26/07/2026
تقاریر 11 قراءة
عزل المدعي العام للجنائية الدولية وتداعيات الحرب الإيرانية

الاشراق
الإشراق | متابعة
صوت أعضاء المحكمة الجنائية الدولية على عزل المدعي العام كريم خان وسط توترات سياسية غير преدية، بالتزامن مع تنامي النقاشات حول تداعيات الحرب الأميركية الإيرانية على موازين القوى والنظام الدولي.
وفي التفاصيل، صوت أعضاء المحكمة الجنائية الدولية بواقع 82 عضوا من 125 عضوا على عزل المدعي العام للمحكمة المحامي البريطاني "كريم خان"، بعد حملة اتهامات بارتكاب مخالفات جنسية ضد موظفات في مقر المحكمة بـ"لاهاي"، وهي اتهامات ظل "خان"، 52 عاما يؤكد براءته، ولكنها جاءت في ظل المناخ السياسي الذي خلقه تحركه وطلبه من قضاة المحكمة الدولية إصدار مذكرة دولية لاعتقال كل من رئيس الوزراء الإسرائيلي "بنيامين نتنياهو" ووزير دفاعه في حينه، "يوواف غالانت"، بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في "غزة" بعد هجمات 7 "تشرين الأول"/أكتوبر 2023. وظهرت الاتهامات في "أيار"/مايو 2024، وهو الشهر الذي صدرت فيه المذكرة، مع أن الاتهامات لم تظهر من جديد إلا في "تشرين الأول"/أكتوبر 2024. ولم يصوت ضد قرار العزل الذي تم بسرية في مقر "الأمم المتحدة" سوى 13 دولة، فيما امتنعت 15 دولة عن التصويت. وكان لافتا المنشور الذي كتبه سفير "إسرائيل" في "الأمم المتحدة" حول القرار وانه رسالة لكل من يحاول استخدام "إسرائيل" كسلاح سياسي ملمحا إلى عمدة "نيويورك"، "زهران ممداني" الذي دعا إلى اعتقال "نتنياهو" حالة قدومه إلى "نيويورك" قبل تراجعه مبررا أن المدينة التي يدير عمديتها لا سلطة لديها لاعتقال أشخاص هاربين من العدالة ومتهمين بجرائم إبادة، لكن موقف "ممداني" يظهر أهمية التأكيد على معاقبة مجرمي الحرب. وهو أمر يطالب به الناشطون في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان، نظرا لما تمثله المحكمة الدولية من رمزية في ملاحقة الظلم ومعاقبة المجرمين. هذا رغم تاريخها المثير للجدل من ناحية تركيز اهتمامها على مجرمي الحرب في "أفريقيا" دونما الالتفات إلى عامة المجرمين الذين قادوا حروب إبادة في "أوروبا" ومسارعتها لتوجيه اتهام إلى الرئيس "فلاديمير بوتين" بعد غزوه "أوكرانيا" عام 2022. وما يهم في موقف الجنائية الدولية أنها وجهت اتهامات لمسؤولين إسرائيليين وثلاثة من قادة حماس كلهم قتلوا. وكشفت تحقيقات صحافية أن وزير خارجية "بريطانيا" في حينه، "ديفيد كاميرون" هدد "خان" في مكالمة هاتفية محذرا إياه من مغبة المضي في استصدار المذكرة. ثم بدأت تظهر التقارير عن سلوك "خان" الجنسي في صحيفة «وول ستريت جورنال» التي تقود حملة تدمير النظام الإيراني ومحاولة إقناع "دونالد ترامب" بالمضي في حربه العسكرية وحتى النهاية. وقال محامي "خان"، "طيب علي" إن قرار مجلس الدول الأعضاء يدعو إلى الأسف، وأنه صدر في تجاهل لمظاهر القلق التي أبدتها أكثر من 180 منظمة حقوقية وخبراء قانون من ان عملية العزل تمت بدون