03/03/2026
دولي 13 قراءة
صقور القارّة يلتحقون بواشنطن .. «تنظيف» المسرح مهمّة أوروبية!

الاشراق
الاشراق | متابعة.
يواجه المسرح السياسي العالمي تحوّلات جيوسياسية حادّة إثر انطلاق العدوان الأميركي - الإسرائيلي على إيران مطلع آذار، ومقابلة طهران ذلك باستهداف كيان الاحتلال بصواريخها وطائراتها المُسيّرة، إضافة إلى قواعد أميركية ومصالح حيوية منتشرة في دول الخليج وشمال العراق والأردن، وصولاً إلى أهداف عسكرية تابعة للمملكة المتحدة في جزيرة قبرص. وفي هذا السياق المُعقّد والمتقلّب، بدا جلياً واقع التهميش الاستراتيجي للقارة القديمة؛ إذ احتكرت واشنطن وتل أبيب عمليات التخطيط الاستراتيجي واتّخاذ قرار الحرب بمعزل تامّ عن العواصم الأوروبية، فيما اقتصر الدور الأوروبي على تلقّي الصدمات ومحاولة استيعاب التداعيات المتسارعة، لتتحوّل القارّة بهذا من دور الفاعل والشريك الاستراتيجي إلى مجرّد مراقب يسعى حثيثاً لإدارة الأزمات الناتجة من قرارات اتُّخذت من دون معرفته، ولا سيما أزمات الطاقة المتدحرجة، واضطرابات الملاحة، وضرورات إجلاء مئات الآلاف من المواطنين الأوروبيين العالقين في بؤر التوتر.
بريطانياً، اكتفت لندن، في الساعات الأولى، بموقف المراقب عن بعد، مؤكّدة بقاءها خارج إطار العدوان الأميركي - الإسرائيلي. إلّا أنه مع تسارع وتيرة الأحداث، وتزايد المخاطر المحدقة بالرعايا والجنود البريطانيين في المنطقة، اتّخذ رئيس الوزراء، كير ستارمر، قراراً بالسماح للقوات الأميركية باستخدام القواعد العسكرية البريطانية في جزيرة قبرص، وتحديداً قاعدة «أكروتيري» الجوّية، وذلك بغرض توفير منصات انطلاق لتدمير مخازن الصواريخ الإيرانية ومواقع إطلاق الطائرات المُسيّرة. وردّاً على هذا القرار، سارع الإيرانيون إلى استهداف «أكروتيري» بطائرات مُسيّرة مفخّخة، ما دفع السلطات إلى إعلان حالة التأهب القصوى وإطلاق صفارات الإنذار، بالتزامن مع إخلاء مطار بافوس المدني المجاور.
ويواجه ستارمر الآن عاصفة سياسية عاتية وانقساماً برلمانياً حاداً؛ إذ يطالب قادة تيّار اليسار، ولا سيما «حزب الخضر» الصاعد نجمه، بالابتعاد التامّ عن العمليات العسكرية، واصفين التحرّكات الأميركية بأنها انتهاك لقواعد القانون الدولي. وفي المقابل، يمارس تيّار اليمين المتمثّل في «حزب الإصلاح» وقيادات «المحافظين» ضغوطاً هائلة على الحكومة لتقديم دعم عسكري مطلق ومفتوح للإدارة الأميركية، مشدّدين على ضرورة الوقوف بحزم إلى جانب واشنطن في معركتها الحالية. وما بين التيارَين، اختار وزير الدفاع البريطاني، جون هيلي، تبنّي لهجة حازمة تجاه طهران، واصفاً النظام الإيراني بأنه «مصدر الشرور وراعي الإرهاب»، ومبرّراً التحرّكات العسكرية البريطانية بضرورات حماية الأرواح والمصالح الوطنية المنتشرة في المنطقة.
