30/07/2026
ثقافة و فن 16 قراءة
محمود درويش في قراءة خليل الشيخ: سردية الشعر والسيرة

الاشراق
الإشراق | قراءات وتحليلات
يظل الشاعر الراحل محمود درويش سؤالا شعريا مفتوحا على مستوى علاقته باللغة والهوية والقضية، وعلى مستوى أثره الباقي في الذاكرة ويوميّات الوجع والمنفى. فهو لم يحمل فقط قلق صاحب السيرة الشعرية، بل حمل أيضا جمرة الشاعر المسكون ببرد العزلة وفوبيا الغياب والحضور، حيث تتحول السيرة إلى بلاد وكتاب وبيت وحبيبة، وتغدو تلك الفوبيا سرديته الشخصية في مواجهة صمت العالم وقسوة المحو.
وفي كتابه الناقد سردية محمود درويش الشعرية (الصادر عن منشورات الجامعة الأمريكية في بيروت)، يطرح الباحث خليل الشيخ خيارا نقديا مختلفا عبر فحص إجرائي يُعنى بتمثيل سيرة الشاعر وتحولات قصيدته التي أغوت تاريخ القصيدة العربية وأزاحَت عنها كثيرا من الرماد، مستدعيَةً سحرية الشاعر المغنّي والقوّال الذي يدرك أسرار اللعبة في مواجهة الغياب واستدراج العالم إلى زمنه الخاص؛ زمن الطاولة والمقهى والمنفى والشارع والوردة والأم.
قراءة نقدية مستفزة للمخفي السردي
تضعنا هذه السردية أمام رؤية نقدية يجسّ من خلالها المؤلف المخفي السردي في شعر درويش وتجربته، منحازا إلى الكشف عن تمثلاتها البنائية وعلاقاتها التي يشتبك فيها السرد بالشعر. بوصفه شعرا سائلا يمنح المغنّي حيوية الانفلات والتمرد ومشاغبة المألوف، يعيد الشيخ تأطير تجربة درويش بمنهجية إجرائية بعيدا عن الاحتفال به والانفعال بصوته الشهواني، ليكون القارئ أقرب إلى السيرة بوصفها زمنا ثقافة ودالا تاريخيا على التمفصل الشعري، في مقاربة تحمل أبعادا سسيونقدية وحساسية تتلامس مع رمزية درويش وصخب سيرته الفلسطينية.
من التأمل والتصوف الثوري إلى تراجيديا الذات
قراءة الكتاب تعني بالدرجة الأولى قراءة عالم درويش وعلاقته بزمنه وتلك السيرة التي تمظهرت عبر نقلات سردية واضحة:
مرحلة البدايات: الشاعر التأملي المسكون بشعريات السياب وسعدي يوسف.
المرحلة الثورية: هواجس الشاعر بنزعته الأيديولوجية وسؤاله الوجودي عن الهوية والأرض والذاكرة.
المرحلة التراجيدية: شاعر القضية الذي لم يطمئن لهذه السمات لأنها بدت له منفى آخر يفاقم قلقه.
وتُعد قصائده الأخيرة أكثر تمثيلا لسيرته بوصفه شاعرا مجروحا ومكونا لذاته الوحيدة التي تقاوم الموت الشخصي والغياب؛ باحثا عن المعنى، وعن المحذوف من ذاكرة الجدار، وعن الأب الذي ترك الحصان وحيدا، وصولا إلى استعادة الموتى من أصدقائه ورفاقه مثل نزار قباني، إميل حبيبي، راشد حسين، وإدوارد سعيد.
سردية الاقتلاع والوجود القلق
لم تُقلل عودة عائلة درويش إلى الأرض المحتلة من إحساسه الفاجع بالاقتلاع، إذ ظل مسكونا بهاجس المطرود وسط أنقاض المدينة، وهو ما دفع به نحو الحظوة بالأيديولوجيا وهوس الفكرة المتعالية للتعويض عن الغياب الواقعي بحضور فكري ونفسي وشعري. وفي تدوينه النثري (مثل يوميات الحزن العادي وحيرة العائد)، بدا درويش أكثر وعيا في تحويل الكتابة إلى أداة تطهير ومراقبة لانفلات الأشياء، حيث تحولت أحلام السلام إلى كوميديا سوداء جعلت نصوصه أقرب إلى يوميات المراثي.
سردية السيرة.. سردية القصيدة
يخلص خليل الشيخ في دراسته إلى مزج سرديتين: حياة الشاعر وتمردُه عليها، ليؤشر من خلالهما مسارات عوالمه الشعرية المتשظية بفعل الفقد والبحث عن الغائب عبر المواربة واستنفار الذاكرة والأرض والبحر. كما يتتبع المحطات الكبرى في حياة درويش الثقافية والجماهيرية وكيف حمل مع يقظته الفلسطينية وعيه الأيديولوجي المشبوك بحلم الثورة والقصيدة، ليقدم لنا من خلال هذا السِفر قراءة عميقة تفتح آفاقا جديدة لفهم عالم محمود درويش المفتوح على المتاهة والجمال والرؤيا.
لا تتبنى الإشراق بالضرورة الآراء والتوصيفات المذكورة.