«بلايندبوي» مفكّكاً مجنون البيت الأبيض: المصارعة الحرّة مُلهمة ترامب!

ishraq

الاشراق

الاشراق | متابعة.

يرى «بلايند بوي» السياسة الأميركية كعرض مصارعة حرّة تحكمه قواعد «الكايفيب»: اتفاق ضمني على تصديق المشهد رغم معرفة المتلقّي بأنّه مفبرك. بهذا المفتاح، يفكك ترامب كمؤدٍّ يصنع أعداءً وانتصارات رمزية ويطلب انخراطاً عاطفياً لا حقيقة. ويستند تحليله إلى صلات ترامب بـWWE وظهوره في عروضها


يُعدّ الإيرلندي دايف شامبرز الملقب بـBlindboy أحد أكثر الأصوات الثقافية تفرّداً وتأثيراً في مشهد الثقافة المضادة حالياً.
على النقيض من نموذج «الناشط» (activist) الذي أفرزته مؤسسات الـ«إن. جي. أوز»؛ ذاك النموذج الذي يغزو الفضاء الافتراضي والمجال العام بخطاب «أخلاقوي» جاهز ووصفات سياسية (بيضاء) مستوردة، يشق «بلايند بوي» مساراً متمرداً، وديكولونياليّاً، وتفكيكيّاً.

الثقافة عنده مجال للصراع الفكري وممارسة نقدية تعيد مساءلة اللغة، والذات، والسلطة. موقعه هذا يضعه فكرياً وجمالياً على تماس مباشر مع من اعتدنا على تسميتهم بـ«الأفان-غارد»، من حيث إنّ الوظيفة التاريخية للطليعة لهي الإرباك والتشويش. «بلايند بوي» شخصية يصعب حصرها في قالبٍ واحد، إذ يجمع بين الفن والموسيقى والأدب والتفكير النقدي.

البدايات
في البدء، ظهر هذا الشاب، وتكوّنت شهرته، حين أسس برفقة زميله بوب مغلين الملقب بـ«مستر كروم» فرقة هيب هوب حملت اسم The Rubberbandits وعُرفت بطابعها الساخر، والسريالي والغرائبي. اعتاد الصديقان إخفاء وجهيهما بأكياس بلاستيكية باعتبارها أقنعة، وقد بدا هذا الظهور الشكلي جزءاً من موجة فنية أقرّا بها، ونظّرا لها، واعتبراها امتداداً لمدارس فنية مثل الدادائية والفلوكسوس.

حضرت في أسلوبهما السخرية، والعبث، والسريالية بوصفها أدوات تكشف التناقضات الاجتماعية، وقوام البنى السائدة التي تنتج المعنى والامتثال. يُختصر مشروعهما بأنه محاولة لتقويض مفهوم «الأداء» (performance) وإعادته إلى وظيفته الأصلية في كونه صانعاً للصدمة ومحفزاً على التفكير؛ أي في وضع الأداء في مواجهة مباشرة مع الاستعراض لأنه فعلُ مقاومةٍ ضد الفرجة.

كان إصرار «بلايند بوي» و«مستر كروم» على تعريف نفسيهما ببصفتهما فنانين لا كوميديين رغم اشتغالهما الواضح والأساسي على السخرية واللعب على الكلام واللهو بهدف وضع الجمهور أمام مفارقاته الخاصة، واستكمال مشروعهما الهادف إلى إعادة الاعتبار للعمل الفني باعتباره تجربةً نقدية تمارس لا سلعة قابلة للهضم والاستهلاك.

الثابت والمتحوّل عند «بلايند بوي»
توقفت The Rubberbandits عام 2020 بعد عشرين عاماً من تأسيسها. سلك كل واحد منهما طريقه الخاص من دون أن يغيّر أي منهما وجهه. لا يزال «بلايند بوي» يضع قناعه البلاستيكيّ، الشبيه بذلك الذي اعتاد لاعب المصارعة الحرة «راي ميستيريو» الظهور به، متمسكاً بالرهان على ممارسة الأداء بوصفه موقفاً، وكنزاً دلالياً مفتوحاً على التأويل. ومسار «بلايند بوي» اليوم لا يختلف كثيراً عن مساره كفنان، استخدم، برفقة صديقه «مستر كروم»، الهيب هوب كوسيط ثقافي لتقديم نقد مقذع للبنى الاجتماعية، وللسخرية من الذكورية السامّة ومن الطبقية والخواء الثقافي. غير أن اشتغاله انتقل في مرحلته الحالية إلى حيّز السرد والتأمل عوضاً عن التعبير وكتابة الأغنية. ليس ثمة قطيعة بقدر ما هناك إعادة تدوير للممارسة الفنية.

