07/01/2026
دولي 25 قراءة
نتائج "طوفان الأقصى" .. الدور المصري يعود إلى أفريقيا!

الاشراق
الاشراق | متابعة.
في سنة 600 ق.م وبالتحديد في عهد الملك نخاو الثاني (610-595)، قام الملك المصري بتكليف بحّارة فينيقيين بالدوران حول أفريقيا، وهي الرحلة التي استغرقت بالفعل ثلاث سنوات، حيث انطلقت من البحر الأريتري (الأحمر) ووصلت إلى أعمدة هرقل (جبل طارق) ومن ثم عادت إلى مصر، وقدّم بعدها الرحالة الفينيقيون تقريراً شاملاً للملك المصري حول كل ما رأوه، والمعلومات التي حصلوا عليها بخصوص الاحتياجات الأفريقية من السلع المصرية، وما تمتلكه هذه الممالك من سلع يمكن أن تفيد مصر.
لم تكن هذه الرحلة الاستكشافية هي الأولى بالنسبة إلى مصر، فقد بدأت الرحلات الاستكشافية منذ عهد الدولة القديمة، ولا سيما في عهد الأسرة السادسة التي شهدت قيام حرخوف حاكم إقليم إلفنتين (أسوان حالياً)، برحلته الشهيرة التي وصلت إلى بلاد يام يبدو أن المقصود منها هو وسط أفريقيا. تواصلت بعدها رحلات المصريين إلى أفريقيا ومن بينها بلاد بونت (يعتقد أنها الصومال)، وكانت البداية في عهد الدولة الوسطى، ولكن العلاقات بين الطرفين كانت أقوى، خصوصاً في عهد الملكة حتشبسوت.
إذاً، الاهتمام والدور المصري في أفريقيا يمثل سياسة ثابتة للدولة المرتبطة بالنيل، والممتد بدوره إلى داخل القارة السمراء، كما أن الارتباط بالبحر الأحمر أدى إلى علاقات خاصة جداً مع الشرق الأفريقي وجنوب الجزيرة العربية (اليمن)، والأمر هنا لا يعدّ رفاهية لملك أو حاكم وإنما مرتبط بالأمن القومي المصري المحدد بوضوح منذ آلاف السنين، ولا مجال لتغييره. وهو ما فهمه كل الحكام الذين مروا على مصر قديماً وحديثاً، بمن فيهم محمد علي باشا وحفيده الخديوي إسماعيل، وأخيراً الزعيم جمال عبد الناصر.
لقد شهد هذا الدور المصري الطبيعي في أفريقيا انتكاسة واضحة في عهد كل من الرئيسين أنور السادات وحسني مبارك، وكان شعار مصر أولاً الذي رفعه السادات ومحاولة إبراز الوجه الفرعوني لمصر على حساب وجهها العربي والإسلامي مبرراً ثقافياً للانسحاب المصري من القضايا العربية والأفريقية والإسلامية، وحتى قضايا العالم الثالث التي تشكلت بموجبها القيادة التاريخية لمصر في عهد الزعيم الراحل جمال عبد الناصر، الأمر الذي سمح لقوى أخرى بمحاولة ميراث هذا الدور في أفريقيا والعبث بالأمن المصري، وبرز في هذا الشأن الكيان الصهيوني (لا سيما في مناطق حوض النيل)، والدور السعودي وأخيراً الدور الإماراتي، ولم يفق المسؤولون في مصر إلا وقد بلغ التهديد محيطهم وأمنهم القومي المباشر.
وعلى سبيل المثال: فإن الدور الأثيوبي والصهيوني كان له يد في إيقاف مشروع قناة جونقلي وهي قناة مائية مقترحة في جنوب السودان (كانت جزءاً من السودان قبل الانفصال). وكانت ستوفر لمصر ما لا يقل عن 3 مليار متر مكعب إضافية من المياه، لكن اندلاع الحرب الأهلية السودانية الثانية، وتعرض عمال المشروع للهجمات من قبل الجيش الشعبي لتحرير السودان المدعوم من إثيوبيا والكيان الصهيوني، أدى إلى إيقافه نهائياً سنة 1984. ولم يقتصر الأمر على منابع النيل فقط وإنما امتد ليشمل محاولات تقسيم السودان وليبيا لإثارة الفوضى على الحدود المصرية، الأمر الذي أجبرهم مؤخراً على ضرورة العودة مرة أخرى للعب دورهم التاريخي.
