موسيقى من صيدا «سَحبِة وِحدِة» لـ... عَين المريسة!

ishraq

الاشراق

الاشراق | متابعة.

… مروراً بالقنطاري، صعوداً إلى بيت مري. وذلك بين مساء اليوم الجمعة وبعد غدٍ الأحد. هي خمس حفلات موسيقية، نتناولها بهذه السطور ونترك لكم تنظيم أجنداتكم على هذا الأساس. قبل ذلك، نعود سريعاً إلى افتتاح الدورة الحالية لـ«مهرجان البستان» الذي انطلق مساء الثلاثاء الماضي، مع الفنان مارسيل خليفة.

افتتاح «البستان»
من أكثر الأمور الخيالية التي طالما تمنّى الإنسان أن يمتلكها، ونراها في بعض الأفلام الخيال العلمي والصور المتحركة، هي الخفاء (invisibility). هذا مستحيل في الواقع، لكن افتتاح «البستان» هذا الأسبوع خلق لدينا شعوراً يحاكي هذه القدرة الخارقة غير الممكنة. عندما دخلنا إلى البهو الذي نلِج منه إلى القاعة الرئيسية، ظهرت أمامنا كمية هائلة من الوجوه المعروفة، من مشاهير سياسية وإعلامية. هكذا، رُحنا نطوف وسط بحر الوجوه دون أن «يرانا» أحد. هذا فؤاد.

نراه، ولا يرانا… هذه ديما وهذه نورا. هنا كمال وجو وغسان وياسين وشارل وكميل وغيرهم… من الحكومة. هذه نجاة من القصر، وهناك مروان من بيروت المحافظة. وجوه وقامات تمرّ بقربها كأنك هاري بوتر مرتدياً «عباءة الإخفاء» (The Invisibility Cloak). إنه السحر. إنها نعمة الإنغمار، أدامها الله.

انطلقت الحفلة متأخرّة بضع دقائق على غير عادة. والتأخير أتى من الجمهور «المُحترَم». أطلّ مارسيل خليفة برفقة ابنه رامي (بيانو) وابن أخيه ساري (تشيلّو). تركيبة مصغرّة، توسّعت في الجزء الأخير من البرنامج لتضمّ شربل روحانا (عود) ونجله نديم (أكورديون)، في افتتاح الدورة المسمّاة «العائلة والأصدقاء». استمرت الحفلة قرابة المئة دقيقة بدون استراحة، علماً أنها ضمّت فقط ثمانية عناوين بين الأغاني والمقطوعات الآلاتية.

السبب هو إطالة بعض المحطات الغنائية («يطير الحمام»، «ريتا» و«يا بحرية») لإشراك الجمهور بين أخذ ورد باتجاه الصالة ثم باتجاه المسرح. هذه المبالغات أتت بغير محلّها، أمام جمهور بغالبيته من طبقة اجتماعية وميول سياسية لا تعنيه معاني هذه القصائد أو حتى ما استُوحِيَت منه بعض المقطوعات. وإنّ عَنَت شيئاً، فبالاتجاه المعاكس، إلاّ إذا باتت هذه القصائد بلا معنى، فارغة من مضمونها، حتى صار بالإمكان إنشادها على مسمع سفير ترامب متقدّماً الحضور.

الافتتاح مع قطعة بعنوان «الخيام» أهداها خليفة إلى «أهلنا في الجنوب»، وسار البرنامج ليشمل قطعة للتشيلّو من تأليف ساري خليفة بعنوان «صرخة» تنتمي إلى النيو-كلاسيك، أداها ببراعة ملفتة ولجأ في كتابتها، وبإسهاب، إلى ما هو نادر في موسيقانا على هذه الآلة، ما يسمّى بالـdouble stops (استخراج صوتين متزامنَين لزوم الهارموني أو لتنفيذ جملتَين موسيقيَّتَين مستقلّتَين).

كذلك، أدّى رامي مقطوعتَين من تأليفه، الأولى متأثّرة بتيار التكرارية (غلاس، رايلي،…) بعنوان «محيط» (شارك التشيلّو في جزء منها) وتخللها، كما في المقطوعة الأخرى، وهي مرثية جنائزية لشهداء انفجار المرفأ، العزف مباشرةً على أوتار البيانو (inside piano)، وهي من التقنيات التي وسّعت الإمكانات الصوتية والتعبيرية للآلة منذ أربعينيات القرن الماضي.

في المقطوعة الثانية، قدّم رامي أداءً ممتازاً لقطعةٍ متينة لناحية البناء (باستثناء مساحة «هُلامية» متأثّرة بتجربة رائجة منذ فترة، للإيطالي لودوفيكو إيناودي)، وسعفه بشكل مذهل في هذه المهمة الشتاينواي (ربما هي أفضل نسخة من هذه الآلة في لبنان)، البيانو المهيب الذي وضعه «البستان» في تصرّفه، للوصول إلى ذروات من التعبير والحجم الصوتي الهائل الذي زلزل القاعة كأنه أوركسترا كاملة.

مشاركة شربل روحانا ونجله أتت في مقطوعة سماعي من بدايات مارسيل في التأليف، وكذلك في «تانغو لعيوم حبيبتي» التي قدّم خلالها نديم روحانا أداءً غاية بالنظافة والإحساس.

بعد الحفلة، خرجت الشخصيات مستعجلة، بَلَّغ مرافقوها الحاضرون في القاعة، السائقين «المنقوعين» في سياراتٍ من كوكبٍ طبقيّ آخَر. تحرّكت المركبات باتجاه واحدٍ خالقةً مستنقعاً من السواد اللامع الراكد. تمشّى الشعب العادي بين المحركات الدافئة بتَهَكُّم المنتصِر، باتجاه سيّاراته المركونة على أطراف الطرقات القريبة. سياراتٌ عتيقة، لكنّها حُرّة!

