27/02/2026
مال و آعمال 22 قراءة
مديرك الجديد صار خوارزمية!

الاشراق
الاشراق | متابعة.
مطلع الشهر الحالي، أنشأ مهندس البرمجيات ألكسندر ليتيبلو والمؤسِّسة المشاركة باتريشيا تاني موقعاً إلكترونياً يحمل اسم RentAHuman.ai، بهدف معالجة مشكلة حقيقية ظهرت في الواقع الرقمي اليوم.
بعد انتشار ما يُسمّى وكلاء الذكاء الاصطناعي، وهي برامج متطورة تستخدم أنظمة الذكاء الاصطناعي لتعمل بديلاً من البشر في مجموعة واسعة من المهمات الرقمية (استعمال الكمبيوتر، تصفّح الإنترنت، التواصل مع الناس عبر مختلف المنصات، حجز المواعيد تلقائياً، إرسال رسائل البريد الإلكتروني، إنشاء مواقع إلكترونية كاملة وتصميم برامج معقدة)، إلا أنها، رغم قدراتها، تصطدم بحاجز العالم المادي: فأي مهمة تتطلب حركة على الأرض تبقى خارج قدرتها. الوجود الجسدي أو التعامل المباشر مع الأشياء مستحيل عليها. تسليم غرض، شراء شيء من متجر فعلي، تصوير موقع، أو تأدية عمل يدوي بسيط، كلها مهمات تحتاج يداً بشرية.
الحل في الاسم
لحل هذه المشكلة، صُمّم موقع RentAHuman. فكرته الأساسية واضحة في اسمه، الذي يعني حرفياً «استأجر إنساناً». يسجّل البشر أنفسهم بصفة مقدّمي خدمات، مع وصف تفصيلي للمهارات التي يملكونها. بعد ذلك، يمكن لوكيل ذكاء اصطناعي أو لمستخدم عادي الدخول إلى الموقع وطلب تنفيذ مهمة محددة من أحد المسجّلين.
هذا النوع من المنصات موجود منذ سنوات، ويعتمد عليه كثيرون، وبينهم لبنانيون، في تأمين دخلهم عبر أعمال قصيرة ومهمات متفرقة. الجديد هنا أن كياناً رقمياً صار قادراً على طلب عمل ميداني من إنسان.
المهمات متنوعة: توصيل طلبات الطعام، رسم لوحة فنية، تسلق تلة لالتقاط صورة معينة، حضور فعالية بالنيابة عن شخص آخر. يصبح البشر «الأيدي والأرجل» للوكلاء الرقميين في العالم الحقيقي. نوع جديد من التعاون بين الإنسان والآلة.
توفّر المنصة الدفع عبر العملات المشفّرة، ما يسهل التعاملات العابرة للحدود ويمنح المستخدمين خيارات أوسع في تلقي أجورهم.
ماذا يعني ذلك؟
يحمل هذا التطور دلالات واسعة على جميع الأصعدة، لأن الاقتصاد والمجتمع والأمن سيتأثرون به معاً. العالم يدخل واقعاً جديداً يتلقى فيه البشر تعليمات عمل من وكلاء ذكاء اصطناعي. العمل تحت إدارة الوكلاء يعني انتقال سلطة القرار والتوظيف والتقييم من المدير التقليدي إلى خوارزميات قادرة على تحليل الاحتياجات، واختيار المنفّذ المناسب من أي مكان، وتحديد الأجر، ثم متابعة جودة التنفيذ وتفاصيله لحظة بلحظة.
تتحول العمالة البشرية في هذا النمط إلى وحدات تشغيلية ضمن شبكة عالمية يربطها الوكيل الرقمي، ما يرفع وتيرة العمل ويجعل التقييم الحسابي الجاف معياراً وحيداً للبقاء. يجد الفرد نفسه مطالباً بالتكيف مع سرعة الآلة ومنطقها لضمان استمرارية دخله، بينما تختفي تدريجياً المهن التي لا ترتبط بهذه السلاسل الرقمية. يمثّل هذا الانتقال تغييراً جوهرياً في هوية العمل؛ فالروبوت انتقل من مساعد في المصنع إلى المحرك والموجّه لسوق عمل عالمية لا تنام، يوزّع الأرزاق والمهمات وفق معادلات السعر والسرعة والكفاءة.
نحن أمام شكل جديد تماماً من العمل عن بُعد: الخوارزمية أصبحت المدير، وقادرة على إدارة سلسلة من المهمات البشرية المعقدة والمتشابكة. تستطيع تقسيم مشروع واحد كبير إلى أجزاء صغيرة ومنفصلة، ثم توزيع هذه الأجزاء على أفراد مختلفين لا يعرف أحدهم الآخر، ولا يدرك أي منهم الصورة الكاملة للهدف النهائي.