ما الذي دعم عودة الدور المصري النشط إلى أفريقيا مرة أخرى؟
بالرغم من الانتقادات الموجهة للمواقف المصرية الرسمية والتي عدّت أقل كثيراً من إمكانيات مصر وطبيعة دورها التاريخي، لكن من الضروري الاعتراف أن الدور المصري في أفريقيا حالياً أصبح أكثر نشاطاً وفاعلية، وتمكن من استغلال الانكفاء الصهيوني وتراجع الدورين السعودي والإماراتي، ورغبة الأميركيين في تهدئة الأوضاع تماماً تحسباً لأي صراع محتمل (اقتصادي أو عسكري عبر حلفاء) مع الصين.
وبالتالي، فإن رد الاعتبار إلى قناة السويس في مؤتمر شرم الشيخ، بحيث أصبحت ملتقى ممرات التجارة سواء الممر الصيني أو الهندي، كان نتيجة لعملية "طوفان الأقصى"، وأبرز حقيقة أنه لا مجال لتجاهل مصر في العالم العربي أو أفريقيا، إذ إن هذا الدور الذي يدعم الاستقرار كقاعدة حركة يعدّ مقبولاً من كل الأطراف الأخرى ومطلوباً بالنسبة إلى الشعبين العربي والأفريقي.
من الواضح أن هناك توجهاً مصرياً مهماً نحو أفريقيا، وخلال الفترة الماضية، قامت مصر بعدد من المشروعات في أفريقيا وخصوصاً في جنوب السودان، حيث قامت بإنشاء 20 محطة مياه شرب جوفية مزودة بالطاقة الشمسية في جوبا والمناطق الريفية، بهدف توفير مياه شرب نظيفة لنحو 500 ألف نسمة في المناطق البعيدة عن المجاري المائية، وإعداد دراسات الجدوى الفنية والاقتصادية لمشروع سد واو المتعدد الأغراض على نهر سيوى لتوليد الكهرباء (10.40 ميجاوات). تأهيل محطات قياس المناسيب والتصرفات في ملكال وجوبا وواو ونيمولي، واستئناف التشغيل المشترك لها لجمع البيانات اللازمة لإدارة حوض النيل والحماية من الفيضانات. ومشروع تطهير المجاري المائية بحوض بحر الغزال (من واو إلى بحيرة نو) وإنشاء أرصفة نهرية لتحسين الملاحة، وتطوير الصيد، وتقليل مساحات المستنقعات للحد من الأوبئة والأمراض.
بالإضافة إلى مشروعات في دول أفريقية أخرى، ففي أوغندا شاركت مصر في تنفيذ مشروعات لمقاومة الحشائش المائية والحماية من الفيضانات (في مقاطعة كاسيسي). وفي تنزانيا، تعاونت مصر في إنشاء سد روفينجي، كما تتعاون مصر مع الكونغو الديموقراطية في إنشاء 12 محطة مياه، مركز للتنبؤ بالأمطار، وتشارك في دراسة مشروع سد مابانكانا لتوليد الطاقة الكهرومائية. وبصورة عامة، تمكنت مصر من تقوية موقفها التفاوضي في مواجهة إثيوبيا وعزلها في ملف النيل وضمان الاستقرار المائي عبر هذه المشروعات.
لكن النشاط المصري الأبرز في منطقة القرن الأفريقي في مواجهة الحليف الأساسي والتاريخي للكيان الصهيوني في أفريقيا (إثيوبيا)، وفي الفترة الأخيرة، عززت مصر تعاونها مع جيبوتي في مشروعات الطاقة وتطوير موانئ حيوية مثل دوراليه، الذي يُعدّ منفذ إثيوبيا الرئيسي على البحر الأحمر.
