"فورين أفيرز" تدعو لنظام أمني خليجي بعيداً عن أمريكا!

ishraq

الاشراق


الإشراق | متابعة.

تتصاعد الدعوات داخل دوائر التفكير الغربية لإعادة صياغة النظام الأمني في المنطقة بعيداً عن المظلة الأمريكية التقليدية، وسط تحذيرات من أن استمرار الوجود العسكري الأمريكي لم يعد يوفر الحماية لدول الخليج بقدر ما يجعلها في قلب أي مواجهة مباشرة مع إيران، وأكدت التحليلات الاستراتيجية أن الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد طهران وضعت دول المنطقة أمام واقع أمني لا يحتمل، بعد أن تحولت القواعد الأجنبية من عنصر حماية إلى مصدر تهديد مباشر يعرض البنية التحتية الخليجية ومنشآت النفط لخطر الضربات الردعية الإيرانية، مما يفرض على القادة التخلي عن فرضية شراء الأمن من الخارج والتحرك نحو بناء قدرات دفاعية ذاتية وصياغة توازنات إقليمية مستقلة تلبي مصالح المنطقة.


وفي التفاصيل، نشرت مجلة "فورين أفيرز" الأمريكية مقالاً مطولاً للباحث "ديفيد بي. روبرتس" الأستاذ المشارك في دراسات الشرق الأوسط بكلية كينغز في جامعة لندن تابعته "الإشراق"، أشار فيه إلى أنه رغم التراجع الكبير في القدرات العسكرية الإيرانية، فإن "إيران" ما تزال تحتفظ بقدرات مؤثرة تسمح لها بتهديد دول الخليج واستهداف مصالحها الحيوية، فضلاً عن استمرار سيطرتها الفعالة على مضيق هرمز الذي يمثل شرياناً أساسياً لتجارة الطاقة العالمية، ولفت الكاتب إلى أن الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" قد يقبل بأي اتفاق يمكن تصويره داخلياً باعتباره انتصاراً سياسياً، كما أنه قد يتجه في المقابل إلى مزيد من التصعيد العسكري، إلا أن دول الخليج ستكون الخاسر الأكبر في كلا السيناريوهين، سواء عبر استمرار الحرب أو عبر تفاهمات أمريكية إيرانية لا تراعي مصالحها المباشرة، وتابعت المجلة أن قادة الخليج مطالبون بالتوقف عن انتظار "واشنطن" لصياغة مستقبل المنطقة نيابة عنهم، والبدء في رسم هذا المستقبل بأنفسهم، موضحة أن الخروج من الأزمة الحالية يتطلب التخلي عن الفرضية التي حكمت أمن الخليج طوال قرن كامل، والمتمثلة في اعتبار الأمن سلعة يمكن شراؤها من الخارج بدلاً من بنائه محلياً، وأضافت أن أي نظام أمني جديد في الخليج يجب أن يقوم على تعامل دول المنطقة بنفسها مع "إيران"، لا عبر وسطاء دوليين أو مظلات عسكرية أجنبية، وأكدت أن أي اتفاق إقليمي بين دول الخليج و"إيران" ينبغي أن يتخذ شكل معاهدة شاملة يكون الانسحاب التدريجي للقوات الأمريكية من القواعد الخليجية أحد أعمدتها الرئيسية، مقابل تقديم "إيران" سلسلة واسعة من التنازلات تشمل فرض قيود على برامجها النووية والصاروخية، ووقف سياسات التصعيد الإقليمي، واتخاذ خطوات فعلية نحو تطبيع العلاقات الدبلوماسية مع جيرانها الخليجيين، وشددت المجلة على أن الانسحاب الأمريكي المقترح لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره تراجعاً فرضته الضغوط الإيرانية أو نتيجة هزيمة استراتيجية، بل باعتباره خطوة مدروسة لإعادة صياغة التوازنات الأمنية في المنطقة، وأوضحت أن "طهران" طالما اعتبرت الوجود العسكري الأمريكي تهديداً وجودياً