التحدي الأمني
يفتح صعود «اقتصاد المهمات» الموجّه بالذكاء الاصطناعي ملفاً أمنياً وقانونياً جديداً، لأن دور «المدير» لم يعد محصوراً بإنسان يمكن الوصول إليه بسهولة. قد يصدر الطلب من وكيل رقمي يعمل لمصلحة شخص أو جهة في بلد بعيد، ثم تُنفَّذ المهمة على الأرض عبر شخص محلي، وفي كثير من الأحيان لا يعرف المنفذ من هو الطرف الحقيقي الذي يقف خلف الطلب. هذا وحده يكفي لرفع مستوى التعقيد: في ظل غياب قواعد دولية موحّدة تنظّم هذا النوع، ستضطر الأجهزة الأمنية إلى البحث في القضايا المتعلقة عبر سلسلة كاملة تشمل منصة رقمية، ووكيلاً رقمياً ربما جلب المهمة من وكيل رقمي آخر، وحساباً يدير الطلب، وأدوات عملات مشفّرة للدفع، وسجلات مراسلة، وتنفيذاً ميدانياً في مكان آخر.
12 لبنانياً على منصة RentAHuman
ستواجه أجهزة إنفاذ القانون أعمالاً إضافية من نوع مختلف: التحقق من هوية طالبي المهمات ومصادر الأموال، متابعة الطلبات التي تتكرر بصيغ متشابهة أو تستهدف مناطق حساسة، فهم أنماط «التجزئة» حين تُوزّع مهمة واحدة على أكثر من منفّذ، ثم تحديد المسؤولية عندما تتقاطع بين من طلب، ومن نفّذ، ومن وفّر المنصة.
مع ذلك، لا يعني هذا أن كل منصة ستتحول تلقائياً إلى قناة للاستغلال. مستوى الخطر يتغير بحسب تصميم المنصة وحوكمتها. يرتفع الخطر عندما تغيب خطوات التحقق من الهوية، وتكون سياسات المنع فضفاضة، ولا توجد مراقبة لأنماط الطلبات أو سجلات قابلة للتدقيق، ولا توجد آليات إبلاغ سريعة للمستخدمين. وينخفض عندما تكون المنصة متشددة في تصنيف المهمات، وتضع قيوداً واضحة على الطلبات الحساسة، وتفرض شفافية أعلى على الجهة الطالبة، وتحتفظ بسجلات تساعد على تتبع ما حدث عند الضرورة.
الواقع الفعلي
على أرض الواقع، تبدو منصة RentAHuman حتى الآن تجربة ناشئة أكثر منها سوق عمل مستقرة: الاستخدام محدود ومتذبذب، والمنصة تعمل بروح النسخة الأولى عبر تسجيلات كثيرة وتعريفات عامة بالخدمة، مقابل مهمات متفرقة يغلب عليها الطابع الترويجي أو التجريبي، من دون مؤشرات كافية على انتظام تدفق أعمال ثابتة.
مع ذلك، تضم المنصة أيضاً مستخدمين من لبنان، مع وجود 12 لبنانياً ضمن المسجّلين، في إشارة إلى أن الفكرة بدأت تتسلل إلى سوق العمل المحلية، ولو على نطاق ضيق.
في الوقت نفسه، نحن أمام تقنية جديدة بالكامل تحمل فرصاً لمن يبحث عن دخل إضافي عبر مهمات قصيرة، وتفتح باباً لاقتصاد عابر للحدود يمكن فيه لجهة في دولة ما أن توجّه عملاً ميدانياً في دولة أخرى عبر وسيط رقمي. إلا أن هذا النموذج يرفع أيضاً مستوى المخاطر المرتبطة بالأمن والخصوصية.
وقدّم باحث أمن المعلومات ميثون غاودا مثالاً على هذه الهشاشة عندما أعلن اكتشافه عشر ثغرات أمنية في منصة RentAHuman، شملت نقطة اتصال متاحة من دون حماية تكشف بيانات شخصية للمستخدمين، ومشكلة في صلاحيات الوصول تتيح تجاوز القيود الأمنية، وغياب ضبط معدل الطلبات رغم وجود توثيق يذكر سقفاً معيناً، إضافة إلى إعدادات مشاركة بيانات بين المواقع مفتوحة على نطاق واسع، وملفات مخزّنة متاحة من دون قيود كافية، وقابلية التلاعب بعدادات المشاهدات، مع تدرج في الخطورة بين ثغرة عالية وعدد متوسط الخطورة وأخرى منخفضة، إلى جانب نقاط معلوماتية.
تمثّل المنصة اتجاهاً جديداً في سوق العمل، وتُظهر تحولاً مهماً في العلاقة بين القرار الرقمي والتنفيذ المادي. لكن المرحلة الراهنة تتطلب وعياً مضاعفاً، والحذر من ربط الحسابات ببيانات حساسة، وعدم التسرع في استخدامها قبل أن تصبح أكثر استقراراً.
بقلم علي عواد.