وبالنسبة إلى إريتريا والصومال، فقد قامت بتقوية الشراكات الأمنية والسياسية والتجارية بشكل نوعي مع هذه الدول التي تتشارك حدوداً مع إثيوبيا، وهو ما حد من قدرة أديس أبابا على خلق نفوذ بحري. وبصورة عامة، تتبنى مصر سياسة زيادة الضغط الدبلوماسي عبر تعبئة المجتمع الدولي والأفريقي ضد إثيوبيا، والحصار الاقتصادي الذكي من خلال استخدام الشراكات في الموانئ والتمويل لعرقلة المصالح الإثيوبية، ودعم أطراف إقليمية (مثل الصومال) في صراعاتها مع إثيوبيا، للضغط على أديس أبابا من الداخل ومحيطها.
الواقع أن التغيرات التي أدت إليها عملية "طوفان الأقصى" دعمت الموقف المصري في مواجهة إثيوبيا وباقي الأفرقاء عموماً، كنتيجة لتحوّل مسار ممر الهند-أوروبا (طريق التوابل) إلى قناة السويس، وقدرة المقاومة اليمنية على إيقاف الحركة التجارية المتوجهة إلى ميناء "إيلات" الصهيوني، في مقابل سماحهم بالحركة المتجهة إلى قناة السويس، الأمر الذي زاد من أهمية الموانئ الغربية في القرن الأفريقي والبحر الأحمر، في الصومال وجيبوتي وإرتريا والسودان، والمؤدية بدورها إلى الموانئ المصرية وقناة السويس، وهي عوامل من شأنها وضع إثيوبيا بين الضغط اليمني في البحر والكماشة المصرية في القرن الأفريقي في آن واحد.
وبالتالي، يبقى الصراع في السودان بين الجيش وقوات "الدعم السريع" هو المساحة المكشوفة لتصفية الحسابات، حيث تدعم مصر الجيش السوداني، في مقابل الاتهامات الموجهة لإثيوبيا من المسؤولين السودانيين بالتعاون مع قوات "الدعم السريع" وتوفير معسكرات التدريب لهم، وبالرغم من الإنكار الرسمي الذي تقدمه إثيوبيا رداً على هذه الاتهامات، لكن الموقف الأخير من الأثيوبيين أبرز انحيازهم، عبر فتح مفيض سد النهضة وتمرير كميات كبيرة جداً من المياه ومن دون تنسيق مسبق مع السودان ومصر أدى إلى غرق مناطق السودان الواقعة على النيل الأزرق وأجزاء من العاصمة الخرطوم، وتضرر بعض المناطق المصرية، وفي الوقت الذي ادعت فيه إثيوبيا أن قيامها بهذا الإجراء كان لأسباب فنية، وأن اتخاذها لهذا الإجراء المنفرد هو ممارسة لسيادتها، فالواقع أن تصرفها صب في مصلحة قوات "الدعم السريع"، حيث ساهم في تفاقم الأزمة الإنسانية وبالتالي زيادة الأعباء على الحكومة التي يقودها الجيش السوداني.
ويبدو أن ثمة تحريضاً صهيونياً في هذا الشأن كنوع من الضغط على مصر، لأنه يُبقيها منشغلة في قضية وجودية، ويُضعف أي تنسيق مصري-سوداني قوي، ومثل هذه الاستنتاجات لها ما يبررها في تصريحات المسؤولين المصريين، إذ اتهم وزير الري المصري السابق محمد نصر الدين علام إثيوبيا بأنها قامت بتأسيس السد وبتصرفها الأخير لاستفزاز مصر، مشيراً إلى أن الهدف الأبعد هو الضغط على مصر للقبول بتهجير الفلسطينيين من غزة.
