الصين والعالم... من توازن القوى إلى الاعتماد المتبادل!

ishraq

الاشراق

الاشراق | متابعة.

الصين ليست أرضاً موهوبة، فعلى الرغم من أنها باتت اليوم "مصنع العالم"، إلا أنها تفتقر إلى الثروات (النفط والغاز والمعادن النفيسة).

انطلقت الصين من فكرة أنه لا توجد دولة غنية وأخرى فقيرة، فرأت في ثروتها البشرية مصدر قوة أحسنت توظيفها في تحقيق نهضتها العظيمة.

تعدّ الصين نوعاً خاصاً من القوى العظمى، فعلى خلاف غيرها من القوى العظمى اعتمدت الصين على نفسها (لم تستعمر دولة أخرى ولم تسرق ثروات أحد)، لذا علينا أن لا نتوقّع منها ما لن يأتي، بمعنى أنّ الصين ترى أنّ الشعوب هي المعنية ببناء مستقبل أوطانها. 

لا تزال الصين تصنّف نفسها "دولة نامية"، وتسعى لتكون قوة مهيمنة في محيطها الإقليمي. الولايات المتحدة تحاول منعها من ذلك، انطلاقاً من فكرة أنّ "أيّ دولة تسعى لتكون دولة عظمى يجب أن تكون قوة عظمى مهيمنة على محيطها الإقليمي أولاً". 

رؤية الصين للعالم أنه لم يعد مجرّد تجمّع لكيانات صلبة تسمّى "دولاً"، بل هو نتيجة لتفاعل مجتمعات تلك الدول بعضها مع بعض، لذا برزت دعوات من الدول والمجتمعات المهمّشة تنادي بالاعتراف بها وبحقوقها في النظام الدولي.

تسعى الصين وبالتنسيق مع روسيا وعدد من الدول الأخرى إلى صياغة "نظام دولي أكثر عدلاً"، يكون قادراً على استيعاب الجميع بدلاً من إقصاء الدول الضعيفة. 

"عالم الكبار" الذي تشكّل بعد الحرب العالمية الثانية لم يعد معبّراً عن توازنات القوى اليوم، وبالتالي لم يعد بمقدور القوى التقليدية التحكّم في مسار الأحداث كما كان في الماضي. 

فكرة "توازن القوى" القائمة على القوة العسكرية فقط لم تعد مقبولة، خاصة وأنّ التحدّيات المعاصرة (مثل التغيّر المناخي، الهجرة، الفقر، الأوبئة...إلخ)، لا يمكن حلّها بالقوة العسكرية، بل تتطلّب تضامناً دولياً وفهماً جديداً لمفهوم "السيادة"، فما يحدث في شمال الكرة الأرضية سيؤثّر حتماً على جنوبها وبقية العالم. 

الغرب لم يعد سيّد الموقف، والقرن الحالي سيكون حتماً قرناً آسيوياً وفقاً لأغلبية الآراء، والاعتراف بحقوق الدول والمجتمعات الضعيفة سيكون أهمّ ما يميّزه.

بعد حكم شي جين بينغ أصبحت الولايات المتحدة ترى في الصين "دولة معادية"، لأنّ الرئيس شي يسعى لجعل الصين تتبوأ مكانتها المناسبة على مستوى العالم.

الحلم الصيني مقابل الحلم الأميركي
فكرة "الحلم الصيني" صاغها الرئيس شي بعد وصوله إلى الحكم، وتمثّل رؤية شاملة للتحديث والنهضة الوطنية تهدف إلى تعزيز مكانة الصين داخلياً ودولياً، ورفع مستوى رفاهية مواطنيها.

تستند هذه الرؤية إلى مجموعة من الأهداف والمبادئ الاستراتيجية التي تترابط لتشكّل خريطة طريق للتنمية الوطنية المستدامة.

الأهداف الاستراتيجية:
- بناء اقتصاد قوي ومزدهر: يشمل ذلك تحقيق نمو مستدام قائم على الابتكار والتحديث الصناعي، تعزيز البنية التحتية التقنية، وتطوير قطاع الخدمات والاقتصاد الرقمي. على سبيل المثال، تشجيع البحث والتطوير في مجالات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا النظيفة لزيادة القيمة المضافة للإنتاج الوطني.

- تعزيز القدرة العسكرية والسياسية: يهدف إلى تحديث القوات المسلحة وتحسين قدرتها على الدفاع عن المصالح الوطنية، فضلاً عن توسيع النفوذ الدبلوماسي للصين عبر شراكات إقليمية وعالمية مبنية على المصالح المشتركة والقوانين الدولية.

- صون وتعزيز الهوية والثقافة الصينية: يشمل الحفاظ على التراث الثقافي وتعزيزه، ودعم الإنتاج الثقافي والتربوي الذي يعكس قيم وتاريخ الأمة، إضافة إلى تعزيز اللغة والفنون كوسائل لتقوية التماسك الاجتماعي.

- تحقيق الازدهار والرفاهية للشعب: يركّز على تحسين مستويات المعيشة من خلال سياسات اجتماعية شاملة تشمل التعليم، والرعاية الصحية، والحماية الاجتماعية، وتقليل الفوارق الإقليمية بين المناطق الحضرية والريفية.