الانقسام نفسه ساد البرّ الأوروبي، حيث تصدّرت إسبانيا جبهة معارضة صريحة وعلنية للتحرّكات الأميركية - الإسرائيلية ضدّ إيران؛ ووصف رئيس وزرائها، بيدرو سانشيز، تلك التحرّكات بـ«الأحادية، الخطيرة والمتعارضة تماماً مع أحكام القانون الدولي»، فيما حذّرت الحكومة الإسبانية من التبعات الكارثية للعدوان، والتي «ستؤدي إلى خلق نظام عالمي تسوده الفوضى والعداء»، مطالِبة بالعودة الفورية إلى طاولات المفاوضات والحلول الدبلوماسية. كذلك، أبدت الحكومة السلوفينية توافقاً تاماً مع الرؤية الإسبانية، محذّرة من انزلاق المنطقة نحو حرب إقليمية واسعة النطاق. وعلى النقيض من ما تقدّم، اختارت دول المركز الأوروبي، وتحديداً ألمانيا وفرنسا، مساراً مختلفاً يغلّب اعتبارات عضويتها في التحالف الأطلسي، إذ أصدرت برلين وباريس، بالاشتراك مع لندن، بياناً ثلاثياً يعلن الاستعداد التامّ لاتخاذ خطوات دفاعية حاسمة لحماية الحلفاء الإقليميين، بما يشمل تدمير القدرات الصاروخية الإيرانية في مواقع إطلاقها. وحرص المستشار الألماني، فريدريش ميرتس، على تجنّب توجيه أيّ انتقاد إلى الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، مفضّلاً التركيز على متانة العلاقات عبر «الأطلسي»، وحاجة أوروبا الماسّة إلى الدعم الأميركي المستمرّ في ملفّات حيوية أخرى، على رأسها الحرب الدائرة في القارة الأوروبية. وسار الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، على الدرب ذاته، مندّداً بالردّ الإيراني، ومبدياً استعداد بلاده لنشر موارد عسكرية إضافية لضمان ما سمّاه «أمن الشركاء في الشرق الأوسط».
امتدّت آثار التصعيد العسكري لتضرب شرايين الاقتصاد الأوروبي بقسوة
أمّا في روما، فأفرزت الأزمة تداعيات سياسية داخلية مُحرِجة، وذلك على وقع فضيحة سياسية أبطالها أقطاب الحكومة الإيطالية، إذ تصاعدت المطالبات البرلمانية بإقالة وزير الدفاع، جويدو كروسيتو، الذي تَبيّن تواجده في عطلة سياحية في مدينة دبي تزامناً مع اندلاع الهجمات الصاروخية الإيرانية. وممّا زاد من حدّة الغضب الشعبي والسياسي، عودة الوزير وحيداً على متن طائرة حكومية خاصة، وتركه آلاف المواطنين الإيطاليين عالقين في مطارات الإمارات، وسط توقف تامّ لحركة الطيران. واعتبرت أحزاب المعارضة، وعلى رأسها «حركة النجوم الخمس»، هذا التصرّف دليلاً قاطعاً على التقصير الحكومي الفادح وغياب الاستعداد للتعامل مع الأزمات الطارئة. وفي الانتقال إلى دول وسط أوروبا وشرقها، من مثل جمهورية التشيك وسلوفاكيا، فاعتمدت مقاربات براغماتية بحتة تركّز على حماية أرواح مواطنيها وتجنّب التورط في الجدل السياسي الدائر. وسارعت حكومتا براغ وبراتيسلافا إلى إطلاق جسور جوية عاجلة وتسيير رحلات إجلاء مكثّفة لإنقاذ السياح والمقيمين من النقاط الساخنة، خاصة في مصر والأردن وسلطنة عمان، في حين استغلّت هنغاريا الاجتماعات الدبلوماسية الطارئة في العاصمة البلجيكية لتسليط الضوء على أزماتها الثنائية المتعلّقة بخطوط أنابيب النفط الروسية وخلافاتها المستعرة مع أوكرانيا، متسبّبةً في تعطيل صدور بيانات أوروبية موحّدة.
