مآلات الصراع السعودي - الإماراتي في جنوب اليمن .. وماذا في التداعيات؟

ishraq

الاشراق

الاشراق | متابعة.

تصاعد التوتر في جنوب اليمن، مع خروج الخلاف السعودي-الإماراتي إلى العلن، وسط تطورات عسكرية تمثلت بسيطرة "الانتقالي" المدعوم إماراتياً على مناطق شاسعة، وتنفيذ "التحالف السعودي" ضربة استهدفت دعماً عسكرياً مصدره الإمارات في ميناء المكلا، وسط مخاوف من اندلاع صراع داخلي بين القوى الجنوبية. وهو ما يطرح تساؤلات عديدة عن مآلات الصراع وانعكاساته على أمن المنطقة؟ وهل نحن أمام خطوات تمهيدية لـ"إعلان انفصال الجنوب"؟ 

الإمارات والسعودية... صراع النفوذ

 وفي تعليق له، رأى رئيس مركز "القرن العربي" للدراسات، سعد بن عمر أن "ما يجري في جنوب اليمن هو جزء من مشروع أكبر تديره أبو ظبي"، حيث يعمل "المجلس الانتقالي الجنوبي" كأداة لأبو ظبي لتحقيق أهداف محددة في المنطقة، بينما تتعرض القوى المحلية لضغوط مباشرة وغير مباشرة لخدمة أجندات خارجية.

وأضاف أنّ "العامل الجغرافي في السياسة بالغ الأهمية وقوات أبو ظبي ستنسحب من جنوب اليمن وستواصل ممارسة النفوذ من بعيد".

بدوره، أكد رئيس تحرير صحيفة "السياسة المصرية"، أيمن سمير، أن الانفصال المحتمل لجنوب اليمن قد يؤدي إلى مواجهة مسلحة بين أبناء الجنوب، مع تأثير محتمل على الملاحة والتجارة الدولية، مؤكداً أن لغة الحوار غائبة بين السعودية والإمارات، وكلاهما يرسم حسابات صفرية.

وإذ شدد على أنه "لا يمكن للإمارات أن تتخلى عن كل نفوذها في اليمن بمجرد وقوع غارة سعودية على شحنة عسكرية في المكلا"، تحدث عن أنّ "التقديرات تشير إلى توجه لإعلان استقلال جنوب اليمن بعد ساعة من إعلان الإمارات إخراج قواتها".

وبشأن المطالبة السعودية و"قيادة المجلس الرئاسي" بانسحاب الإمارات، أشار المدير الإقليمي لمركز "ساوث 24" للدراسات في عدن، يعقوب السفياني، إلى أن الانسحاب الإماراتي لن يضعف القدرات العسكرية "لـلمجلس الانتقالي"، لأنه بات مدرباً ومجهزاً بشكل جيد.

وتابع أنّ "هناك احتمال لقيام قوات موالية للسعودية بعملية برية في حضرموت، وفي المقابل هناك تعبئة على مستوى قوات المجلس الانتقالي".

أما فيما يتعلق بموقف صنعاء من التطورات الحاصلة، أكد عضو المكتب السياسي لحركة أنصار الله محمد الفرح قبل أيام، أن ما يجري على يد "المجلس الانتقالي" ليس مشروعاً وطنياً، بل أداة إماراتية لتمزيق اليمن وتحويل جنوبه إلى منطقة نفوذ مفتوحة لخدمة مشاريع خارجية، محذراً من أن ذلك يهدف إلى فتح الطريق لوجود صهيوني مباشر، "في واحدة من أخطر مناطق الأمن القومي اليمني والعربي في مضيق باب المندب والبحر العربي".

وذكّر أنّ التدخل السعودي لم يكن يوماً من أجل وحدة اليمن ولا سيادته، بل للمصالح والهيمنة، والسعي لفرض السيطرة على حضرموت والمهرة، والتعامل معهما كأراضٍ تابعة لا كجزء أصيل من دولة يمنية مستقلة القرار.

