27/02/2026
دولي 15 قراءة
أربعة أعوام من الحرب: ثُلُثا الأوكرانيين يؤيّدون التسوية!

الاشراق
الاشراق | متابعة.
استقبلت العاصمة الأوكرانية كييف قادة الاتحاد الأوروبي ومسؤولين رفيعين لإحياء الذكرى الرابعة لاندلاع الحرب مع روسيا. لكن الحضور الدبلوماسي اقتصر على القيادات الأوروبية، فيما خلت قائمة كبار الزوار، التي أعلنها مكتب الرئاسة الأوكرانية، من أي مسؤول أميركي أو وفد يمثّل البيت الأبيض. ويعكس هذا الغياب نهجاً مستجداً لدى الإدارة الأميركية الحالية، عنوانه تخفيف الدعم العلني لأوكرانيا، وتفعيل الضغط المباشر على طرفَي النزاع لإنهاء العمليات العسكرية بحلول فصل الصيف، وذلك استباقاً – كما يرى المراقبون - لانتخابات التجديد النصفي للكونغرس. وكانت اختارت واشنطن اتخاذ موقف محايد من النزاع في المحافل الدولية، إذ امتنعت، إلى جانب خمسين دولة أخرى، عن التصويت على قرار في الجمعية العامة للأمم المتحدة صاغته كييف لدعم عملية سلام دائم في أوكرانيا، واكتفت بمراقبة تمريره بأصوات 107 دول.
وفي الوقت نفسه، تلقّت سلطات كييف تحذيرات رسمية من الإدارة الأميركية، وذلك عبر مذكرة احتجاج دبلوماسية تطالبها بالامتناع عن استهداف المواقع الروسية المرتبطة بالمصالح الاقتصادية الأميركية. وأكدت السفيرة الأوكرانية في واشنطن، أولها ستيفانيشينا، تسلّم بلادها لهذه التوجيهات عقب الهجوم الأوكراني بالطائرات المسيّرة على ميناء نوفوروسيسك الروسي، والذي أسفر في حينه عن أضرار في محطة تابعة لائتلاف خطوط أنابيب بحر قزوين، المملوك جزئياً لشركتَي «شيفرون» و«إكسون موبيل» الأميركيتَين، فضلاً عن تضرٍر ناقلتَين من ما يسميه الغرب «أسطولّ الظل الروسي».
ويمثّل هذا التحول في السياسة الأميركية مثار استياء وقلق لدى القيادة الأوكرانية. إذ أبدى مسؤولون أوكرانيون بالفعل إحباطهم إزاء صمت الإدارة الأميركية تجاه الهجمات الروسية المباشرة على المصالح التجارية لواشنطن داخل الأراضي الأوكرانية؛ علماً أن غرفة التجارة الأميركية في كييف أفادت بأن ما يقرب من نصف عدد الشركات الأميركية الموجودة هناك، تعرّضت أصولها لأضرار جسيمة من جراء القصف الروسي، بما في ذلك منشآت تابعة لشركات من مثل «بوينغ» و«فليكس إلكترونيكس». وعبّر الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، بدوره، علناً عن استيائه من وقوف واشنطن «في المنتصف» بين الطرفَين، واستخدامها استراتيجية الضغط المتوازي.
ومع دخول الحرب عامها الخامس، شهدت كييف وصول وفد أوروبي رفيع المستوى ضمّ رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا، يرافقهما ثمانية رؤساء حكومات أوروبية. وتزامنت هذه الزيارة مع عرقلة هنغاريا حزمة قروض أوروبية بقيمة 90 مليار يورو مخصّصة لدعم كييف؛ حيث استخدم رئيس الوزراء الهنغاري، فيكتور أوربان، حق النقض (الفيتو) لوقف التمويل وتجميد حزمة العقوبات الجديدة ضدّ روسيا، وذلك رداً على القيود الأوكرانية المفروضة على عبور النفط الروسي نحو بلاده. كما أعلن أوربان صراحة رفض بودابست تقديم الأموال أو الجنود لدعم الجبهة الأوكرانية.
يمتلك الاقتصاد الروسي حجماً يعادل عشرة أضعاف الاقتصاد الأوكراني
وتجاوزت الحرب، بعد مرور 1463 يوماً على اندلاعها، المدّة الزمنية لمشاركة الاتحاد السوفيتي في الحرب العالمية الثانية ضدّ ألمانيا النازية، فيما يرجّح خبراء وصول الخسائر البشرية من الطرفين خلالها إلى مليونَي شخص بحلول فصل الربيع. وسجّلت أوكرانيا أعداداً هائلة من المصابين، إذ تشير التقديرات إلى وجود 100 ألف حال بتر أطراف بين العسكريين والمدنيين، ما دفع بمدن مثل لفيف – غربي أوكرانيا - إلى التحول إلى مراكز عالمية لصناعة الأطراف الصناعية والتأهيل الطبي. كما تعاني القوات الأوكرانية من أزمة تجنيد حادّة، حيث تفادى مليونا شخص أداء الخدمة العسكرية، في حين لحظت السجلات العسكرية غياب 200 ألف جندي عن وحداتهم هرباً من القتال.