الإستناد إلى أدلة مدعمة وتؤكد ارتكاب "خان" الاتهامات الموجهة إليه. وأشاروا إلى أن تدخل مكتب خدمات الرقابة الداخلية في "الأمم المتحدة" جاء استنادا على رواية المدعية على المدعي العام وأنه مارس معها الجنس بدون موافقة منها. وهو موقف أكدته في أول مقابلة لها مع شبكة «سي أن أن» الأسبوع الماضي. إلا أن قرار المجلس في يوم الجمعة، ياتي وسط تهديدات غير عادية من "الولايات المتحدة"، وخاصة وزير الخارجية "ماركو روبيو" بأنه سيعمل على تفكيك الجنائية الدولية «حجرا حجرا»، مع أن "الولايات المتحدة" فرضت عقوبات على معظم قضاة المحكمة بمن فيهم "خان" نظرا لتحقيقاتهم في "أفغانستان" والأراضي الفلسطينية. ويخشى أن تقوم المحكمة بعد عزل مدعيها الآن بإسقاط التهم الموجهة لـ"نتنياهو" و"غالانت"، وهو ما دعا إليه وزير الخارجية "جدعون ساعر" الذي وصف قرار العزل بأنه «متأخر»، مع أن أكثر من 180 منظمة حقوقية وعمل مدني فلسطينية وقعت على بيان قالت فيه إن الإجراءات التأديبية لمكتب "الأمم المتحدة" تحولت إلى «استفتاء سياسي» يخدم مصالح الدول الاعضاء في مجلس المحكمة. ومهما قيل حول طبيعة الإجراءات التي اتخذها مجلس الدول الأعضاء ومحاولته التخلص من "خان" إلا أن المناخ السياسي خلقته الإدارة الأمريكية حول المحكمة والتي لم توقع على نظام "روما" لإنشائها عام 2002. وأشار في هذا السياق "ستيف بلومفيلد" في صحيفة «الغارديان» (24/7/2026) بأنه بالكاد يمر أسبوع بدون أن تهدد إدارة "ترامب" بتقويض النظام الدولي، لا يكاد يمر شهر دون أن يبذل "دونالد ترامب" محاولة جديدة لتقويض النظام الدولي القائم على القواعد، فقد سحبت "الولايات المتحدة" تمويلها من عشرات المؤسسات الدولية وأغلقت الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية وانسحبت من اتفاقية "باريس" للمناخ. لكن إعلان وزارة الخارجية الأسبوع الماضي عن رغبتها في تفكيك المحكمة الجنائية الدولية قد يكون أخطر خطوة لـ"ترامب" على الإطلاق. وأضاف أن سياسة "الولايات المتحدة" الرسمية أصبحت الآن هي القضاء على المحكمة الجنائية الدولية، والإدارة مستعدة لبذل كل ما في وسعها لتحقيق ذلك. وستعاقب الدول التي لا تلتزم بهذه السياسة. وقد وعدت وزارة الخارجية بـ«زيادة التدقيق في الدول التي ترفض سلطة المحكمة الجنائية الدولية الزائفة بينما تعتمد على المساعدة الأمريكية»، مستهدفة بشكل خاص تلك الدول التي «تتمتع بمزايا المظلة الأمنية الأمريكية». وسيشمل ذلك "بريطانيا"، وهي دولة تساهم بأكثر من 15 مليون جنيه إسترليني سنويا للمحكمة الجنائية الدولية، مما يجعلها رابع أكبر مانح بعد "اليابان" و"ألمانيا" و"فرنسا". وفرضت بالفعل قيود على السفر وعقوبات على قضاة ومسؤولين كبار والآن سيتم استهداف المزيد. وقد يؤدي ذلك إلى عزل الأفراد تماما عن الحياة العصرية، حيث تغلق الحسابات المصرفية الشخصية، بينما تحظر مجموعة كبيرة من التطبيقات والمواقع الإلكترونية الأمريكية، من "أوبر" إلى "بوكينغ دوت كوم". ويمكن حظر