"الإيكونوميست" تسأل.. لماذا يشعر السعوديون بالضغوط المالية؟

ishraq

الاشراق

الاشراق | متابعة.

نشرت صحيفة "الإيكونوميست" البريطانية، امس الخميس، مقالاً تحدّثت فيه عن المعضلات الاقتصادية التي تواجه السعودية، والصعوبات التي تحول دون تطبيق "رؤية 2030".

فما هي هذه الصعوبات؟ ولماذا يشعر السعوديون بالضغوط رغم ازدهار الاقتصاد؟

فيما يلي النص منقولاً إلى العربية:
مع استمرار انخفاض أسعار النفط، لم يعد بإمكان السعودية تحمّل تكاليف مشاريع "رؤية 2030" الضخمة، فقد حسمت قوانين السوق الأمر، سواءً من الناحية العملية أو المالية.

وفي الشهر الماضي، أوقفت الرياض العمل في مشروع المكعب، كما توقف البناء إلى حد كبير في مشروع "الخط"، وهو مشروع طموح لمدينة خطية في الصحراء بتكلفة تتجاوز 500 مليار دولار.

ونُقلت دورة الألعاب الأولمبية الشتوية الآسيوية 2029 مؤخراً إلى كازاخستان، نظراً لعدم جاهزية منتجع التزلّج الذي يجري بناؤه في المملكة في الوقت المحدّد.

تعد السلطات الآن بتركيز أكبر على قطاعات محدّدة من الاقتصاد، ولا سيما السياحة والتصنيع والخدمات اللوجستية، وسيكون ذلك تحوّلاً مرحّباً به (وطال انتظاره) عن المشاريع الخيالية التي استنزفت رؤوس أموال هائلة.

لا تقتصر التحدّيات التي واجهتها "رؤية 2030" على المشاريع العملاقة فحسب، فالمخطّط يهدف إلى توجيه السعوديين بعيداً عن الوظائف الحكومية المريحة نحو القطاع الخاص، ما يعني غالباً دفعهم نحو وظائف متدنيّة الأجر كان يشغلها كوادر وافدة.

ويحرص ولي العهد محمد بن سلمان على نمو الرياض، الأمر الذي أدّى إلى ضغط على قطاعي الإسكان والخدمات في العاصمة، كما يسعى إلى استقطاب الكفاءات الأجنبية في مجالات التمويل والتكنولوجيا وغيرها، ما يضع مواطنيه في منافسة مع الأجانب.

وتُشكّل هذه التناقضات شرخاً في العقد الاجتماعي.

قلق بالغ حيال الوظائف والأجور والتضخّم
يشعر الناس بقلق بالغ حيال الوظائف والأجور، ففي بداية "رؤية 2030"، كان متوسط دخل العامل السعودي 10,045 ريالاً (2,679 دولاراً) شهرياً، أمّا بعد سبع سنوات، فارتفع متوسط الأجر إلى 11,197 ريالاً، بزيادة قدرها 11%.

وبلغ معدل التضخّم التراكمي خلال تلك السنوات ما يزيد قليلاً عن 17%، أي أنّ الأجور لم تواكب ارتفاع الأسعار. وقد لجأت بعض الأسر إلى زيادة دخلها.

ومن بين أهداف "رؤية 2030" تعزيز مشاركة المرأة في سوق العمل، وقد استجابت المرأة السعودية بحماس كبير، ففي عام 2016، لم تتجاوز نسبة النساء العاملات 19%، بينما ارتفعت هذه النسبة إلى أكثر من 34% بحلول عام 2025.

لا تزال النساء يتقاضين أجوراً أقلّ من نظرائهن من الرجال، وقد اتسعت فجوة الأجور، ويعود ذلك جزئياً إلى انخراط النساء بكثافة في وظائف الخدمات.

ومع ذلك، فقد ساهم ارتفاع معدلات توظيف النساء في زيادة دخل الأسر. فقد أظهر مسح أُجري عام 2018 أنّ متوسّط دخل الأسرة السعودية بلغ 14,823 ريالاً شهرياً، بينما ارتفع إلى 18056 ريالاً عام 2025.

رغم ذلك، فإنه كلما ازداد دخل الأسرة، ازدادت مدفوعاتها أيضاً.

وقرّر مجلس التعاون الخليجي، في عام 2015، فرض ضريبة قيمة مضافة موحّدة بنسبة 5%.

من جهتها، فرضت المملكة هذه الضريبة في عام 2018، ثمّ ضاعفتها 3 مرات خلال جائحة "كوفيد-19"، ظاهرياً كإجراء مؤقت لتعويض انخفاض الإيرادات في قطاعات أخرى، ولكنه لم يُلغَ.

كما خُفِّضت الإعانات على الكهرباء والوقود والمياه. ويُتوقّع من الناس العمل لفترات أطول أيضاً. بالنسبة للعاملين الشباب، رُفِع سن التقاعد من 58 إلى 65 عاماً.

