مصداقية بعض المشاريع والمبادرات الأميركية، سواء تلك المتعلقة بإصلاح النظام الدولي أم بإدارة العلاقة مع المؤسسات والمنظمات متعددة الأطراف.

وربما يلخص ما قاله فرانسوا هولاند في إحدى مقابلاته الأخيرة طبيعة المزاج الأوروبي الراهن، حين أشار إلى أن "الشعب الأميركي ما زال صديقاً لأوروبا، لكن إدارة ترامب لم تعد تُعامل كحليف". وهو توصيف يعكس بوضوح المستوى الذي بلغه التوتر، ويشير في الوقت نفسه إلى أن الهدف الواقعي لعدد من الدول الأوروبية في المرحلة المقبلة قد لا يتجاوز السعي إلى عبور ما تبقى من ولاية ترامب بأقل الخسائر الممكنة، بانتظار إعادة تشكل المشهد السياسي في واشنطن.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الاشراق وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً

Copyright © 2017 Al Eshraq TV all rights reserved Created by AVESTA GROUP