وفي تلك الأثناء، شهد مقرّ الاتحاد الأوروبي في بروكسل حراكاً دبلوماسياً مكثّفاً هدف إلى بلورة موقف قاري منسجم، فيما سارعت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، إلى تشكيل هيئة أمنية طارئة مخصّصة لتقييم الموقف واستشراف السيناريوات المستقبلية، داعية إلى إرساء انتقال سياسي حقيقي في إيران ووقف البرامج النووية والصاروخية. وتولّت كايا كالاس، مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد، من جهتها، مهمّة التحذير من مغبّة التصعيد الإقليمي، مؤكدة أولوية الحفاظ على حرية الملاحة في الممرّات المائية الاستراتيجية، وتحديداً مضيق هرمز الحيوي. إلّا أن كواليس الاجتماع الوزاري الطارئ لدول التكتّل، كشفت عن صعوبات بالغة في صياغة بيان ختامي موحّد، بعدما أصرّت دول معارِضة للعمليات العسكرية، كإسبانيا، على تضمين فقرات صريحة تشدّد على ضرورة الالتزام بالقواعد والقوانين الدولية، في رسالة موجّهة إلى الإدارة الأميركية. وفي ما بعد، أفضت مفاوضات شاقّة إلى صدور بيان توافقي يركّز على ضرورة ضبط النفس، وحماية المدنيين، وتأمين عمليات الإجلاء الواسعة.
إلى ذلك، امتدّت آثار التصعيد العسكري لتضرب شرايين الاقتصاد الأوروبي بقسوة؛ إذ واجهت الأسواق المالية والتجارية في القارة اضطرابات واسعة النطاق، على وقع الارتفاع الصاروخي لأسعار الطاقة العالمية. وفي حين سجّلت العقود الآجلة لخام برنت قفزات قياسية ومُقلِقة، ضربت زيادة حادّة تجاوزت العشرين بالمئة أسعار الغاز الطبيعي الأوروبي. وتتغذّى هذه الارتفاعات من مخاوف جدّية وحقيقية من تعطّل إمدادات الغاز المُسال القادمة من دولة قطر، وتوقّف حركة الملاحة التجارية بالكامل في مضيق هرمز الاستراتيجي. ومن شأن ذلك أن يضع مؤسّسات صنع القرار المالي، وعلى رأسها البنك المركزي الأوروبي، أمام اختبار صعب للغاية، حيث تهدّد أسعار الطاقة المرتفعة بعودة معدّلات التضخم إلى مستويات قياسية، وهو ما يفرض ضغوطاً هائلة للإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة، ويهدّد بتعميق التباطؤ الاقتصادي في دول منطقة اليورو. وعلى هذه الخلفية، حذّرت بنوك كبرى ومؤسسات استشارية من سيناريوات قاتمة، تتضمّن وصول سعر برميل النفط إلى حاجز المئة دولار، مؤكدة انكشاف الاقتصاد الأوروبي الضعيف أمام صدمات الطاقة المباغتة.
إلى جانب ما تَقدّم، سُجّل شلل شبه تامّ في قطاع الطيران والملاحة الجوية، حيث اضطرّت كبرى شركات الطيران الأوروبية الرائدة، من مثل الخطوط الجوية البريطانية ومجموعة «لوفتهانزا» والخطوط الجوية الفرنسية، إلى إعلان تعليق واسع لرحلاتها المتجهة إلى الشرق الأوسط وتعديل مسارات العبور الجوي. وتسبّب هذا الإغلاق الشامل للمجالات الجوية المتعدّدة في احتجاز آلاف الركاب والسياح الأوروبيين في صالات المطارات الإقليمية، وخاصة في دبي، حيث يُنتظَر تنفيذ خطط إجلاء بديلة ومُعقّدة تعكف وزارات الخارجية الأوروبية على ترتيبها حالياً، بالتعاون الوثيق مع السلطات المحلّية في دول الخليج. وانعكست هذه الأزمة فوراً على أداء أسواق الأسهم الأوروبية، التي تراجعت من بينها أسهم شركات السفر والسياحة والطيران بشكل حادّ وقوي.
بقلم سعيد محمد.