حسابات البريد الإلكتروني – "مايكروسوفت" و"غوغل". بالنسبة للمحكمة نفسها، يعني ذلك نسخ الأدلة التي كانت محفوظة سابقا على أنظمة "مايكروسوفت" احتياطيا. وتشمل حملة وزارة الخارجية الأمريكية التعاون مع دول أخرى ليست أعضاء في المحكمة الجنائية الدولية، ما يوحي بإمكانية تحالف "الولايات المتحدة" مع "روسيا" و"الصين". ويقول "بلومفيلد" ان هذه بلا شك أزمة وجودية، ليس فقط للمحكمة الجنائية الدولية بل لمفهوم العدالة الدولية برمته. فأقوى دولة على وجه الأرض، والتي يفترض أنها زعيمة الغرب الديمقراطي، تتحالف مع دكتاتوريين وحكام مستبدين لمنع المتهمين بارتكاب جرائم الإبادة الجماعية والتطهير العرقي وجرائم الحرب من المثول أمام العدالة. ويعتقد الكاتب أن "ترامب" يرى في المحكمة الجنائية الدولية تهديدا، حيث فرض عقوبات على مسؤولي المحكمة خلال فترة ولايته الأولى، في أعقاب التحقيق في جرائم حرب مزعومة ارتكبتها القوات الأمريكية في "أفغانستان". وتصاعدت الحملة ضد المحكمة بعد عودته إلى منصبه العام الماضي. ورغم ما تعانيه المحكمة من مظاهر قصور أو عيوب في إدارتها وما كشفت عنه الهجمات على "خان" إلا أنه سيشار إلى "نتنياهو" و"بوتين" إلى الأبد على أنهما رجلان متهمان بارتكاب جرائم حرب. ولهذا السبب يصر "ترامب" على إغلاقها، كما يقول "لويس مورينو أوكامبو"، أول مدعٍ عام للمحكمة: «يدرك ترامب أنه قد يكون هدفا بعد مغادرته منصبه. المحكمة الجنائية الدولية عقبة كبيرة في طريقه». وهذا سبب آخر لأهمية إنقاذ المحكمة الجنائية الدولية ويجب أن تكون للأفعال عواقب. وعلى العالم بأسره محاسبته أيضا، سواء أكان ذلك على تفجير قوارب في "الكاريبي"، أو استهداف مدرسة في "إيران"، أو أي فظائع جديدة يرتكبها خلال العامين والنصف القادمين. وكما سيعيش "بوتين" و"نتنياهو" بقية حياتهما وهما يعلمان أن خطر الاعتقال يتربّص بهما، يخشى "ترامب" أن يكون هذا مصيره. لا يمكن السماح له بالإفلات من العقاب، كما يقول "بلومفيلد". فعالم بلا قانون يظل مساحة للمتنمرين يفرضون ما يريدون، ولهذا رآى الكاتب في صحيفة «الغارديان» (18/7/2024) "سايمون تيسدال" أن "ترامب" هو تهديد على العالم أخطر من "إيران" وهو سلاح دمار شامل بمفرده. وقال إن "ترامب" العاجز والجاهل تائه في "إيران" ولا يعرف الخروج من الحرب هناك. مشيرا إلى أن هدف الحرب بات يتمحور حول من يتحكم بمضيق "هرمز"، مع ان الحرب بدأها "ترامب" مع رفيقه "نتنياهو" لإسقاط النظام، ولم يعد هذا الأمر قائما بعد أكثر من خمسة أسابيع وتوسع مستوى الحرب، حيث أعلن الحوثيون، حلفاء "إيران" عن فرض حصار على البحر الأحمر، وهو ما يضيف بعدا جديدا للحرب الأمريكية – الإيرانية، على ما ورد في صحيفة «وول ستريت جورنال» (23/7/2026) ويهدد بجر دول إلى المواجهة من "السعودية" و"باكستان" ويزيد من ضيق الاقتصاد العالمي. وأوردت نفس الصحيفة أن "ترامب" لا يعرف كيفية الخروج من الحرب في ظل اقتراب انتخابات التجديد النصفي والتي ستحدد مسيرته