تُشكّل الأسعار المرتفعة عبئاً خاصاً على السعوديين الذين انتقلوا إلى الرياض بحثاً عن فرص عمل.

قبل "رؤية 2030"، كانت جدّة العاصمة التجارية للمملكة، بفضل دورها كمركز تجاري وبوابة للحجّاج إلى مكة المكرّمة.

كما كانت المنطقة الشرقية، مركز النفط السعودي، نابضة بالحياة. أما الرياض، فكانت مركزاً هادئاً للحكومة وبعض الشركات الوطنية الرائدة.

لكنّ الوضع تغيّر الآن: إذ يضخّ ولي العهد مليارات الدولارات في العاصمة، مستثمراً في كلّ شيء من الحدائق والجامعات إلى الحيّ المالي ومطار عالمي المستوى. بالنسبة للشباب السعودي الباحث عن عمل، تُعدّ الرياض الوجهة الأمثل.

وأدّى تدفّق السعوديين والوافدين إلى ارتفاع أسعار المنازل بشكل كبير. فقد زادت الإيجارات في العاصمة بأكثر من 50% منذ عام 2020.

وفي العام الماضي، فرض ابن سلمان تجميداً للإيجارات في العاصمة لمدة 5 سنوات، في إشارة إلى الضغط المتزايد على ميزانيات الأسر.

ولعلّ ارتفاع التكاليف هو السبب في أنّ العديد من العائلات السعودية لم تعد تستأجر، إذ يمتلك نحو ثلثي العائلات منازلهم الآن (وهو هدف آخر من أهداف "رؤية 2030" التي تهدف إلى رفع نسبة التملّك إلى 70%).

لكنّ شراء العقارات في الرياض ليس رخيصاً أيضاً. فقد تضاعفت أسعار الشقق منذ عام 2020، لتتجاوز 6000 ريال للمتر المربّع، وفقاً لشركة "نايت فرانك" الاستشارية.

في المقابل، لم تشهد الأسعار في جدّة والشرق أيّ تغيير يُذكر.

أجور زهيدة للسعوديين مقابل أجور الوافدين
لعقود طويلة، كانت الدولة أكبر جهة توظيف للسعوديين، إذ كان يُنظر إلى الوظيفة الحكومية كحقّ مكتسب. ولم يكن موظفو الخدمة المدنية أثرياء، وكانت رواتبهم ومزاياهم تتذبذب تبعاً لسعر النفط، لكنهم كانوا يكسبون عيشاً كريماً، باستثناء الدبلوماسيين وعمال شركات النفط الذين كانوا يسكنون في مجمّعات سكنية معزولة، كان معظم الوافدين في المملكة من العمال ذوي الأجور المتدنيّة من أفريقيا وآسيا.

أمّا اليوم، فالوضع الاجتماعي مختلف تماماً. ينتقل الشباب إلى الرياض للعمل في وظائف خدمية متدنيّة الأجر في القطاع الخاص، ثم يشاهدون الوافدين وهم يحصلون على عقود عمل مجزية.

في كانون الثاني/يناير الماضي، افتتحت المملكة أوّل متجر لبيع المشروبات الكحولية، والذي كان مخصصاً حصراً للدبلوماسيين غير المسلمين الحاصلين على تراخيص من وزارة الخارجية.

وفي تشرين الثاني/نوفمبر، وسّعت المملكة نطاق البيع ليشمل المقيمين الأجانب ذوي الإقامة الطويلة أو الذين يتقاضون رواتب تزيد عن 50 ألف ريال شهرياً.

كانت هذه الخطوة غير المتوقّعة مؤشّراً إيجابياً على التحرّر الاجتماعي المستمر، كما أنها ذكّرت بالفجوة الهائلة في الأجور بين الأجانب والمواطنين، حيث يكاد لا يحلم المواطنون بكسب هذا القدر من المال.

يشعر الشباب بالإحباط من وظائف الخدمات غير المستقرة والمملة ذات الأجور الزهيدة التي لا تسمح لهم بتكوين أسرة.

وتشهد العاصمة ازدهاراً اقتصادياً كبيراً، لكنّ تكاليف المعيشة فيها باهظة، بينما تعاني المدن الأخرى من الركود. ويُعدّ التفاوت في الدخل مشكلة متفاقمة لحكّام المملكة.

قد تكون هذه الشكاوى جديدة على المملكة العربية السعودية، لكنها مألوفة تماماً لدى دول أخرى في مجموعة العشرين.

إنه إنجاز غريب لـ"رؤية 2030": ففي سعيها لتنويع الاقتصاد السعودي، أدخلت أنواعاً من المعضلات الموجودة في كلّ مكان آخر في العالم المتقدّم.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الاشراق وإنما تعبّر عن رأي الصحيفة حصراً

Copyright © 2017 Al Eshraq TV all rights reserved Created by AVESTA GROUP