وأوضح الفرح أنّ الإمارات والسعودية تتقاسمان الدور: احتلالٌ مباشر، وتمزيقٌ ممنهج، ونهبٌ للثروة.

وفي السياق، أشار الخبير بالشؤون الأمنية والعسكرية العميد الركن عابد الثور إلى أن الوضع في جنوب اليمن يمثل "مؤامرة سعودية -إماراتية بتوجيه أميركي-إسرائيلي"، مؤكداً أن صنعاء تراقب عن كثب ما يحدث وترفض أي استباحة أو اعتداء على الأراضي اليمنية.

"الحرب الأهلية مستبعدة"
ويرى الباحث السياسي اليمني طالب الحسني  أن الحديث عن حرب أهلية جنوبية–جنوبية مستبعد عازياً ذلك إلى أن عناصر هذا النوع من الحروب غير مكتملة حتى الآن.

ويؤكد الحسني أن الساحة الجنوبية تفتقر إلى قوى مسلحة تمتلك الجاهزية والاستعداد الحقيقي لخوض قتال داخلي واسع، بما في ذلك ما يُعرف بـ"قبائل حلف حضرموت"، التي يقتصر حضورها على البعد الشعبي والقبلي الجماهيري، من دون امتلاك السلاح أو التدريب الكافي واللازم، فضلاً عن أن تاريخ هذه القبائل لا يميل إلى خوض صراعات مسلحة داخلية.

وفي محافظة المهرة، المحاذية لسلطنة عُمان، يشير الحسني إلى أنه رغم الجاهزية التنظيمية للقبائل بقيادة الشيخ علي سالم الحريزي، فإن خيار القتال الداخلي لا يحظى بالأولوية، إذ يظل الحافز القتالي الأساسي مرتبطاً برفض الوجود السعودي، لا بالدخول في صراع جنوبي–جنوبي.

وبناءً على ذلك، يرجّح الحسني أن المرحلة المقبلة، وعلى المدى البعيد، ستشهد تصاعداً في الخلافات وازدياداً في الرفض الشعبي، مع تهيئة تدريجية لعوامل التجنيد والتنظيم والعمل العسكري، من دون أن يعني ذلك اندلاع مواجهة وشيكة.

ويكشف الحسني أن الإمارات عملت منذ وقت مبكر على تجنيد 3 تيارات رئيسية في المحافظات الجنوبية:

1- التيار الأول: تيار شعبي متحمّس لفكرة الانفصال، جرى استقطاب معظم عناصره مع بداية العدوان على اليمن، قبل أن تتضح الصورة السياسية بشكل كامل. ويتمسك غالبية هذا التيار بالانخراط في ما يُسمى "جيش الجنوب"، رغم عدم رضاها الكامل عن "المجلس الانتقالي الجنوبي"، إلا أنهم لا يرون بديلاً عنه في المرحلة الحالية.

2 - التيار الثاني: تيار سلفي، يقوده هاني بن بريك وأبو زرعة المحرمي، وكانت السعودية قد نظمته في البداية قبل أن ينتقل ولاؤه إلى الإمارات. ويُعدّ انخراط هذا التيار في مشروع الانفصال مفاجئاً، إلا أن دوافعه، وفق الحسني، ذات خلفية مذهبية، إذ يرفض الخضوع لحكم صنعاء بزعم أنه "زيدي"، على الرغم من أن منظومة السلطة في صنعاء لا تقوم، عملياً، على أسس طائفية.

3 - التيار الثالث: تيار مناطقي، تتركز قياداته وقواعده الأساسية في محافظات ما يُعرف بـ"مثلث عدن–الضالع–لحج"، وهي المحافظات التي شهدت أعلى مستويات الحشد لمصلحة "المجلس الانتقالي الجنوبي".