الرئاسية فيما تبقى له من عامين. وقالت الصحيفة إن "ترامب" غير مهتم على ما يبدو بارتفاع أسعار النفط، حيث قفز سعر البرميل بعد إعلان الحوثيين استهداف السفن السعودية إلى 100 دولار. وأشارت إلى أن "ترامب" بات في مزاج انتقامي ولا يريد أحيانا سماع صوت أو رؤية "نتنياهو"، في وقت بات فيه المعارضون للحرب من داخل الحزب الجمهوري يلومون "نتنياهو" على جر "الولايات المتحدة" لحرب قامت على افتراضات خاطئة. وقال "ستيف بانون" أحد منظري الجناح اليميني ومستشار "ترامب" السابق: «لقد جرنا نتنياهو إلى صراعٍ مروع مليء بالأكاذيب والناس يرون بأم أعينهم ما يحدث». وهناك شعور بأن "الولايات المتحدة" خسرت الحرب في "إيران"، وكلما اعترفت سريعا، سهل عليها التفكير بما يجب عليها فعله، كما أشارت مجلة «ذي اتلانتك» (23/7/2024) وأن "الولايات المتحدة" لم تحقق أيا من أهدافها السياسية في الحرب مع "إيران"، بل وخلقت وضعا في تموز/يوليو أسوأ بكثير من الوضع قبل الحرب. وقالت إن "الولايات المتحدة" لا تملك حلا عسكريا فعالا لمشكلة مضيق "هرمز". ومن هنا يجب على إدارة "ترامب" أن تعترف بهزيمتها حتى تتمكن من التركيز على منع تداعيات هذه الهزيمة المحرجة، من الانتشار خارج الخليج العربي. ويتطلب ذلك إعادة النظر في بعض الأساسيات، مثل كيفية وصول نفط المنطقة إلى الأسواق العالمية وكيفية خوض "الولايات المتحدة" للحروب وردع "إيران" عن إثارة المشاكل للمصالح الأمريكية في المستقبل. وقالت إن أمريكا خسرت عامل الردع بعدما نفذت تهديدها، وهي بحاجة إلى أفكار جديدة لإعادة ترسيخ الردع مع "إيران". وتعتقد المجلة أن المروجين لهذه الحرب، بمن فيهم هيئة تحرير صحيفة «وول ستريت جورنال» والمتشددين في مراكز الأبحاث المختلفة في "واشنطن"، حصلوا على كل ما طلبوه. وكانت النتيجة كارثية. فما العمل الآن؟ وقال "هوارد فرينتش" في «فورين بوليسي» (23/7/2026) إنه طالما كان هدف "طهران" الأسمى في هذا الصراع هو ببساطة عدم الاستسلام لـ"الولايات المتحدة"، بدلا من هزيمتها بأي شكل من الأشكال العسكرية التقليدية، فمن الصعب تصور كيف يمكن إجبار القيادة الإيرانية على الانصياع لرغبات "الولايات المتحدة". وأضاف أن الحرب الأخيرة كشفت عن عدم فعالية شبكة العلاقات العسكرية والسياسية المعقدة التي بنتها "واشنطن" في العالم العربي على مدى الجيلين الماضيين والتي أصبحت واقعة ضمن أنظمة الأسلحة الإيرانية، سواء الصواريخ الباليستية أو طائرات الهجوم المسيرة الرخيصة الثمن ولكنها فعالة. ومما زاد الطين بلة، أن فعالية هذه الأنظمة بدت وكأنها قد تعززت بفعل استنزاف مخزونات الدفاع الصاروخي الأمريكية، فضلا عن الأضرار التي لحقت بأنظمة الرادار الأمريكية في المنطقة. وأضاف أن قلة من السياسيين الأمريكيين مستعدون حتى الآن للتفكير في ما يتطلبه حل هذه الأزمة، رغم أن الحل كان واضحا للعيان لعقود. وبالرغم من أن هذا قد يبدو غير مستساغ للكثيرين في أوساط السياسة الخارجية، إلا أنه يعني الاعتراف بشرعية