المبادئ التوجيهية:
- أولوية التنمية الاقتصادية: تعتبر التنمية المستدامة والمحكمة أساساً لتحقيق الأهداف الوطنية، مع اعتماد سياسات صناعية ومالية تدعم الابتكار والتنافسية.

- تعزيز القومية المسؤولة: تتخذ القومية إطاراً لتعزيز الانتماء الوطني والتضامن الاجتماعي، مع السعي لتحقيق مصالح الأمة ضمن منظومة العلاقات الدولية القائمة على الاحترام المتبادل.

- الحفاظ على الاستقرار السياسي والاجتماعي: يعدّ الاستقرار شرطاً أساسياً للتنمية طويلة الأمد؛ ولذلك تشتمل السياسات على إدارة فعّالة للتغيير الاجتماعي، وتعزيز حكم القانون، وضمان سياسات اجتماعية تقلّل من عوامل عدم الاستقرار.

فالحلم الصيني يشكّل رؤية متكاملة تجمع بين التنمية الاقتصادية، والقوة الوطنية المتزايدة، والحفاظ على الهوية الثقافية، والارتقاء بمستوى معيشة المواطنين. تنفّذ هذه الرؤية عبر سياسات عملية توازن بين الحداثة والحفاظ على الخصوصية الوطنية، وتستلزم تعاوناً بين الدولة والقطاع الخاصّ والمجتمع المدني لضمان تحقيق نهضة شاملة ومستدامة.

الفرق بين "الحلم الصيني" و"الحلم الأميركي"
التركيز والأهداف: يركّز الحلم الصيني أساساً على تحقيق التنمية الاقتصادية وتعزيز القوة الوطنية والاستقرار الاجتماعي باعتباره أساساً لرفاهية المجتمع ومكانة الدولة على الساحة الدولية.

يتجلّى ذلك في سياسات التنمية طويلة الأمد، والاستثمارات الكبرى في البنية التحتية والابتكار التكنولوجي، والسعي إلى رفع مستوى المعيشة الجماعي.

بالمقابل، يركّز الحلم الأميركي على تأمين حرية الفرد وإتاحة الفرص الفردية والعدالة القانونية كمحاور رئيسية لتحقيق الرفاه الشخصي والارتقاء الاجتماعي؛ وهو ما يترجم عملياً في تشجيع المبادرة الفردية، وحماية الحريات المدنية، وتسهيل إمكانية التنقّل الاجتماعي من خلال التعليم وسوق العمل.

القيم والمبادئ: يعتنق الحلم الصيني قيمتين محوريتين هما القومية والتنمية المشتركة، حيث تُقدّم المصلحة الوطنية والتقدّم الجماعي كإطار مرجعي لتحقيق الطموحات الفردية داخل حدود المصلحة العامّة. أمثلة على ذلك برامج الحدّ من الفقر على نطاق واسع، والسياسات التي تبرز دور الدولة في توجيه النمو الاقتصادي. أما الحلم الأميركي فيهتمّ بقيم مثل الحقوق الفردية، والمساواة أمام القانون، والالتزام بالمبادئ الليبرالية الكلاسيكية؛ ما يؤدّي إلى تركيز أكبر على حماية الحريات الشخصية وإتاحة المسارات الفردية للنجاح، كما يظهر في مناقشات حول حرية التعبير وحقوق الملكية وفرص ريادة الأعمال.

الإطار السياسي والمؤسسي: يقوم الحلم الصيني ضمن سياق نظام سياسي مركزي يولي الدولة دوراً قيادياً في التخطيط والتنفيذ الاقتصادي والاجتماعي، مما يسمح بتنسيق موارد ضخمة لتحقيق أهداف استراتيجية طويلة الأمد. في المقابل، يرتبط الحلم الأميركي بنموذج ديمقراطي متعدد الأحزاب يفترض توازناً بين السلطات وفصائل متنوعة من المجتمع المدني والقطاع الخاص، حيث تُعدّ المؤسسات القانونية والأسواق المفتوحة أدوات أساسية لإتاحة الفرص الفردية وضبط السلطة.

فالحلم الصيني يتمحور حول تطوير الدولة والمجتمع ككلّ عبر توجيه مركزي للتنمية وتعزيز القومية والتنمية المشتركة، بينما يضع الحلم الأميركي الحرية والفرص الفردية والعدالة القانونية في مركز الاهتمام. 

هل يكون القرن الحادي والعشرين قرناً آسيوياً؟
مؤشرات متعدّدة تعكس تغيّراً هيكلياً في توازن القوة الاقتصادية والتكنولوجية والديموغرافية على المستوى العالمي. تحليل هذه المؤشرات ينبغي أن يأخذ بعين الاعتبار الديناميات قصيرة ومتوسطة وطويلة الأجل، فضلاً عن التفاوت داخل القارة ذاتها.