وأحد الأهداف الأساسية لعقيدتها الردعية، ولذلك فإن إزالة هذا الوجود بصورة تدريجية ومنظمة قد تفتح الباب أمام تفاهمات أكثر استقراراً، ورأت المجلة أن إعادة ضبط العلاقات الخليجية الإيرانية بشكل جذري قد تؤسس لحظة وستفالية خليجية، في إشارة إلى معاهدة وستفاليا الأوروبية عام 1648 التي أرست مفهوم سيادة الدولة وبناء التوازنات الإقليمية من داخل المنطقة نفسها لا عبر الهيمنة الخارجية، لكن المجلة أوضحت أن التسوية السياسية وحدها لن تكون كافية لإنجاح هذا التحول، معتبرة أن دول الخليج مطالبة أيضاً بإعادة تأهيل جيوشها وتطوير قدراتها القتالية الفعلية، وأشارت إلى أن الأنظمة الخليجية اعتمدت لعقود طويلة على شركاء دوليين لتوفير الحماية، الأمر الذي انعكس على طبيعة جيوشها التي أصبحت تركز أكثر على الرسائل الدبلوماسية والحفاظ على التحالفات السياسية بدلاً من تطوير عقائد عسكرية حقيقية قادرة على مواجهة التحديات الإقليمية، وفي هذا السياق، استعرضت المجلة سلسلة من السوابق التاريخية التي رأت أنها تؤكد محدودية الاعتماد على القوى الخارجية، مشيرة إلى أن "بريطانيا" تنازلت عام 1922 عن ثلثي الأراضي الكويتية، كما تخلت عن حلفائها في "اليمن" خلال ستينيات القرن الماضي، وعندما سحبت قواتها من الخليج عام 1971 بعد وجود استمر نحو 150 عاماً، رضخت لسيطرة "إيران" على الجزر الإماراتية الثلاث، وأضافت أن سجل "الولايات المتحدة الأمريكية" لم يكن أكثر طمأنة لحلفائها الخليجيين، موضحة أن "واشنطن" وقفت مكتوفة الأيدي عام 1979 عندما أطاحت الثورة الإيرانية بحليفها الرئيسي في المنطقة شاه إيران، كما لم تقدم دعماً حاسماً لحلفائها في "البحرين" و"مصر" خلال أحداث الربيع العربي، كذلك امتنعت "الولايات المتحدة" عن الرد بشكل فعّال بعد الهجوم الذي استهدف منشآت أرامكو في بقيق عام 2019 رغم اتهام "إيران" بالوقوف خلفه، كما أشارت المجلة إلى أن "قطر" الحليف الرئيسي لـ"واشنطن" تعرضت عام 2025 لهجمات إيرانية وإسرائيلية منفصلة دون أن يمنع تحالفها العسكري مع "الولايات المتحدة" وقوع تلك الضربات، ورأت المجلة أن المثال الوحيد الذي كثيراً ما تستند إليه دول الخليج للدفاع عن جدوى الحماية الأمريكية يتمثل في تحرير "الكويت" عام 1991، لكنها اعتبرت أن قادة الخليج يبالغون في تفسير أهمية ذلك الحدث، موضحة أن التدخل الأمريكي آنذاك جاء لخدمة المصالح الأمريكية في لحظة الهيمنة الأحادية بعد نهاية الحرب الباردة، وليس باعتباره التزاماً دائماً بالدفاع عن الخليج، وأكدت المجلة أن أزمة الحماية الخارجية ليست سوى جزء من مشكلة أعمق تتعلق بضعف الجدية العسكرية الخليجية، مشيرة إلى أن دول الخليج، كما هو الحال في بعض الدول الأوروبية، عاشت طويلاً تحت وهم استمرار الحماية الأمريكية إلى ما لا نهاية، وأضافت أنه لا يوجد أي مبرر استراتيجي لعدم تطوير دول الخليج قدرات متقدمة لكشف الألغام البحرية رغم اعتماد اقتصاداتها بشكل شبه كامل على حركة الملاحة عبر مضيق هرمز واستمرار التهديدات الإيرانية بزراعة الألغام فيه، وأوضحت أن هذه المهمة الحيوية تُركت لعقود لكل من "بريطانيا" و"الولايات المتحدة"، وهو ما