قبل 9 شهور
زياد ناصر الدين
143 قراءة

"طوفان الأقصى".. ونكبة "إسرائيل" الاقتصاديّة

الاشراق | متابعة.
منذ تأسيسه عام 1948 في منطقة الشرق الأوسط على يد بريطانيا، وبناءً على وعد بلفور المشؤوم، اعتُبر الكيان الصهيوني قاعدة متقدّمة للغرب، ليس على الصعيد العسكري فحسب، بل أيضاً بهدف السيطرة على الخيرات ومصادر الطاقة واقتصاد الشعوب المنطقة.

هذا ما أعادت تأكيده مجريات الأحداث في الأيام الماضية مع التهافت الأميركي - الغربي لإنقاذ ما تبقى من هذا الكيان، أملاً باستكمال مخطط إقامة "إسرائيل" الكبرى اقتصاديّاً، لتكون الممرّ التجاري الرئيسي بين الشرق والغرب، وتشكّل تقاطعاً لكلّ الممرّات الاقتصاديّة العالميّة، ما يشكّل استعماراً غير مباشر لهذه الاقتصادات ولمصادر خيرات شعوب العالم الشرقي، إلا أنّ ما حققته المقاومة في عمليّة "طوفان الأقصى" التي أطلقتها في السابع من تشرين الأول/أكتوبر كان سابقة تاريخيّة لا مثيل لها طيلة سنوات الاحتلال. لقد استطاعت أن تدخل إلى صميم هذا الكيان وتشلّه اقتصاديّاً بشكل مباشر وغير مباشر، حتى إنّنا بتنا نسمع صرخات عالية بشأن انهيار كبير في اقتصاد العدو. وللمرة الأولى، يمكن الجزم بأنّ مشاريع استراتيجية كبرى أضحت غير قابلة للحياة.

الضحايا كثر، وفي مقدّمتهم الممرّ الهندي - الأميركي عبر ميناء حيفا، كما أنّ الاستثمارات لن تنجو من تداعيات ما يحدث، إذ لا يمكن الاستثمار في أماكن لا أمان فيها، حتى طموحات الإسرائيليين بالسيطرة على مصادر الغاز في سواحل المتوسط ستتبدّد عاجلاً. أما التطبيع، فهو شأن آخر، وما حدث يؤكد أنّه لم يعد من مصلحة أيّ دولة عربية، لا بل إنّه استنزاف مباشر للقدرات العربيّة.

وانتشرت في الأيام الماضية التقارير والتحليلات المتشائمة في الإعلام العبري التي توقّعت في غالبيتها أن يتكبد اقتصاد "إسرائيل" من جراء الحرب التي شنّتها على غزة إبان "طوفان الأقصى" خسائر اقتصادية فادحة هي الأضخم منذ تأسيسها.

وبعد أكثر من أسبوعين على بدء العدوان، تحدّثت صحيفة "يديعوت أحرونوت" عن "أكبر كارثة اقتصاديّة في تاريخ إسرائيل"، محمّلة حكومة بنيامين نتنياهو المسؤوليّة المباشرة عن الخسائر التي تتعرّض لها "الدولة" العبريّة، وقالت في تقرير لها: "كما تجاهلت الحكومة الإشارات والتحذيرات في المجال الأمني، تواصل تجاهل الإشارات الحمراء في القطاع الاقتصادي".

قطاع المال
وأشار التقرير إلى أنّ العملة الإسرائيلية (الشيكل) استمرّت في فقدان قوّتها أمام الدولار الأميركي، مسجّلة انخفاضاً إلى أدنى مستوى لها منذ العام 2012 بلغت نسبته 5%. ووصل سعر الصرف الشيكل أمام الدولار إلى 4.08 السبت الماضي، وهو أحد أهم المقاييس التي تعكس المخاطر الاقتصادية في الكيان.

وأصيب الشيكل بهذا التدهور السريع رغم أنّ المصرف المركزي في الكيان يعمل في السوق المفتوحة بشكل فوري، وفي سوق المقايضة بشكل مكثف. وقد ضخّ، بحسب صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية، 45 مليار دولار لحماية العملة.

وفي ظلّ ذلك، يواجه المركزي الإسرائيلي مأزقاً كبيراً، فهو بين خيارين؛ أحدهما خفض أسعار الفائدة للمساعدة في تعزيز الاقتصاد في زمن الحرب، والآخر إبقاؤها مرتفعةً لدعم العملة. وبحسب صحيفة "فايننشال تايمز"، فإنّ التجّار زادوا رهاناتهم ضد الشيكل، ما يضغط باتجاه الخيار الثاني، إلّا أنّ محلّلين في بورصة "تل أبيب" التي تهاوت بدورها بنسبة تخطت 8% توقّعوا أن يعمد المركزي إلى خفض أسعار الفائدة على الشيكل بمقدار 50 نقطة أساساً، ليبلغ 4.25%، فيما ذهبت صحيفة "غلوبس" أبعد من ذلك، وتوقّعت أن يبلغ خفض سعر الفائدة مقدار 75 نقطة أساساً، لتستقر عند 4%.