الحكومة الإسلامية الإيرانية وتقديم ضمانات أمنية قوية للبلاد في المستقبل ضد أي هجوم أمريكي أو إسرائيلي. وحتى هذه اللحظة، تكون "واشنطن" قد جربت كل ما يمكن تصوره تقريبا ضد "إيران". لا يقتصر هذا على الحملتين الأخيرتين فحسب، بل يشمل أيضا قرارات "الولايات المتحدة" السابقة بالتغاضي عن تطوير "إسرائيل" لبرنامج أسلحة نووية، وتسليح "العراق" في حربه مع "إيران" في ثامنينيات القرن الماضي، وتشكيل تحالف من الدول العربية المدعومة من "الولايات المتحدة" ضد "إيران"، وفرض عقوبات اقتصادية قاسية طويلة الأمد. وفي آخر التطورات، فتحت "الولايات المتحدة"، نظريا، الباب أمام "السعودية"، الخصم التاريخي لـ"إيران"، لامتلاك أسلحة نووية يوما ما، وذلك بعرضها تعاونا أمريكيا شبه غير مقيد مع المملكة لتطوير قطاع الطاقة النووية. ويضيف أن "إيران" ظلت توجه انتقادات لاذعة لـ"إسرائيل" وكادت أن تحول كراهيتها لـ"الولايات المتحدة" إلى عقيدة رسمية، لكن أولئك الذين يستغلون هذه الحقائق لمعارضة الانفراج التدريجي مع "إيران" يتجاهلون دروسًا مهمة من التاريخ. وكما أظهرت الحرب ضد "طالبان" في "أفغانستان" مؤخرًا، قد تأتي اللحظة المناسبة، حتى في الصراع مع أشد الأعداء كراهية، لفضّ النزاع. بالنظر إلى الماضي، يبدو أن هذا درس محوري من دروس القرن العشرين، يكفي أن نتذكر "اليابان" و"ألمانيا"، ولو لفترة وجيزة، "روسيا" التي خلفت الاتحاد السوفييتي. فهذه اللحظة تنتظر رجال الدولة الذين يملكون الخيال والشجاعة لتجربة شيء آخر بعد سلسلة طويلة من الاخفاقات، كما يقول "فرينتش". كما أن استمرار "الولايات المتحدة" أو "ترامب" تحديدا التعويل على الخيار العسكري وأنه قادر بمواصلة الضربات العسكرية على إنهاك النظام الإيراني، يعمي نظر الكثيرين عن واقع تتغير فيه موازين القوى بفعل الحرب. وكما أشار "روبرت بيب" بمقال مهم بمجلة «فورين أفيرز» (24/7/2026) فالمواجهة مع "إيران" تعد مثالا جليا على تحول في موازين القوى. ففي الوقت الذي ساعدت فيه حرب الخليج الأولى وإخراج "صدام حسين" من "الكويت" في مدى 100 ساعة في تحرير "واشنطن" من عقدة هزيمة "فيتنام"، أظهرت هذه الحرب الهيمنة الأمريكية. ومع ذلك فالمواجهة الراهنة حول مضيق "هرمز" تكشف عن حدود القدرة الأمريكية. ونحن بصدد حقبة جديدة تنقلب فيها رأسا على عقب الافتراضات التي سادت في فترة ما بعد الحرب الباردة. وقال "بيب" إنه نادرا ما تؤدي الانتصارات العسكرية الكبرى إلى خلق أنظمة دولية جديدة. غير أن حرب الخليج عام 1991 كانت مختلفة، فقد غيرت توقعات العالم وأقنعت الفجوة الهائلة بين تنبؤات المحللين قبل الحرب وبين الطريقة التي حققت بها "الولايات المتحدة" نصرا حاسما وسريعا، كلا من الحكومات والأسواق والمجتمعات بأن واقعا جديدا قد تشكل. وارتكز ذلك الواقع على أربعة افتراضات: قدرة "الولايات المتحدة" على فرض نتائج عسكرية بدون عناء وامتلاك "واشنطن" تفوقا لا يضاهى في السيطرة على مسار التصعيد، أي القدرة على دحر