قبل 2 ایام
غسّان ملحم
12 قراءة

ماهية هوية الكيان الإسرائيلي

لم تكن أبداً مسألة هوية الكيان الإسرائيلي قضية عابرة، ولا قضية داخلية بحتة أو شأناً داخلياً صرفاً، من اختصاص الجمهور الإسرائيلي بصورة عامة أو النخبة الإسرائيلية بصورة خاصة، بالنظر إلى ماهية الكيان نفسه، طبيعته وتكوينه أو تركيبه، بحيث تتداخل أو تتقاطع العوامل والعناصر الداخلية والخارجية في تحديد ومن ثم إعادة تحديد ماهية هوية "إسرائيل" بطريقة خاصة.

فما هي هذه الهوية الكيانية والوظيفية، في ضوء التطورات والمستجدات في فلسطين، وعلى امتداد المشرق العربي خصوصاً والشرق الأوسط عموماً، وفي زمن التحولات والتبدلات؟

هوية "إسرائيل" والصراع السياسي في "تل أبيب* 
الصراع بين الحكومة والموالاة من جهة والمعارضة من جهة أخرى ليس مجرد صراع سياسي على السلطة في "إسرائيل". كما أن استمرار الأزمة السياسية في "تل أبيب" واستفحالها طوال السنوات الماضية ليسا نتيجة استعصاء الحل السياسي فحسب، بل لكونها - الأزمة نفسها - في الأساس، وفي الواقع والحقيقة، أكبر وأبعد وأعمق من مجرد التسابق أو التنافس الانتخابي بين القوى السياسية والكتل النيابية، على الكنيست والكابينت الإسرائيليين، من اليمين واليسار والوسط. 

إن الصراع على السلطة في "تل أبيب"، بين اليمين واليسار والوسط، ومع صعود اليمين المتطرف، بفرعيه أو شقيه القومي والديني، هو صراع عميق، بل خطير، يطال هوية "إسرائيل" نفسها، والتي أصبحت على المحك، وتحت المجهر، إن في الداخل أو الخارج. ثمة من يريد "إسرائيل دولة يهودية"، بكل معنى الكلمة من عنصرية شوفينية، فاشية ونازية، لا سيما جماعة اليمين المتطرف؛ في المقابل، ثمة من يريد "إسرائيل دولة غير يهودية" - مع التحفظ على العبارة الاصطلاحية لناحية التوصيف - إنما "دولة" ليبرالية وديمقراطية - مع التحفظ أيضاً على العبارة الاصطلاحية لناحية التصنيف - لا سيما جماعة المعارضة، تقوم بدور وظيفي، معين ومحدد، ولا تفقد مبررات ومسوغات وجودها واستمرار بقائها بالنسبة لها وللقوى الغربية.

هوية "إسرائيل" بين المستويين السياسي والعسكري
منذ نشأة الكيان الإسرائيلي، وعلى امتداد تاريخه الحديث والمعاصر، الذي يناهز الثمانين سنة من الاستيطان والاحتلال، كانت المؤسسة العسكرية، ومعها المؤسسة الأمنية، أو لنقل اصطلاحاً المؤسسة العسكرية - الأمنية، شريكة مضاربة للمؤسسة السياسية في عملية صناعة القرار السياسي على وجه التخصيص، وعملية ممارسة السلطة السياسية على وجه التعميم. وهي كانت - بالتالي وبالتبعية - شريكة مساهمة، لا شريكة مضاربة، في تحمّل المسؤولية السياسية وغير السياسية عن السلطة والقرار.

في الفترة الأخيرة من عمر الكيان الإسرائيلي، وحتى حينه وتاريخه، يبدو أن هامش المستوى العسكري، بل مكانته، في صناعة القرارات السياسية والإستراتيجية، واتخاذ مثل هذه القرارات، أخذا يتراجعان بشكل ملحوظ، مقارنة مع دور المستوى السياسي، من دون أن يضمحلا، في خضم هذا الصراع الكبير، بل العميق، والذي قد يطول، بحسب موازين القوى الداخلية، وموازين القوى الثنائية على خط العلاقات والمعادلات والتوازنات بين "تل أبيب" وواشنطن. لكن أهمية وخطورة هذا المعطى الطارئ أو المستجد، في ميزان التقديرات السياسية، العسكرية والإستراتيجية، تكمنان في تأثير كل ذلك على ترتيبات البيت الداخلي الإسرائيلي، ومصير النقاش والصراع حول ماهية الهوية الإسرائيلية ودور الكيان الإسرائيلي، ومدى أو مقدار تأثير "الجيش" الإسرائيلي في حسم مثل هذه المسائل أو القضايا الوجودية.