لكن، بصورة عامة، من الواضح أن الأداء المصري قد أدى إلى نوع من العزلة للنظام الأثيوبي وهو ما دفعه إلى إصدار بيان شديد اللهجة اتهم مصر بمحاولة زعزعة الاستقرار في القرن الأفريقي للتأثير على إثيوبيا مستغلاً دولاً تابعة ومنقسمة، ما يشير إلى شعور النظام الأثيوبي بالخطر إزاء التطورات الأخيرة لا سيما مع تصريحات وزير الخارجية المصرية بأن أبواب الحوار مع إثيوبيا قد أغلقت تماماً، كما أن إصدار الخارجية الأثيوبية للبيان بعد ساعات من مكالمة وزير الخارجية الصهيوني جدعون ساعر ونظيره الإثيوبي جيديون تيموثاوس تناولت "التعاون اللصيق في مجالات الدفاع والأمن والتنمية" كشف عن تحريض صهيوني، وهو ما لم يمر مرور الكرام لدى المسؤولين والمحللين المصريين.
مشروع الطرق العابرة لأفريقيا (Trans-African Highways)
هناك مشروعات تقوم القاهرة برعايتها في الفترة الأخيرة ومنذ عام 2014، تابعة لمشروع الطرق العابرة في أفريقيا:
1- مشروع طريق القاهرة – كيب تاون (TAH4). وهو أطول طريق بري في أفريقيا، ويبلغ طوله 10,228 كم، ويربط بين القاهرة في الشمال وكيب تاون في أقصى جنوب القارة، وخلال الطريق يمر بـ11 دولة في شمال شرق وشرق وجنوب القارة، تبدأ بمصر، ثم السودان، وتنتهي بجنوب أفريقيا، وفكرته ليست جديدة إذ ترجع إلى الاستعماري البريطاني سيسل رودس في أواخر القرن ال19 وبدأ الاحتلال البريطاني تنفيذها بالفعل في عشرينيات القرن الماضي ثم توقفت، لكن قامت مصر بإحيائها ضمن رؤيتها للربط الأفريقي. وقد تمكنت مصر من إنهاء الجزء الخاص بها فعلاً ويبلغ 1155 كم من القاهرة إلى أسوان ومن أسوان حتى معبر أرقين الحدودي مع السودان، وكان من المفترض أن تقوم مصر بدعم إنشاء محور أرقين – دنقلا – الخرطوم ومن ثم إلى جنوب السودان، لكن الحرب الدائرة حالياً تعطل هذه الجهود بالفعل.
2- مشروع طريق مصر-ليبيا-تشاد (Egypt–Libya–Chad Transit Road). وهو طريق تعده القاهرة طريقاً فرعياً للطريق السابق لكنه يربطها بوسط أفريقيا ومن ثم سواحل خليج غينيا وسواحل غرب أفريقيا. وهذا الطريق يمتد من مصر حتى بنغازي عبر الطريق الساحلي، ثم إلى تشاد حتى العاصمة نجامينا، وفي كانون الأول/ ديسمبر 2024 وكانون الثاني/يناير 2025 تم توقيع بروتوكولات بين مصر وتشاد لبدء الدراسات وتنفيذ الجزء التشادي من الطريق، كما تم بالفعل توقيع مذكرات تفاهم بين مصر (ممثلة بشركة المقاولون العرب) والجانبين الليبي والتشادي لتنفيذ طريق يمتد من الحدود الليبية/المصرية، مروراً بليبيا (مثل منفذ الكفرة البري)، ثم عبر تشاد وصولاً إلى العاصمة نجامينا. وبعدها، سيلتقي مع طريق داكار-نجامينا (TAH5) الذي يربط غرب أفريقيا كما يلتقي مع طريق نجامينا-جيبوتي (TAH6) الذي يربط تشاد بشرق أفريقيا وهو طريق واحد في الواقع مقسم إلى جزأين ويسمى (Trans-Sahelian Highway) وحالياً تدعم مصر مفاوضات بين تشاد ونيجيريا لإقامة جسر بطول 56 كم فوق بحيرة تشاد يربط بين البلدين كامتداد ثالث لهذا الطريق، كما يدعم البنك الأفريقي للتنمية تطوير طريق ثان يربط تشاد بنيجيريا عبر النيجر.