أولاً، صعود الصين يمثّل عاملاً محورياً. فقد تحوّلت الصين خلال عقود قليلة من اقتصاد زراعي معزول إلى قوة صناعية وخدمية تهيمن على سلاسل القيمة العالمية في العديد من القطاعات، بما في ذلك التصنيع الدقيق والطاقة المتجدّدة والبنية التحتية. استمرار النمو الصيني، حتى وإن تذبذب معدّله، يعزّز النفوذ الاقتصادي الآسيوي من خلال الاستثمارات الخارجية.

ثانياً، نمو الهند يكمل المشهد الإقليمي. تشهد الهند نمواً اقتصادياً سريعاً مدفوعاً بإصلاحات هيكلية، توسّع في قطاع الخدمات، وارتفاع في معدلات الابتكار وريادة الأعمال الرقمية. مع قاعدة سكانية شابة وتزايد حجم الطبقة المتوسطة، تمتلك الهند القدرة على أن تصبح قوة اقتصادية وسياسية كبرى، خصوصاً إذا تمّت معالجة تحدّيات البنية التحتية والتعليم والتشغيل.

ثالثاً، التكامل الاقتصادي الآسيوي يتعزّز عبر اتفاقيات تجارة حرّة متعدّدة الأطراف، وشبكات إقليمية للاستثمارات وسلاسل التوريد، والشراكات الاقتصادية الإقليمية الشاملة التي تسهّل حركة السلع ورأس المال والعمالة الماهرة، ما يزيد من قدرة الدول الآسيوية على التنافس دولياً ويخفض التعرّض للصدمات الاقتصادية الخارجية.

رابعاً، التقدّم التكنولوجي في آسيا يحقّق مزايا تنافسية ملموسة. أصبحت مراكز مثل وادي السيليكون الآسيوي، وشبكات الشركات الناشئة في شرق وجنوب شرق آسيا، ومراكز البحث والتطوير في الصين والهند وكوريا واليابان، مصادر رئيسية للابتكار في مجالات الذكاء الاصطناعي والروبوتات وشبكات الاتصالات. هذا التقدّم يدعم زيادة الإنتاجية، ويخلق صناعات جديدة، ويعزّز القدرات الدفاعية والسياسات الصناعية للدول الآسيوية.

خامساً، البعد الديموغرافي يعدّ مورداً استراتيجياً. تمثّل آسيا نحو 60% من سكان العالم، مع تفاوتات مهمة بين الدول من حيث التركيب العمري ومعدلات الخصوبة والهجرة. توفّر هذه الكتلة السكانية قوة عاملة واسعة وسوقاً استهلاكياً هائلاً يمكن أن يقود النمو المستدام إذا رافقته سياسات استثمارية فعّالة في التعليم والصحة والتدريب المهني.

ومع ذلك، تواجه آسيا مجموعة من التحدّيات البنيوية والسياسية والاقتصادية التي تؤثّر على مسار تطوّرها نحو موقع قوة عالمية. 

أولاً، تتسم المنافسة بين الدول الآسيوية مثل الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية ودول جنوب شرق آسيا بأبعاد متعددة تشمل النفوذ الاقتصادي والتكنولوجي والعسكري، ما يخلق ديناميكيات إقليمية معقّدة تتطلّب إدارة دقيقة لتجنّب تصاعد الاحتكاكات. 

ثانياً، تبرز التوترات الجيوسياسية بين بعض الدول الآسيوية، على سبيل المثال الخلافات الحدّية والدور المتداخل للصين والهند، وكذلك التنافس الاستراتيجي بين الصين واليابان، كلّ هذه التوترات تؤثّر سلباً على الاستقرار الإقليمي وسلاسل الإمداد والتعاون الأمني. 

ثالثاً، تواجه دول المنطقة تحدّيات اقتصادية عالمية؛ فالتقلّبات في الأسعار العالمية، اضطرابات سلاسل التوريد، وسياسات التجارة والتمويل الدولية قد تعرقل معدلات النمو وتزيد من هشاشة الاقتصادات الناشئة في آسيا.

للاستفادة الكاملة من إمكاناتها وتحويلها إلى قوة عالمية مستدامة، تحتاج آسيا إلى تعزيز أطر التعاون والتكامل الإقليمي. ويشمل ذلك دعم المؤسسات متعدّدة الأطراف الإقليمية، توسيع الاتفاقيات التجارية والاقتصادية المتكاملة، الاستثمار في البنية التحتية العابرة للحدود وارتقاء رأس المال البشري من خلال التعليم والتدريب المهني، فضلاً عن آليات فعّالة لحلّ النزاعات وبناء الثقة بين الدول. 

مثل هذه السياسات من شأنها تقليل المخاطر المرتبطة بالمنافسة والتوترات الجيوسياسية، وتعزيز القدرة على التكيّف مع الصدمات الاقتصادية العالمية، وبالتالي تسريع مسار آسيا نحو دور قيادي ومؤثّر على الساحة الدولية.

شاهر الشاهر - أستاذ الدراسات الدولية في جامعة صن يات سين- الصين.

إن الآراء المذكورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الاشراق وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً

Copyright © 2017 Al Eshraq TV all rights reserved Created by AVESTA GROUP