هوية "إسرائيل" على خط العلاقة بين "تل أبيب" وواشنطن
على أي حال، ليس "إسرائيل" وحدها من يقوم بتحديد هوية الكيان ودوره، وبتّ مثل هذه النقاط حين تكون عالقة والخلافات حولها محتدمة، لأن الكيان مصطنع وغير طبيعي، بحيث تجد نفسها القوى الغربية، الداعمة والحامية والراعية له، معنية بالنظر في الأمر، بل مضطرة أيضاً للتدخل، بطريقة أو بأخرى، لا سيما الولايات المتحدة، التي قد ورثت عن المملكة المتحدة هذه المهمة وهذا الدور وهذه المسؤولية في التزام أو تلزيم وجود "إسرائيل" وأمنها، بحيث تصبح وتبدو أميركا معنية بتقدير مصلحة "إسرائيل" واحتسابها ضمن مصلحتها في المنطقة ورؤيتها للعالم.

وعليه، تبقى مصلحة أميركا بالتحديد، قبل سواها وأكثر من سواها، لدى المشاركة والمساهمة، أو بالأحرى الضلوع والانخراط، في تحديد هوية "إسرائيل"، في التفكير في دور الأخيرة الوظيفي، والتخطيط له أيضاً، حتى تستطيع "إسرائيل" الاضطلاع به، وتتمكن أميركا من الاستفادة منه، فلا تكون أو تصبح "تل أبيب" بمنزلة عبء على واشنطن، في ميزان الأرباح والخسائر، وعند احتساب تكاليف الاستثمار أو التوظيف في المشروع الصهيوني وعائداته في قاموس المدخلات والمخرجات.

بهذا المعنى، تبدو مصلحة أميركا أقرب إلى نموذج وتجربة الدولة الليبرالية والديقراطية لـ"إسرائيل" منها إلى نموذج وتجربة "دولة" اليهود العنصرية، مع الإحاطة بالمفهوم الوظيفي ضمن المشروع الإقليمي، وفق هذه الرؤية الليبرالية والديمقراطية لـ"إسرائيل"، والمراعاة لاستمرارية وديمومة التعبئة الديمغرافية لـ"إسرائيل"، لا احتمالية النزف الديموغرافي.

هوية "إسرائيل" ووجودها في المنطقة في المستقبل
بغض النظر عمن يمارس السلطة ويصنع القرار في واشنطن، سواء كانت الإدارة الأميركية مع الديمقراطيين من جانب اليسار، أو أصبحت مع الجمهوريين من جانب اليمين، ومع العلم بأن الشواهد الحية على خطوط المسارات التاريخية للروابط البينية، تفيد بأن مجموعات اليسار في "إسرائيل" هي أقرب إلى جماعات اليسار الديمقراطي في أميركا، كما مجموعات اليمين في "إسرائيل" هي أقرب إلى جماعات اليمين الجمهوري في أميركا، تحت سقوف المحددات والضوابط والخطوط الحمر للدولة العميقة، تفرض ماهية هوية الكيان الإسرائيلي نفسها على أجندة أو جدول أعمال الحكومة والمعارضة الإسرائيليتين والإدارة الأميركية.

إن مسألة هوية "إسرائيل" هي مفصلية ومصيرية في الحاضر والمستقبل على حد سواء، إن بالنسبة إلى الإسرائيليين أو بالنسبة إلى الأميركيين على رأس الأنجلوسكسونيين. هي بند أساس ورئيس، لا بد من الفصل فيه، في خضم هذا المخاض لولادة الشرق الأوسط الجديد، وفيه النظام الإقليمي الجديد. فدور "إسرائيل" في المنطقة والإقليم مرتبط بتحديد هويتها حكماً، بعد مراجعتها وإعادة النظر فيها؛ وشرعية وجود "إسرائيل" ومشروعيته مرتبطان بدورها حتماً. هذا، بالتأكيد وبطبيعة الحال، من وجهتي النظر الأميركية والإسرائيلية. فهل تستطيعان تصنيع هوية "إسرائيل" من جديد لإحياء دورها الوظيفي وتدوير شرعيتها ومشروعيتها، كمنصة للمشروع الصهيوني، في مشروع الشرق الأوسط الجديد، كما النظام الإقليمي الجديد، بل النظام العالمي الجديد؟

أخيراً، فإن تحديد وكذلك إعادة تحديد ماهية هوية الكيان الإسرائيلي، بمعنى تكييفها وإعادة تكييفها باستمرار مع المتغيرات العالمية والإقليمية، مادة دسمة للنقاش السياسي، كما للصراع السياسي.

الموضوع يتجاوز ويتخطى حدود الصراع على السلطة بالتأكيد. وقد يكون الأميركيون معنيين أيضاً، كما الإسرائيليين بطبيعة الحال، في هذا الشأن لأسباب ذاتية وموضوعية، إنما هي تتصل بالمحددات الكيانية والوظيفية لـ"إسرائيل" أولاً، ومن ثم بالمحددات العضوية للروابط الخاصة ما بين واشنطن و"تل أبيب" ثانياً. الأمر الذي ينسحب على مستقبل الكيان الإسرائيلي.


لا تتبنى الإشراق بالضرورة الآراء والتوصيفات المذكورة

Copyright © 2017 Al Eshraq TV all rights reserved Created by AVESTA GROUP