ووسط هذا التخبّط، أتى قرار شركتي "موديز" و"فيتش" للتصنيف الائتماني بوضع الكيان المؤقت تحت المراقبة الماليّة تمهيداً لخفض تصنيفه كالصاعقة، وسط أنباء تتحدّث عن انضمام "ستاندرد آند بورز" إليهما قريباً.

وارتفعت قيمة السندات الحكومية بنسبة 136% منذ بدء الحرب، وتسبب بيع سندات الشتات بخسائر تقدّر بمليارين و839 مليون دولار، وسط توقّع بارتفاع الدين العام الذي بلغ بالفعل 294.7 مليار دولار، فيما بلغ الناتج المحلي 350 مليار دولار.

قطاعات الأعمال والتجارة والتكنولوجيا
وأدّت الصواريخ التي تطلق على منطقة غوش دان، وهي درّة تاج الاقتصاد وصناعة التكنولوجيا لدى العدو، إلى شلل كبير في هذا القطاع الذي خسر أكثر من ملياري دولار حتى الآن.

وكشف الإخفاق التكنولوجي الكبير الذي مُنِيَت به "الدولة" العبرية في أنظمة المراقبة والتجسس نقطة ضعف كبيرة لدى شركات "الهاي تيك" لديه. ونتيجة ذلك، من المتوقّع أن تنخفض مبيعاته الخارجيّة في مجال تقنية المعلومات والتجسس بعدما كان شبه منفرد في السوق العالميّة.

وفي هذا السياق أيضاً، تحدّثت "نيويورك تايمز" عن إلغاء شركة "إنفيديا" قمّة الذكاء الاصطناعي التي كان مقرّراً عقدها في "تل أبيب". وتمتلك معظم شركات التكنولوجيا الأميركية الكبيرة مكاتب إنتاج أو أبحاث وتطوير مهمة في "إسرائيل"، بما في ذلك "مايكروسوفت" و"غوغل" (ألفابيت) و"آبل" و"أوراكل".

وأصبح مصير المنشأة التي كانت شركة "إنتل" تنوي بناءها بتكلفة 25 مليار دولار، والمخصصة لتصنيع الرقائق الإلكترونية، في مهب الريح، وخصوصاً أنّ موقعها يبعد 30 دقيقة فقط من السياج الفاصل مع قطاع غزة.

ومما لا شكّ فيه أنّ ترك 360 ألف جندي احتياط وظائفهم بعد استدعائهم من أجل التعبئة العسكريّة، وهو حدث غير مسبوق في تاريخ هذا الكيان، كان له تأثير مباشر في قطاعات الأعمال الحيوية.

ويكشف موقع "ذي ماركر" العبري، المختصّ بالاقتصاد، أنّ الكيان المؤقت "في حالة ركود، والتجارة صفر حالياً"، ويقول إنّ "الكثيرين يحاولون إبقاء رؤوسهم فوق الماء، ويخشون المستقبل، ولا يعلمون من سيعوّضهم ومتى". وبحسب صحيفة "معاريف"، فإنّ السوق الإسرائيلي خسر منذ بداية الحرب 4,6 مليار مليار شيكل، أي أكثر من مليار و200 مليون دولار أميركي، بسبب تغيّب الموظفين عن عملهم. 

وتراجع العمل في مصانع الألبسة (80%)، والأدوات الكهربائيّة والإلكترونيات (47%)، والألعاب (64%)، وأعلنت بالفعل شركتا "H&M" و"Zara" إغلاق متاجرهما في الكيان الصهوني، وذلك بعدما أعلنت شركة "نستله" السويسرية إغلاق مصنعها كإجراء احترازي، إضافةً إلى إغلاق مجموعة شركات "إنديتكس" الإسبانية العالمية 84 متجراً تابعاً لها أيضاً.

قطاع الطاقة
وعلى صعيد الطاقة، أعلنت شركة "شيفرون" بعد يومين من "طوفان الأقصى" أنها أغلقت حقل تمار للغاز الطبيعي، وهو أحد أهم مصادر الغاز المستخدم لتوليد الكهرباء والتصدير في "الدولة" العبريّة. أدى الإبقاء على هذا الحقل مغلقاً حتى اليوم، خوفاً من قيام المقاومة باستهدافه، إلى توقّف صادرات الغاز الإسرائيلية نحو مصر والأردن وزيادة الضغط على سوق الغاز الأوروبي.

ورغم مستويات تخزين الغاز المرتفعة والقياسية في أوروبا هذا الشتاء، ارتفعت أسعار الغاز هذا الأسبوع بعد ترك ناقلة كانت تسعى لملء الغاز الطبيعي المسال في مصر فارغة وتحويلها إلى ميناء في الجزائر، ما أثار المخاوف بشأن إمدادات الغاز في أوروبا.

وأشارت صحيفة "ذي ماركر" إلى أنّ استمرار الحرب على غزة سيعرّض استثمارات الغاز الطبيعي في الكيان للخطر، إذ يمكن أن توجّه ضربة قويّة إلى طموحاته بأن يصبح مركزاً لتصدير الغاز الطبيعي إلى أوروبا وأماكن أخرى.