وتُظهر الإحصائيات فجوة كبيرة بين طرفَي النزاع، إذ يبلغ تعداد سكان روسيا أربعة أضعاف نظيره الأوكراني، فيما يمتلك الاقتصاد الروسي حجماً يعادل عشرة أضعاف الاقتصاد الأوكراني. كما شهدت الجبهات العسكرية على الدوام وصول تعزيزات ضخمة للجيش الروسي، في ظلّ إنتاج المصانع الروسية ذخائر تعادل أربعة أضعاف الإنتاج المشترك لدول «حلف شمال الأطلسي» جميعها. أيضاً، عزّزت موسكو قواتها بجلْب 14 ألف جندي من كوريا الشمالية، واستقطاب مرتزقة من نيبال وجنوب أفريقيا وأكثر من ألف مقاتل من كينيا.
في المقابل، حقّقت أوكرانيا نجاحات استراتيجية عبر إغراق ثلث أسطول البحر الأسود الروسي، بما يشمل الطراد «موسكفا»، وتنفيذ توغلات في مقاطعة كورسك الروسية، فضلاً عن استهداف مصافي النفط في العمق الروسي. لكن الحكومة الأوكرانية تحتاج إلى توفير 137 مليار يورو للعامين الحالي والمقبل، لتمويل المجهود الحربي وإدامة مؤسسات الدولة الأساسية.
وعلى المستوى الاجتماعي، أسفرت الحرب عن تداعيات ديموغرافية جسيمة، إذ انخفض عدد سكان أوكرانيا من 36 مليون نسمة قبل النزاع إلى 32 مليون نسمة، وذلك نتيجة موجات الهجرة المكثفة. كما تشير إحصائيات أكاديمية إلى نزوح ستة ملايين شخص داخلياً، ولجوء أربعة ملايين آخرين، غالبيتهم من النساء والأطفال، إلى خارج الحدود الأوكرانية. أيضاً، تعيش مختلف المدن الأوكرانية طقوساً يومية قاسية تجسّد حجم المأساة المستمرة، حيث تستقبل ساحاتها بانتظام قوافل الجثامين العائدة من جبهات القتال، فيما تقام المراسم الجنائزية العسكرية أمام الكنائس الرئيسة، بمشاركة فرق موسيقية عسكرية وحضور رسمي لتوديع الجنود الساقطين في الجبهات الشرقية والجنوبية. وفي الوقت نفسه، دفع استهداف البنية التحتية المتكرّر الأوكرانيين إلى ابتكار حلول للتأقلم مع انقطاع الكهرباء والتدفئة، في حين لجأت المؤسسات التعليمية إلى إنشاء فصول دراسية محصّنة تحت الأرض لضمان استمرار العملية التعليمية تحت خطر الغارات الجوية المستمرة.
وفي ظلّ هذه الأوضاع، أظهر استطلاع حديث للرأي تأييد أكثر من ثلثي الأوكرانيين التوصّل إلى تسوية تفاوضية لإنهاء النزاع، فيما اقتصرت نسبة المؤيدين لمواصلة القتال على 24 بالمئة. ويختلف هذا المشهد جذرياً عن إحصائيات عام 2022 التي أظهرت تأييد 75 بالمئة لمواصلة الحرب. ورغم ذلك، لا يزال 75 بالمئة من الأوكرانيين معارضين لفكرة التنازل عن أراضي إقليم دونباس كجزء من اتفاق السلام.
وفي ضوء تلك المعطيات، يسعى البيت الأبيض إلى تسريع العملية السياسية الداخلية في كييف، تزامناً مع ترتيبات وقف إطلاق النار. وتضمنت خطة السلام المقترحة من قبل المبعوث الأميركي، ستيف ويتكوف، بنداً يلزم الحكومة الأوكرانية تنظيم انتخابات رئاسية وبرلمانية خلال مئة يوم من توقيع الاتفاق. وفي المقابل، أعرب زيلينسكي عن استعداده لإجراء الانتخابات شريطة التوصل إلى وقف شامل لإطلاق النار وإقرار ضمانات أمنية صلبة، وتجاوز القيود الدستورية المرتبطة بفرض الأحكام العرفية في أوقات الطوارئ العسكرية.
وعشية الذكرى الرابعة لانطلاق ما وصفته موسكو بالعملية العسكرية الخاصة في أوكرانيا، أقرّت الرئاسة الروسية بالعجز عن بلوغ أهدافها الأولية، ووسَم المتحدث باسمها، ديمتري بيسكوف، النزاع بالمواجهة الشاملة مع الدول الغربية، مؤكداً استعداد بلاده لتسوية سلمية مشروطة بامتثال أوكرانيا لمطالب الكرملين بالاعتراف بسيادة روسيا على دونباس والقرم. وفي المقابل، ألقى زيلينسكي كلمة مصوّرة من مقرّه المحصّن، مجدداً عزم بلاده الدفاع عن سيادتها، ومشيراً إلى التكلفة الباهظة التي يتكبّدها الجيش الروسي، والمتمثلة بفقدان 167 جندياً مقابل كلّ كيلومتر مربع جديد تسيطر عليه روسيا.
بقلم سعيد محمد.