ويشدد الحسني على أن حركة أنصار الله ترفض الانفصال بشكل قاطع، وهو موقف معلن وينسجم مع التزام أي سلطة مركزية في العاصمة صنعاء بالحفاظ على وحدة البلاد. إلا أن الدافع الأبرز حالياً لمنع الانفصال، بحسب الحسني، يتمثل في إعلان "المجلس الانتقالي" تقاربه مع كيان الاحتلال الإسرائيلي، وهو ما يشكل تهديداً وجودياً ويواجه رفضاً شعبياً واسعاً.

دوافع إسقاط "المجلس الانتقالي"
ويرى الباحث السياسي الحسني أن أي مواجهة محتملة لإسقاط "المجلس الانتقالي" ستكون مدفوعة بدافعين أساسيين:

1- منع تقسيم اليمن، خصوصاً في ظل عدم تقبّل شرائح واسعة في حضرموت والمهرة وشبوة لقيادة "المجلس الانتقالي"، إلى جانب وجود عوامل قبلية رافضة، وإن لم تكن عسكرية الطابع.

2- منع أي وجود أو نشاط إسرائيلي في المحافظات الجنوبية، لما يمثله ذلك من تهديد مباشر للأمن اليمني والإقليمي.

ويرى الحسني أن تصريحات "المجلس الانتقالي" بشأن التطبيع مع الاحتلال تخدم، عملياً، حركة أنصار الله، لأنها تخلق مبرراً أقوى للتدخل العسكري، بعدما كان هذا التدخل محصوراً سابقاً في منع التقسيم ورفض الانفصال، في ظل إشكالية تاريخية تتعلق برفض فرض الوحدة بالقوة العسكرية.

ويخلص الحسني إلى أن التوترات الراهنة في جنوب اليمن تؤدي إلى تدمير القوى الرئيسية التي استخدمها التحالف السعودي–الإماراتي ضد اليمن طوال السنوات الماضية. ويؤكد أن هذا الشرخ بات عميقاً ولا يمكن ترميمه، حتى في حال التوصل إلى تسوية مستقبلية، بعدما اختلطت الأوراق وتصاعدت عوامل انعدام الثقة.

ويضيف أن هذه المعطيات تدفع السعودية إلى تجنّب أي تصعيد محتمل ضد صنعاء، خاصة بعد خسارتها الحليف الأبرز داخل التحالف، ما يعني عملياً تفكك التحالف والانتقال إلى مرحلة يصبح فيها السلام مع صنعاء خياراً اضطرارياً لا مفر منه.

جنوب اليمن.. "إعادة تشكيل للصراع"
وتكشف المعطيات الميدانية والتحليلية أن ما يجري في جنوب اليمن يتجاوز كونه صراع نفوذ محلياً أو خلافات داخلية بين قوى جنوبية، ليتحوّل إلى جزء من معادلة إقليمية–دولية أوسع. فتعزيز نفوذ "المجلس الانتقالي الجنوبي" ومحاولات فرض واقع انفصالي لا يهددان وحدة اليمن فحسب، بل يفتحان الباب أمام اختراقات إسرائيلية خطِرة في واحدة من أكثر المناطق حساسية على مستوى الأمن القومي العربي، وفي مقدّمها مضيق باب المندب.

وفي مقابل غياب شروط الحرب الأهلية الجنوبية–الجنوبية في المدى المنظور، والانقسام القائم بين التيارات السياسية، يبدو جنوب اليمن مقبلاً على مرحلة إعادة تشكيل للصراع، في ظل تراجع قدرة التحالفات السابقة على ضبط المشهد، وتقدّم خيار التسويات الكبرى مع صنعاء بوصفه مخرجاً اضطرارياً من أزمة تتعقّد يوماً بعد آخر.

بقلم - يحيى الطقش

Copyright © 2017 Al Eshraq TV all rights reserved Created by AVESTA GROUP