خمس أمسيات بين الليلة والأحد
نبدأ من صيدا، حيث يستضيف «الحمّام الجديد» في المدينة القديمة مجموعة من الأمسيات، يستهلّها عند التاسعة من مساء الليلة تحت عنوان «الذات» الموسيقيون فرح قدّور (بُزُق)، سماح بو المنى (أكورديون)، علي الحوت (إيقاعات)، دييغو رودريغز (غيتار كهربائي) وفؤاد عفرا (درامز).

تأتي الأمسية ضمن النشاطات الفنية (وغيرها) التي ينظّمها المكان بمناسبة شهر رمضان، كما في كل عام. في السابع من آذار/مارس المقبل أمسية ثانية بعنوان «تانغو الأمل»، لسمير نصر الدين (تأليف وعود) وجاك استيفان (كونترباص) وبهاء ضو (إيقاع) وكوزيت شديد (غناء). بعدها بأسبوع أمسية ثالثة وأخيرة بعنوان ”من ”الهجرة““ لأنوَر البزري، وتتضمن عزفاً على البيانو وغناءً وسرد حكايات، بالإضافة إلى الموسيقى الإلكترونية، ويشارك فيها ضيوف لم يُعلَن عن أسمائهم.

الليلة أيضاً، أمسية كلاسيكية عند الثامنة والنصف (الدخول مجّاني)، بقيادة المايسترو لبنان بعلبكي في «الكنيسة الإنجيلية الجديدة» (القنطاري) ضمن نشاطات المعهد الوطني العالي للموسيقى. يقود بعلبكي «الأوركسترا الفلهارمونية اللبنانية» في برنامج شديد التنوّع، لكن ضمن الكلاسيك الغربي والأنماط القريبة منه، لأداء مقطوعات للمؤلّفين ماسكانيي وألبينوني وغريغ ورسبيغي وهولست، بالإضافة إلى بياتزولاّ (تانغو أرجنتيني بقالب كلاسيكي) وموريكوني (رمز الموسيقى التصويرية في السينما).

أما «البستان»، فيتابع فعالياته بعد أمسيَتيّ مارسيل خليفة، فيستضيف الليلة (8:30) أمسية مكثّفة جداً لناحية البرنامج، تجمع بين برامز وبيتهوفن. هكذا تؤدّي الشقيقتان هايونغ وسونغها تشوي (تشيلّو وكمان — من كوريا الجنوبية) الكونشرتو المزدوج للكمان والتشيلّو لبرامز، وهو من الأهمّ والأشهر في فئته.

ترافق الفتاتَين «أوركسترا ييريفان للشباب» بقيادة سيرغي سمباتيان، التي تنفرد في أداء السمفونية الأشهر في تاريخ الموسيقى، خامسة بيتهوفن التي نكرّر ما كتبناه عنها عام 2008 في مئوية تأليفها الثانية: إنها مشهورة بفعل حركتها الأولى، لكنّها عظيمة بفضل حركاتها الثلاث الأخرى.

هذه أمسية مدفوعة وبطاقاتها بين 25 و70 دولاراً. لكنّ من أكثر الابتكارات التي نحيّي منظمّي المهرجان على تكريسها سنة بعد سنة، هو الحفلات التي ينظمّها في الشارع، لكل الناس، مجاناً ومع نفس الموسيقيين الذين يقدّمون مساهماتهم ضمن الحفلات المدفوعة.

هكذا يمكنكم، الساعة 11 من قبل ظهر غدٍ السبت، النزول إلى كورنيش عين المريسة (مقابل بائع السموم الأميركي الشهير: ماكدونالدز) والاستماع إلى الأوركسترا ذاتها بقيادة سمباتيان في أداء لخامسة بيتهوفن. إنها تجربة تستحق الاهتمام حتى من الجمهور الذي سيحضر الأمسية الليلة ضمن قاعة مغلقة.

كيف «يرُنّ» بيتهوفن في النهار؟ في الهواء الطلق؟ في الشارع وأمام البحر؟ كيف ستتفاعل الوجوه؟ ماذا ستكون ردّة فعل أولادٍ فقراءٍ طيّبين ربما لم يروا ويسمعوا شيئاً كهذا؟ إنها فرصة نادرة للإجابة على هذه الأسئلة.

أخيراً، أمسية الأحد المقبل في المهرجان الشتوي لأحد أكبر مغنّي الأوبرا في العالم، ومن أبرز المشاهير العالمية التي يستضيفها «البستان» هذه السنة. برين ترفل يأتي للمرة الثانية إلى لبنان (المرة الأولى شارك في «مهرجانات زوق مكايل»)، لكن هذه المرّة لتقديم أوبرا «جياني سكيكي» للإيطالي بوتشيني.

عمل مغمور (نسبةً إلى أعمال بوتشيني الشهيرة)، من لوحة واحدة، قصته مستوحاة من «جحيم» دانتي، نترك لكم اكتشاف تفاصيلها الشيّقة في الحفلة. يتطلّب العمل مشاركة عدد كبير من المغنيين، نذكر منهم لاورا فورتينو وماريا زاباليتا وغيرهما من الضيوف الأجانب، بالإضافة إلى بشارة مفرّج وفادي جانبار من لبنان. هذه ”المسألة العائلية“ (مشاكل الإرث تحديداً) المناسِبة في حبكتها لعنوان دورة «البستان» لهذا الموسم، يقودها جيانلوقا مارتشيانو على رأس «أوركسترا ييريفان للشباب».

بقلم بشير صفير.

Copyright © 2017 Al Eshraq TV all rights reserved Created by AVESTA GROUP