عمر أبو ريشة.. قيثارة سوريا التي لم تصمت في حضرة الدبلوماسية

ishraq

الاشراق

الإشراق | متابعة

تحل في منتصف "تموز" ذكرى رحيل الشاعر السوري الكبير "عمر أبو ريشة"، الذي غادر عالمنا في 15 "تموز" 1990، تاركاً خلفه إرثاً أدبياً شاهقاً يمثل جسراً فريداً بين أصالة القوالب الكلاسيكية وروح الحداثة المعاصرة. لقد كان "أبو ريشة" ظاهرة ثقافية استثنائية، إذ نجح في صهر شخصية الدبلوماسي الرصين مع روح الشاعر المتمرد الذي جعل من قصيدته سلاحاً في وجه الاستعمار وصوتاً صادحاً لقضايا أمته العربية.


وفي التفاصيل، تعود جذور "أبو ريشة" المولود عام 1908 إلى ريف "حلب"، المدينة التي شكلت وجدانه الأول قبل أن يطوف العالم طلباً للعلم. لم يكتفِ بنهل الأدب من منابع "بيروت"، بل توجه إلى "إنجلترا" لدراسة الكيمياء الصناعية في "جامعة مانشستر"، حيث شكل احتكاكه بالأدب الإنجليزي رافداً إضافياً أغنى تجربته الشعرية بجملة من الصور الفنية والتعابير الرصينة. عاد بعدها إلى "حلب" ليخوض معترك النضال السياسي ضد "الاحتلال الفرنسي"، مكتسباً من تلك التجربة مرارة الألم الوطني الذي تحول إلى قصائد وطنية خالدة، منها قصيدته الذائعة "أمتي هل لكِ بين الأمم"، التي أصبحت رمزاً للفخر والتحريض على التحرر.

مسيرة "أبو ريشة" الدبلوماسية لم تكن منفصلة عن مشروعه الشعري، بل كانت امتداداً له؛ فقد مثّل "سوريا" سفيراً في عواصم عالمية بارزة كـ "برازيليا"، و"بوینس آیرس"، و"سانتياغو"، و"نيودلهي"، و"فيينا"، و"واشنطن". وفي كل عاصمة، كان يحمل قلمه ليرسم أبعاد الحكمة والرثاء والفخر والغزل. غطت مؤلفاته مساحة واسعة من الإبداع، ومن أبرز دواوينه "بيت وبيان"، و"نساء"، و"غنيت في مأتمي"، و"أمرك يا رب"، بالإضافة إلى مسرحياته الشعرية التي أظهرت قدرته الفائقة على توظيف اللغة في سرديات درامية معقدة.

انتهت حياة هذا الرمز الثقافي في المملكة العربية السعودية إثر جلطة دماغية، ليعود جثمانه إلى مسقط رأسه "حلب" ويدفن فيها، تاركاً إرثاً يتجاوز الثمانين عاماً من العطاء. إن ذكرى "أبو ريشة" ليست مجرد احتفاء برحيل شاعر، بل هي استحضار لصوتٍ أدبي ظل وفياً لقيم الحرية والجمال. ورغم مرور أكثر من ثلاثة عقود على رحيله، تظل قصائده مرجعاً للباحثين عن اللغة العربية الجَزلة والمشاعر الصادقة، فقد كان بحق "أميراً للبيان" تمكن من الجمع بين أناقة الدبلوماسي وثورة الشاعر، ليظل اسمه محفوراً في ذاكرة الأدب العربي كعلامة فارقة لا تغيب، تؤكد أن الشعر إذا ما امتزج بقضايا الإنسان والوطن، فإنه يغدو خالداً يتجاوز فناء الأجساد.

لا تتبنى الإشراق بالضرورة الآراء والتوصيفات المذكورة.

Copyright © 2017 Al Eshraq TV all rights reserved Created by AVESTA GROUP