«بلايند بوي» مقدماً لـBlindboy podcast
يقدّم «بلايند بوي» بودكاست يحمل اسم Blindboy podcast. هنا يطغى الصوت الهادئ، ويحلّ أداء أقلّ حدّة من ذاك الذي اتسمت به فرقة The Rubberbandits. هنا نجد خطاباً حميمياً مشغولاً بالصحة النفسية والتاريخ والسياسة، والذات. تتمثل وظيفة هذا المناخ الفكري في منح المستمع الثقة، وتقديم التحليل بوصفه أداة نشر الفهم.

يشقّ «بلايند بوي» مساراً متمرداً على الخطاب «الأخلاقوي» الجاهز والوصفات السياسية البيضاء

«بلايند بوي» يشدد على أنه يشارك المستمع التفكير، أو كما يقول التفكير بصوت عالٍ، مروّجاً لقيم مثل التعاطف، والصدق في التعاطي، ومناهضة الاستعمار بأسلوب تشاركيّ لا بالوعظ (مثل نموذج الناشط). البودكاست، يصبّ، في جوهره ضمن ذلك الخط الإيرلندي العريق في مقاومة السلطة، و«بلايند بوي» يقارع الثقافة المعاصرة الغارقة بالفرجة والاستعراض، والخاضعة لعولمة تفرِّغ المعنى وتفرض «معيارية» المهيمن.

في Blindboy podcast، نحن إزاء مشهد ثقافيّ معاصر، تتصدره شخصية ديكولونيالية وتفكيكيّة كما أسلفنا، وتتجلّى فيه النظرية النقدية وإرث طويل من الأدبيات الما بعد حداثية التي تبدأ بمساءلة الذاكرة الاستعمارية، وتمرّ بنقد الوعي المسلوب رأسمالياً، ولا تنتهي بالشكّ بالذات باعتبارها بناءً تصوغه اللغة والسلطة والتاريخ.

«بلايند بوي» ضيفاً في بودكاست «نوفارا ميديا»
حلّ «بلايند بوي» هذه المرة ضيفاً على بودكاست «نوفارا ميديا»، وهو بودكاست يساريّ النزعة، يروم النقد الإعلامي والثقافي، كفضح وادي السيليكون، وزعزعة صورة الذكاء الاصطناعي ومساءلة ثقافة التقنية كإيديولوجيا معاصرة تسرّع الأبوكاليبس.
تطرق «بلايند بوي» في حديثه مع المقدّمة إلى مسائل عدة، مثل فرقة kneecap، وموسيقى «التكنو» والذكورية السامة، وغيرها من المواضيع السياسية. وفي سياق الحديث، قدّم «بلايند بوي» قراءته للسياسة الأميركية، ولا سيما لشخصية دونالد ترامب بمقاربةٍ تذكّرنا بقراءة رولان بارت للمصارعة الحرة في كتابه «أسطوريات» بيد أنها قراءة أكثر تسييساً.

«بلايند بوي» ومفهوم «كايفيب» (kayfabe)
استعار «بلايند بوي» مفهوم «الكايفيب» من عالم المصارعة الحرّة لتفكيك ديناميكيات السياسة الأميركية المعاصرة لا سيما مع حكم دونالد ترامب. «الكايفِيب» هو اتفاقٌ ضمني معقود بين المؤدّي والجمهور ينصّ على التعامل مع العرض/ المشهد كحقيقة رغم الوعي التام بطبيعته المفبركة والمُخرَجة سلفاً.

يقدّم هذا المفهوم مفتاحاً لـ«بلايند بوي» لفهم السياسة الأميركية كمسرح تمثيل وأداء لصناعة مشهد مركب. هكذا، لا يظهر ترامب كرجل دولة بالمعنى الكلاسيكي، إنّما كمؤدٍّ يتقن قواعد الفرجة: هو شخصية صاخبة ومبالغ فيها، لديه أعداء يتعامل معهم مثلما نقرأ في السرد.