3- طريق القاهرة – دكار (TAH1). وهو طريق يبلغ طوله 8636 كم ويمتد عبر الساحل الأفريقي الشمالي مصر، ليبيا، تونس، الجزائر، المغرب، الصحراء الغربية، موريتانيا وينتهي في السنغال. وتقوم لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأفريقيا والبنك الأفريقي للتنمية والاتحاد الأفريقي بتمويل هذا الطريق. ويبدو أن الطريق جاهز للعمل بالفعل باستثناء بعض المناطق القليلة في ليبيا وموريتانيا. وهذا الطريق يمكن أن يمثل أهمية كبرى للصين، حيث سيربط بين غرب أفريقيا وأميركا الجنوبية (البرازيل) وسيوفر مسافة 6 أيام (يستغرق الطريق من مصر إلى البرازيل عبر دكار 39 يوماً، بينما يستغرق من الصين إلى البرازيل عبر قناة بنما 45 يوماً)، بالإضافة إلى كونه يجنب بضائعها المرور من قناة بنما الخاضعة للرقابة الأميركية.
إذاً، سوف تكون مصر رأس الزاوية التي تنطلق منها ثلاث طرق تجارية تصلها بجنوب أفريقيا ووسط أفريقيا ومن بينها نيجيريا أكبر سوق في القارة (232.7 مليون نسمة)، وغرب أفريقيا حتى المغرب والسنغال على المحيط الأطلنطي، بالإضافة إلى اتصالها بشرق أفريقيا عبر البحر الأحمر. ومثل هذا الموقع سيجعل مصر هي عقدة الاتصال التجاري بين آسيا وأفريقيا وأوروبا، حيث توجد على البحر المتوسط والبحر الأحمر معاً وتتصل بآسيا وأوروبا كما أنها مدخل أفريقيا، أي أنها ستكون المعبر الأهم لكل البضائع والمنتجات الآسيوية إلى أفريقيا أو أوروبا، والأهم أن الصين حالياً تقوم بالاستثمار في مناطق صناعية في مصر مثل منطقة العين السخنة الصناعية والتي تحوي عدداً من المصانع الصينية (مصانع أجهزة كهربائية، مكونات سيارات، هواتف محمولة، ومصانع ألياف زجاجية) لتسهيل تصدير هذه المنتجات عبر الطرق المنطلقة من مصر إلى نيجيريا وغرب أفريقيا وجنوبها. ومما يجعل مصر أكثر جاذبية للعمل الصيني هو امتلاكها موانئ كبرى في العين السخنة وبورسعيد ودمياط وبالطبع الإسكندرية، كما أنها سوق ضخم (114 مليون نسمة) وتمتلك بنية تحتية وقدرات في الطاقة تدعم هذه المكانة.
هذا المشروع تجاه أفريقيا يجد تكامله مع اتفاقات أخرى مع آسيا، فمصر من الدول الموقعة على مبادرة "الحزام والطريق" الصينية، كما أنها أصبحت أحد أهم مسارات طريق الهند-الشرق الأوسط-أوروبا وهو ما شجعها على القيام ببروتوكولات تعاون تربط بين ميناء آتشية الأندونيسي على مضيق ملقا، وموانئ مصر على البحر الأحمر، وهناك بروتوكول أعلن عنه مؤخراً يربط ميناء جوادار الباكستاني مع قناة السويس وهو الميناء الذي تقيمه الصين في باكستان، وفي هذه الحالة من المتوقع أن تقوم الهند التي تستثمر في ميناء تشابهار الإيراني بمحاولة الربط بين هذا الميناء وبين قناة السويس ضمن المنافسة القائمة بينها وبين المبادرة الصينية، بما يعني أن البضائع القادمة من آسيا سوف يتم تجميعها في مصر ثم توزيعها على الدول الأفريقية.