التهديدات الكبرى بسرعة وبتكلفة منخفضة وضمان القوة الأمريكية لتدفق السلع عبر شرايين التجارة العالمية؛ وأخيرا، حقيقة أن مقاومة القوة الأمريكية كانت أمرا غير مجد في نهاية المطاف. وقد استوعب المنافسون المستقبلبون لواشنطن الدروس المستفادة من حرب الخليج، حيث عكف الضباط الصينيون على دراستها باهتمام بالغ، نظرا لأن الجيش العراقي كان يشبه جيش التحرير الشعبي الصيني. وخلصت "بكين" إلى أن الجيوش الضخمة التي ميزت العصر الصناعي كانت عرضة لمخاطر كبيرة أمام أساليب الحرب الدقيقة. وعلى مدى العقود التالية، قلصت "الصين" أعداد قواتها بشكل كبير وعملت على تحديث أنظمة القيادة، وتوسيع القوات الصاروخية، والاستثمار بكثافة في تكنولوجيات المعلومات. ومن المفارقات أن نجاح النظام الذي أعقب الحرب الباردة هو نفسه الذي أدى إلى تفكك ذلك النظام؛ إذ كانت الثورة التكنولوجية التالية في مجال الحروب نتاجا للتحول الاقتصادي الذي شهدته حقبة ما بعد الحرب الباردة. وعلى مدى العقود الثلاثة التالية، حولت العولمة هذه الأصول العسكرية النادرة إلى منتجات تجارية متاحة على نطاق واسع. فقد أصبحت صناعة أشباه الموصلات واحدة من أكبر الصناعات وأكثرها انتشارا من الناحية الجغرافية في العالم. وفي هذا السياق تجسد المسيرة الإيرانية «شاهد-136» هذا التحول، بدلا من الاعتماد على تكنولوجيا عسكرية باهظة الثمن ومعقدة. والنتيجة هي سلاح دقيق التوجيه جمعت معظم أجزائه بفضل سلاسل التوريد التجارية العالمية ذاتها التي تغذي الاقتصاد الرقمي. وقال إن الحرب مع "إيران" تقود إلى بزوغ فجر ثورة ثانية في مجال الحروب الدقيقة. فإذا كانت الصورة الأبرز التي طبعت أحداث كانون الثاني/يناير 1991 هي صورة قنبلة موجهة بالليزر تخترق فتحة تهوية في "بغداد"، فإن الصورة التي تميّز الحرب مع إيران هي صورة مسيرة صغيرة أحادية الاتجاه وهي تحلق صوب أهدافها في منطقة الخليج. ويقول الكاتب إنه ليس مقدرا لإيران حتما أن تصبح القوة المهيمنة في الشرق الأوسط، فاقتصادها لا يزال ضعيفا وقدراتها العسكرية التقليدية تظل دون مستوى نظيراتها لدى "الولايات المتحدة" و"إسرائيل"، كما أن العديد من الحكومات العربية لا تزال تخشى "طهران" أكثر مما تثق بها. ومع ذلك، فإن نجاحها العملياتي قد يولد فرصا سياسية. ومهما كان الحال، فما حدث في مضيق "هرمز" قد يتكرر على نطاق أوسع في شرق "آسيا". إذ يفترض السيناريو التقليدي للصراع حول "تايوان" أن تفرض "الصين" حصارا بحريا على الجزيرة، ما يضع "تايوان" في حالة حصار. وأضاف الكاتب أن الصراعات المستقبلية قد تندلع بشكل متزايد حول نقاط الاختناق الاقتصادية الرئيسية في العالم، بما في ذلك مضيق "تايوان"، وبحر "الصين" الجنوبي، ومضيق "ملقا"، والبحر الأحمر، ومضيق "هرمز" نفسه، مما سيؤدي تدريجيا إلى رفع تكاليف التجارة الدولية. وفي النهاية، لم يعد التفوق العسكري الأمريكي يضمن تحقيق نتائج سياسية بتكلفة منخفضة.
لا تتبنى الإشراق بالضرورة الآراء والتوصيفات المذكورة.