«الحياة الشعرية».. كتاب جديد لهاشم شفيق عن تجارب الشعر وتحولاته

ishraq

الاشراق

الاشراق | متابعة.

صدر في بغداد عن «الاتحاد العام للأدباء والكتاب العراقيين» كتاب جديد للشاعر العراقي هاشم شفيق تحت عنوان «الحياة الشعرية «، وهو عبارة عن مجموعة من التأملات والأفكار والرؤى، حول التجارب الشعرية للشعراء كما أنه يعكس في مجمله التطورات والتحولات الجديدة والقديمة للشعر العربي في حزمة من الشذرات النقدية. هنا جزء من مقدمة الكتاب متبوعة بفقرات مما ورد فيه:
تكاد تشكل علاقتي بالشعر حياتي كلها، فمنذ اليفاع والبكوريات الأولى، وجدت أني أقرزم الشعر، وأقرضه وأدبج أغنيات بسيطة، كانت تقترب من القصيدة المحكية لبساطتها، وسهولة حفظها، والدندنة بها وترديدها بيني وبين نفسي، أو أمام أهلي وبعض أصدقاء طفولتي.
ومن هنا وجدت أن الشعر يشبه الحياة البسيطة، يشبه الأغنية، ويشبه حكايات الجارة، ودرويش المحلة، ولذا كانت تلك التآليف الممزوجة بالإيقاعات، والتموّجات النغمية، قريبة في منحاها إلى حس الحُداة، والمنشدين البداة، والقوّالين العفويّين، وشعراء السليقة، وهي قد لا تبتعد كذلك عن حس الخطيب المنتدب للمناسبات الدينية، وهو يجوِّد الكلام ويصقله، بصوته الأبح، الذي جرشته الأدعية المغناة والتسابيح الدنيوية. لكوني عشت في بيئة ترتادها المناسبات الدينية كثيراً، وتشغل نصف حياتها، بين الترانيم، والتهاليل، والتبجيل، اليومي للسلالات الدينية.
من هنا بدا نسيج القصيدة لديّ وهي في بداياتها، شبيهاً بقطعة مرقّعة بالنشيد، والدعاء، والتهليل، والإهزوجة، والموّال، وصولاً إلى الأغنية العادية، حتى تم لي بعد حين، وأنا أخوض غمار التجارب والقراءات الشعرية، الوصول إلى القصيدة الحديثة، وفيما بعد القصيدة الجديدة، وهي تتقدم نحو الأجد والأكثر حداثة. ولمّا وجدتني قد تقلبت بين نغمات ونبرات وتواترات عديدة، دخلت وأنا في مطلع العشرين، إلى مهام القصيدة التي ينبغي أن تكتمل أركانها، صياغة وصقلاً وترميماً وصنيعاً، من ناحية التطعيم العروضي والبناء النغمي والموسيقي، طبعاً بعد أن تمّ التدبير اللغوي، والإبحار في شواطئه المائجة بالتيارات اللفظية، وكذلك كان يستوجب على المبتدئ في تلك المرحلة الفنية والإبداعية، أن يُنوّع في المصادر الشعرية، بدءاً بتقليب الصفحات الكلاسيكية، وصولاً إلى حسن الصنيع في الكتابة الكلاسيكية ذاتها، بغية تشييد المبنى الهندسي للغة، والجنوح نحو ريّ المفردات الناشفة والمنسية، وسقاية الكلمات المتعطشة للبريق، وكذلك تمتين الأسس بالإيقاع الميلودي، الميال باتجاه الشدو، إلى حيث التغييب في أفق شبه صوفي، يتدبّره المغزى، والتموّج النغمي، والذوبان في تدابير الخيال، لمأسسة المجاز، وتعمير الاستعارة، ثم التحليق في المجاهل غير المأهولة، لاجتراح آفاق وفضاءات حسية، وتبشيرية عامرة بالرؤى المخترعة، تلك التي تتماشى مع مناخ القصيدة الجديدة، والشعر المطروح، والمقروء والمُنشد من قبل قائله، بصوت جهير، أو دافئ تتخلله الرخامة، والتغريد الصوتي، الساعي إلى تسلسل الهاجس الغنائي، في الصنيع الشعري، ذاك الذي ينتظره المتلقي بلهفة وتوق وحب، غاية في الوصول إلى سطوة الترنّم، والدندنة والتوهان في عالم الصور، وغابات المعاني، ومن ثم الجنوح صوب المتخيَّل الذي، سيعيشه المتلقّي والمترقّب والسامع.
في ضوء كل ما تقدم من أفكار، كان النقد يُملي على القادم الجديد إلى عالم الشعر، أن يتلقى التعاليم الأولية، لكيما يصل إلى بناء عالمه هو، بعيداً عن العوالم الأخرى، وحين اكتمل النصاب الابتدائي، الإبداعي، كان النقد يقول بوجوب وجود الموهبة، فتلك هي التي ستساعد في الوصول إلى عالم الحلم والطيران، وغزو الأبعاد غير المكتشفة في الشعر، لكي يتحقّق للوافد الجديد تميّزه، وتفرّده، وخصوصيته الشعرية، بعيداً عن الكثيرين ممن خاضوا غمار الشعر، فهناك من كانوا مكتشفين طرقهم، وأساليبهم، وأشكالهم، وقد أظهروا حسن الصنيع، عبر إمكانياتهم الفنية والجمالية والإبداعية، وهناك من ظلوا عالقين في منتصف الطريق، أو هناك من انسحبوا في بداية المشوار، ولم يكمّلوا، تاركين المَهمّة للمبدع القدير الذي، بوسعه أن يُعبّد الطريق ويواصل.
ومن أجواء الكتاب الجديد:
كلما كانت اللغة الشعرية واضحة
غدت أكثر عمقاً.
***
الشِّعر الذهني يخصّ شاعره وحده.
***
الشعر التجريدي شعر مجرّد
من الآخر.
***
التكثيف الشعري
جمال مصقول
مثل امرأة متكاملة.
***
الرقّة في الشعر
هي شريط شَعر فتاة
مربوط بإحكام.
***
زمن الشِّعر بدأ
عندما ذهب أنكيدو
يبحث عن جلجامش.
***
الشِّعر يَرفض دائماً
ويُرفض غالباً.
***
قرّاء الشّعر الحقيقيون
هم الأطفال الكبار.
***
الفلسفة تزور الشعر أحياناً
كونه جيرانها.
***
المعرفة تغسل المفردات الشعرية
وتنقّيها من الشوائب.
***
اللغة منزل الشعراء
والمفردات نوافذه.
***
في حجر الفلاسفة
ثمة قصيدة مجهولة.
***
الفيلسوف أخطأ طريقه
كان في الحقيقة ماضياً
في سبيله إلى الشّعر.
***
في باطن كل فيلسوف
شاعر غريق.
***
الفلسفة هي الشّعر مقلوباً.
***
لولا الشّعر
لما كانت الفلسفة.
***
لا كمال في الشعّر
النقص دائماً هو حليف القصيدة.
***
الكمال في الشّعر
يعني نهايته.
***
الملء يعني الشبع،
والقصيدة الملآنة،
سرعان ما يظهر عليها الترهّل.
***
الشاعر الشفّاف
هو من يسعى إلى القصيدة الرشيقة.
***
الوعورة اللغوية داء الشّعر،
والشفافية هي معشوقته الأثيرة.

Copyright © 2017 Al Eshraq TV all rights reserved Created by AVESTA GROUP