موقف الأطراف الإقليمية والدولية من تصاعد النفوذ المصري
يمكن أن يقال إن الدور المصري الوحيد الذي يوجد إجماع على قبوله نتيجة اعتماد الدبلوماسية المصرية التقليدية على التهدئة والاستقرار وهو ما تحتاجه كل القوى حالياً، وبالتالي فغالبية القوى الإقليمية لا تمانع في القبول بالدور المصري ولو مؤقتاً على أمل حدوث متغيرات جديدة لاحقاً، ولو استعرضنا هذه القوى فسنجد في مقدمتها تركيا، التي توصلت إلى نتيجة بعد فترة من العداء للقاهرة أن التعاون مع الأخيرة أفضل وأكثر نجاحاً من التعاون مع القوى الخليجية، أياً كانت، وبالتالي فهناك اتفاقات جيدة بين الطرفين سواء بخصوص الوضع في ليبيا أو بخصوص الوضع في السودان حيث يدعم كلاهما الجيش السوداني ووحدة الأراضي السودانية، كما أن كليهما استفاد من فشل الحرب الصهيونية على المقاومة العربية وتصاعد دوره إلى حد كبير، خصوصاً مع ميل إدارة الرئيس ترامب إلى ترحيل عدد من الملفات العالقة للدولتين على أمل الوصول إلى حلول تهدئة ممتدة نسبياً.
بالنسبة إلى إيران، فهي حريصة على تطوير العلاقات مع القاهرة منذ فترة طويلة، وهو ما تحقق مؤخراً ما دفع القاهرة إلى التدخل في ملف الأزمة النووية الإيرانية، والتوصل إلى توقيع اتفاق بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية، وهو الاتفاق الذي لم يعبّر عنه الأميركيون بارتياح في وقته، لكن في كل الأحوال، ترى إيران أن مصر يمكن أن تساعدها في فك الحصار المضروب حولها نتيجة مشكلتها النووية مع الغرب، وبالتالي فهي تقبل بالدور المصري الذي يحافظ على خطاب قومي معتدل ولغة دبلوماسية محترمة وبلا نعرات طائفية أو عرقية مما يعيب الخطاب السعودي والإماراتي في تعامله مع الأزمات.
وفي ما يتعلق بالقارة الأفريقية خصوصاً، وعلى الرغم من أن إيران لها باع كبير في التقارب مع الأفارقة، فإنها تحتاج إلى الممرات المصرية من أجل وصول منتجاتها إلى عمق القارة وتجاوز العقبات والعقوبات المقيدة التي تضعها الدول الأوروبية والولايات المتحدة أمامها، وبالتالي فهي تتخذ موقفاً مشابهاً لمصر في ما يتعلق بالسودان، على أمل الحصول على قاعدة في البحر الأحمر كانت قد اتفقت عليها بالفعل مع الحكومة السودانية سابقاً، وفي المقابل، تحتاج مصر إلى إيران في محاولة فتح تفاهم مع اليمن (أنصار الله) لتهدئة الأوضاع في البحر الأحمر وربما التعاون معها لاحقاً في مواجهة إثيوبيا، حتى لو كان الخطاب الرسمي المصري لا يتحدث بإيجابية حول تجربة أنصار الله، بالإضافة إلى أن إيران تمثل لمصر بوابة كبرى للتوغل في آسيا الوسطى.
الموقف الروسي سيكون مرتبطاً بمحاولة الاستفادة من هذا الموقع الجديد لمصر، والذي سيجعلها ملتقى تجميع البضائع المنقولة إلى أفريقيا من الناحية الآسيوية، أو المنطلقة من أفريقيا إلى آسيا وأوروبا، وخصوصاً خطوط الطاقة، وقد وقعت الحكومتان بالفعل على اتفاقية رسمية لإنشاء منطقة صناعية روسية في شرق بورسعيد والعين السخنة، ومؤخراً تم توقيع عقد الانتفاع الرسمي تمهيداً لتنفيذ المشروع، حيث تهدف روسيا إلى أن تكون المنطقة مركزاً ومنصة تصدير للشركات الروسية إلى الأسواق الإقليمية، بدلاً من مجرد التصدير المباشر من روسيا.