وصفته بترتيب مصيري خاصة بعدما سحبت "بريطانيا" كاسحات الألغام التابعة لها من الخدمة قبل الحرب، فيما بدأت "الولايات المتحدة" عملياتها ضد "إيران" باستخدام كاسحات ألغام موجودة على بعد آلاف الأميال من الخليج، وأكدت المجلة أن "لندن" و"واشنطن" اتخذتا تلك القرارات وفقاً لحساباتهما ومصالحهما الخاصة وليس وفقاً لمصالح دول الخليج، ورغم ذلك، أشادت المجلة ببعض التجارب العسكرية الخليجية التي وصفتها بالنوعية وعلى رأسها عملية الإنزال البرمائي التي نفذتها "الإمارات" في مدينة عدن اليمنية عام 2015، معتبرة أنها كانت من أكثر العمليات تعقيداً في التاريخ العسكري العربي الحديث، كما أشارت إلى أن مشغلي أنظمة الدفاع الصاروخي في الخليج يتمتعون بمستويات عالية من الكفاءة والخبرة القتالية خاصة أنهم من أكثر الجيوش احتكاكاً بالمعارك الصاروخية على مستوى العالم، وأضافت أن جيوش الخليج أثبتت قدرتها على أداء مهام معقدة في غياب الدعم الدولي المباشر، إلا أن المطلوب حالياً هو تعميم هذه النماذج الناجحة قبل أن تكشف الأزمات المقبلة عن الثغرات العسكرية القائمة، معتبرة أن الانسحاب الأمريكي المحتمل قد يشكل دافعاً غير مسبوق لدول الخليج لتطوير قدراتها الذاتية، وأشارت المجلة إلى أن بعض المسؤولين الخليجيين ما يزالون يضغطون سراً على "واشنطن" من أجل إنجاز المهمة ضد "إيران" عبر القضاء على قدرتها على تهديد مضيق هرمز أو دعم الجماعات الحليفة أو استهدف البنية التحتية الخليجية، لكنها أوضحت أن الرهان على انهيار النظام الإيراني عبر الضغوط العسكرية وحدها لا تدعمه التجارب التاريخية، مذكّرة بأن الجمهورية الإسلامية نجت من حرب استمرت ثماني سنوات مع "العراق" وأسفرت عن مقتل مئات الآلاف وتدمير واسع للاقتصاد الإيراني، كما صمدت أمام عقود من العقوبات الدولية وحملات الاغتيال الإسرائيلية، وأضافت المجلة أنه رغم أشهر طويلة من القصف المكثف ما يزال النظام الإيراني قائماً وقادراً على إطلاق الطائرات المسيّرة والصواريخ ضد خصومه، معتبرة أن السؤال الحقيقي لم يعد ما إذا كانت الحرب ستنتهي بل متى ستنتهي وهل سيكون ذلك بعد أشهر أم سنوات من الاستنزاف، وأكدت أن التاريخ يشير إلى أن الخصوم الإقليميين ينتهون في الغالب إلى حلول وسط بعد مراحل طويلة من الصراع كما حدث سابقاً بين "إيران" ودول الخليج، داعية إلى استغلال اللحظة الحالية قبل تحول الحرب إلى كارثة إقليمية شاملة، وفي هذا الإطار، اقترحت المجلة التوصل إلى معاهدة إقليمية تنسحب بموجبها "الولايات المتحدة" تدريجياً من قواعدها في الخليج مقابل تنازلات إيرانية مقابلة، معتبرة أن هذه المعاهدة يمكن أن تؤسس لنظام أمني جديد تحدد فيه دول الخليج شروط أمنها بنفسها بدلاً من الاعتماد على داعمين خارجيين قد لا تتطابق مصالحهم دائماً مع مصالح المنطقة، وأوضحت أن الانسحاب الأمريكي التدريجي خلال خمس سنوات يمكن أن يزيل أحد أهم العوامل البنيوية المسببة لانعدام الأمن في الخليج ومغادرة القواعد الرئيسية.

(( لا تتبنى الإشراق بالضرورة الأراء والتوصيفات المذكورة )).

Copyright © 2017 Al Eshraq TV all rights reserved Created by AVESTA GROUP