بالنسبة إلى سعر النفط، فقد ارتفع ليصل إلى نحو 94 دولاراً للبرميل بعد تقلبات كبيرة شهدتها الأسواق العالمية، ونشرت صحيفة "الغارديان" البريطانية تقريراً تحدّثت فيه عن مخاوف بين تجار النفط والاقتصاديين من أنّ الأسواق قد تتجاوز مستوى 100 دولار للبرميل.

وأشارت الصحيفة البريطانية إلى أنّ سبب القلق يعود إلى الخوف من خنق طريق عبور رئيسي لشحنات النفط والغاز المنقولة بحراً من الشرق الأوسط إلى السوق العالمية عبر مضيق هرمز، ما يهدد الجهود التي تبذلها المصارف المركزية لترويض التضخم المرتفع.

إلى ذلك، قامت "بلومبرغ إيكونوميكس" بدراسة التأثير المحتمل للحرب في النمو العالمي والتضخم، وخلصت إلى أنّ توسّع القتال إقليمياً ليشمل إيران سيكون تأثيره خطراً جداً، إذ يمكن أن يكون سبباً لركود عالمي، ومن شأنه رفع أسعار النفط إلى 150 دولاراً للبرميل، وأن يوجّه ضربة قويّة إلى النمو العالمي الذي قد ينخفض لعام 2024 إلى 1.7% بدلاً من 2.7%، وأن يُعرقل الجهود العالمية لكبح جماح الأسعار، ما يترك معدّل التضخم العالمي عند 6.7% أو يرفعه بشكل كبير.

قطاع السياحة والطيران
وتعرّض قطاع السياحة والطيران الإسرائيلي لضربة قاسمة؛ فبعد قصف مطار بن غوريون في "تل أبيب" بالصواريخ، علّقت جميع شركات الطيران العالميّة رحلاتها إليه بالتزامن مع خروج مطاري رامون وحيفا عن الخدمة. 

كذلك، أصدرت شركات التأمين على الطيران ضد مخاطر الحرب إخطاراً بإلغاء الغطاء التأميني للشركات التي تتخذ من الكيان المؤقت مقراً مع بدء سريان بعض الإلغاءات بالفعل، ما اضطر حكومة نتنياهو إلى دفع 6 مليارات دولار للتعويض عن ذلك، وهي تكلفة باهظة يدفعها العدو لضمان استمراريّة عمل الطيران بحده الأدنى. وبلغت خسائر قطاع الطيران حتى الآن نحو 1.6 مليار دولار، بمعدّل 100 مليون دولار يومياً.

كل هذه الخطوات تُعدّ مؤشراً على الخسائر المتوقعة في قطاع السياحة الإسرائيلي الذي بلغت عائداته أكثر من 3.4 مليارات دولار عام 2022. وقد بات يتكبّد خسائر بنحو 98 مليون دولار يومياً منذ بدء الحرب.

وأوصت جمعية أصحاب المطاعم بطرد العاملين أو منحهم إجازة مرضية، بعد تيقّنها من أنّ حكومة نتنياهو لن تستطيع تعويض القطاع عن الخسائر الكبيرة التي يتعرّض لها، بحسب "القناة 12" العبريّة، وخصوصاً بعد تراجع العمل في قطاعي الترفيه (73%) والمطاعم (65%).

خسائر متفرّقة
وإضافة إلى الخسائر في القطاعات الاقتصاديّة المختلفة، تخطت تكلفة الدمار في مستوطنات غلاف غزة عتبة المليار دولار، ويكلّف نقل 200 ألف مستوطن في مستوطنات الجنوب والشمال نحو 100 مليون دولار أسبوعياً.

وقُدّرت التكاليف العسكريّة للحرب بنحو مليار دولار في اليوم الواحد، أي نحو 16 مليارات دولار حتى الآن. إلى ذلك، فإنّ التأثير الأولي للحرب كان زيادة الطلب على الاحتياجات العامة، وخصوصاً السلع الاستهلاكية الأساسية، ما أثّر في النشاط الاقتصادي سلباً، وأدّى إلى انخفاض العرض وارتفاع الأسعار بشكل كبير.

في المحصّلة، لم تُصِب كيان الاحتلال كارثة كهذه من قبل، بل لم يبلغ أي ضرّر لديه خُمس ما نشاهده اليوم حتى خلال حروبه الكثيرة السابقة. إنّها نكبة اقتصاديّة بكل المقاييس دفعته حتى إلى المجاهرة بطلب مساعدات ماليّة إضافية بقيمة 14 مليار دولار من الولايات المتحدة. وبعد انكشافه أمنيّاً وعسكريّاً وسياسيّاً وأخلاقيّاً، ساعة صبر والحقيقة ستنجلي، وسيكتشف الجميع أن اقتصاد هذا الكيان وهمي، وأوهن من بيت العنكبوت أيضاً.

لا تتبنى الاشراق بالضرورة الآراء والتوصيفات المذكورة

Copyright © 2017 Al Eshraq TV all rights reserved Created by AVESTA GROUP