هذا الموقع الاستراتيجي يسمح بتصنيع وتجميع المنتجات داخل مصر ثم إعادة تصديرها والاستفادة من الاتفاقيات التجارية المصرية، وسوف تشمل عدة صناعات (المجسات، الأجهزة والمستلزمات الطبية، والبتروكيماويات، والهندسة الميكانيكية، وصناعات المعدات وبناء السفن)، ومن المتوقع أن يصل حجم الاستثمار الروسي في المنطقة إلى 7 مليارات دولار على المدى الطويل. وبالتالي، فإن روسيا ترى أن مصالحها سترتبط بالنفوذ المصري المطالب بالاستقرار والتهدئة، وهو ما ظهر على تحوّل موقفها مؤخراً في الملف السوداني بعد أن كانت تتعامل مع الجيش السوداني و"الدعم السريع" معاً، أصبحت أكثر ميلاً لدعم الجيش السوداني.
في المقابل، يحقق هذا التطور الجديد للموقع المصري فائدة ضخمة للصين، خصوصاً مع بداية تشغيل طريق نوفوسيبريسك – أورومتشي عبر غرب منغوليا (AN-4) وهو جزء من مبادرة "الحزام والطريق"، وهذا الطريق يمكن أن يتخذ مساراً إلى أفريقيا عبر إيران أو تركيا ثم العراق وسوريا والأردن (أو السعودية) ومنها إلى سيناء والقاهرة ثم الانتشار في أفريقيا عبر القاهرة وحتى كيب تاون ونيجيريا وداكار، وهذا التواصل البري بالرغم من أنه لم يطرح رسمياً نتيجة بعض الصعوبات إلا أن هناك كتابات صينية وروسية عدّته مشروعاً طموحاً، خصوصاً أن الصين تستثمر في جزء كبير من البنية التحتية الأفريقية وخصوصاً في طريق القاهرة – كيب تاون.
أما الموقف الأميركي، فقد شهد عدداً من التغيرات في الفترة الأخيرة، حيث بات الأميركيون مقتنعين بترك الملفين السوداني والمغربي للدور المصري الذي يمتلك مصلحة وجودية في إعادة الأمور في السودان إلى نصابها، نظراً للجوار والحدود الطويلة بين البلدين، كما يمتلك علاقات قوية بالجيش السوداني، وقبولاً لدى القوى المدنية، وبالتأكيد لا يرغب الأميركيون في انهيار السودان خشية التمدد الروسي وإثارة الفوضى في البحر الأحمر. كما تعتقد أميركا بأن مصر سوف يكون لديها دور كبير في حل مشكلة الصحراء الغربية كونها تمتلك علاقات جيدة مع الجزائر والمغرب وليست منحازة لأي طرف، والأهم أن الصحراء الغربية تقع على طريق القاهرة – دكار وحسم قضيتها يمثل مصلحة لدول الشمال الأفريقي العربية بصورة عامة وخصوصاً المغرب، وبصورة عامة، فإن الأميركيين يعتقدون أن الدور المصري يمكن أن يضع حدوداً للنفوذين الروسي والصيني.
والخلاصة، لقد ساهمت عملية "طوفان الأقصى" في إعادة تغيير المشهد والقوى الفاعلة لا سيما في القارة الأفريقية، ومن بين هذه التغيرات عودة الدور المصري إلى الساحة الأفريقية مرة أخرى، وهي فرصة تسعى القاهرة لاستغلالها في مواجهة خصومها. لكن يبقى السؤال، هل يمكن أن تسعى القاهرة للعب دورها التاريخي، عبر إنشاء هذه الطرق التي تربطها بالسودان والقرن الأفريقي وشمال أفريقيا العربي، وتقوم بصياغة رؤية للتكامل العربي مرة أخرى؟ والإجابة عن هذا السؤال لم تعد رفاهية في ظل توترات تؤذن بنهاية العولمة وحلول عصر ما بعدها، وربما تجبر ضرورات البقاء الدول العربية، وخصوصاً مصر على القيام بهذا الدور.
بقلم أحمد صبري السيد علي - باحث تاريخي