خطابه يقوم على الاستفزاز لا على الإقناع، وجلّ صراعاته تُدار بوصفها مشاهد ذات انتصارات وخسارات رمزية. الحال نفسها في المصارعة، حين يكون هناك سيناريو مكتوب ويتحرك «البطل» داخل مداراته.

لا يزال «بلايند بوي» يضع قناعه البلاستيكيّ، الشبيه بذلك الذي اعتاد لاعب المصارعة الحرة «راي ميستيريو» الظهور به

"لا يزال «بلايند بوي» يضع قناعه البلاستيكيّ، الشبيه بذلك الذي اعتاد لاعب المصارعة الحرة «راي ميستيريو» الظهور به"

 وعلى النحو نفسه من المصارعة الحرة، لا تطلب الحقيقة من ترامب بقدر ما يُطلب الانخراط العاطفي؛ فالجمهور يعرف زيف العرض، ومع ذلك يشارك فيه. تقدّم أميركا سردية حول العالم حيث تخبرنا عن شكله وعن طبيعته، من هو الصالح ومن هو الشرير، وتعيد، كما تفعل المصارعة الحرة، سرد العالم كما يجول في خيالها. و«بلايند بوي»، العارف بالكوميديا وبصناعة الضحك، يربط فاشية ترامب بالسخرية المتعمدة التي يمارسها الأخير. فهو يعرّف الوقار على أنه شكل تأدية الجديّة، والممارس غالباً في الفضاءات السياسية.

حين تدخل الفكاهة إلى هذا الفضاء يحدث اختلال؛ فلا نعود أمام ظاهرة مضحكة، إنّما شكل من أشكال العبث المنحرف. «عندما نشر البيت الأبيض فيديو للفينزويليين الذين جرى ترحيلهم قسراً من أميركا يستهزئ بهم، ويستخدم مؤثرات للإمعان في إذلالهم، فهذه فاشية قائمة على الضحك» يقول.

يضرب «بلايند بوي» هذا المثل ليفضح «نيّة» التواطؤ؛ أي ما أراد البيت الأبيض أن يكون تواطؤاً بينه وبين المُشاهد، أو بمصطلح أكثر تكثيفاً، يفضح «بلايند بوي» كيف يشتغل «الكايفيب»: رؤية فينزويليين يتعرضون للذلّ غير مضحكة، إلا أنها تقدّم على أنها كذلك، بل يُطلب منا فهمها والتعاطي معها على أنها كذلك. هكذا، يتم التطبيع مع مشهد الذلّ، فلا يغدو الموضوع مقبولاً فحسب، إنما ترفيهياً، ويتم إشراكنا في إهانة هؤلاء الفينزويليين وخدش كرامتهم عبر ضحكاتنا بدلاً من أن نكون شهوداً على هذا الانحراف.

دونالد ترامب كمصارع في WWE
يندرج تحليل «بلايند بوي» ضمن مساره (خطابه) النقديّ العام، القائم على مساءلة هيمنة الأداء على حساب المعنى. مثلما يقاوم في ممارسته الفنية اختزال الفن إلى استعراض، فهو يقاوم اختزال السياسة إلى عرض ترفيهي يدار بمنطق الفرجة.
المصارعة الحرة إذن ليست استعارة عابرة، بل نموذج كاشف لثقافة معاصرة تغلِّب الاستعراض وتعيد إنتاج السلطة عبر الانفعال والمشهد لا عبر المعنى.

يُذكر أن دونالد ترامب يعدّ من الأصدقاء المقربين لفينس ماكمان، رئيس اتحاد المصارعة الحرة (WWE). كما إنّ زوجته ليندا مكمان تشغل منصب وزيرة التعليم في عهده. ووجب التذكير أيضاً بأنّ ترامب شارك سابقاً في أحد عروض المصارعة الحرة، إلى جانب حضوره في أفلامٍ سينمائية مثل Home Alone وبرامج تلفزيون الواقع. ويرى العارفون في السياسة الأميركية أنه لم يكن ليكون على ما هو عليه لولا هذا الرصيد الأدائي القائم على تأدية الأدوار واستدعاء التواطؤ الجماهيري.

بقلم بول مخلوف

Copyright © 2017 Al Eshraq TV all rights reserved Created by AVESTA GROUP