18/02/2026
ثقافة و فن 22 قراءة
قضية إبستين: الحاضنة المثالية لنظريات المؤامرة

الاشراق
الاشراق | متابعة.
تحوّلت قضية جيفري إبستين إلى نقطة محورية تغذّي نظريات المؤامرة في أنحاء مختلفة من العالم. فالرجل الذي ارتبط اسمه بشبكة معقّدة من العلاقات السياسية والاجتماعية مع نخبة من أبرز الشخصيات، مثل بيل كلينتون ودونالد ترامب والأمير أندرو وبعض الشخصيات الأكاديمية، لم يُنظر إليه فقط كمدان بالاعتداء الجنسي والاتجار بالبشر، بل أصبح محوراً لسرديات مؤامراتية أوسع تتجاوز الوقائع الجنائية إلى تأويلات سياسية واستخباراتية متداولة في الفضاء العام، ترى في القضية أبعاداً تتجاوز ما ثبت قضائياً.
تعود جذور الاهتمام بنظريات المؤامرة إلى القرن الثامن عشر، حين وصف الكاهن الفرنسي أوغستين بارويل الثورة الفرنسية بأنها مؤامرة سرية للمتنورين، في مثال مبكر على ميل البشر إلى تفسير الأحداث الكبرى باعتبارها مخططات تديرها جماعات خفية، كما يوضّح المؤرخ والصحافي النرويجي أولي ريتسبو في كتابه "ألف عام من نظريات المؤامرة". عبر القرون، طوّرت أوروبا نظريات مؤامرة استهدفت جماعات وأقليات مختلفة، وغالباً ما استُخدمت هذه السرديات في سياقات سياسية واجتماعية لتفسير الأزمات أو تبرير السيطرة.
في العصر الحديث، تحوّلت قضية جيفري إبستين إلى نموذج حي لكيفية تغذية هذا النوع من التفكير. إذ وُضع الخبير المالي في قلب شبكة علاقات واسعة مع شخصيات بارزة وسياسات عالمية، وأصبحت جزيرته الخاصة رمزاً للقوة الخفية في خطاب منظّري المؤامرة. وانتشرت تفسيرات تتراوح بين الحديث عن صفقات استخباراتية أو تحقيق مصالح خارجية لدول مثل روسيا أو إسرائيل، لتُطرح لقاءاته مع شخصيات مثل الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون والحالي دونالد ترامب ضمن سرديات مؤامرة عالمية، رغم نفي كثير من هذه الشخصيات أي تورط مباشر.
ومع الوقت، اتسعت دائرة الشكوك في الخطاب الشعبي لتشمل أسماء مثل عالم الفيزياء ستيفن هوكينغ (1942 ــ 2018)، والأميرة النرويجية ميت ماريت، والأمير البريطاني أندرو، وزعماء ووزراء وصحافيين، ما عزّز لدى بعض الجمهور تصور وجود نخبة دولية سرية تتحكّم في العالم، رغم غياب الأدلة على هذه الادعاءات ونفي الشخصيات المعنية أي تورط.
أخذت القضية بعداً رقمياً جديداً مع نشر كمّ هائل من الوثائق والرسائل الإلكترونية المرتبطة بإبستين، إذ بدأ منظّرو المؤامرة تفسير كل كلمة أو تفصيل باعتباره رمزاً مشفّراً. ذُكرت كلمة "بيتزا" مثلاً نحو 900 مرة في هذه المراسلات، ما دفع بعضهم إلى ربطها بنظرية "بيتزاغيت" التي تزعم استخدام الكلمة كرمز للمواد الإباحية للأطفال.
يتغذى هذا النوع من التفكير على عوامل تاريخية ونفسية واجتماعية، منها فقدان الثقة بالمؤسسات الرسمية في الولايات المتحدة بعد اغتيال جون كينيدي عام 1963 وحرب فيتنام وأحداث 11 سبتمبر 2001، إضافة إلى الجاذبية النفسية لفكرة المؤامرة التي تمنح شعوراً بالقدرة على تفسير الفوضى. كما ساهم الانتشار السريع لوسائل التواصل الاجتماعي في تسريع تداول هذه السرديات، وتحويل الرموز الرقمية والرسائل المتداولة إلى مادة دائمة لإعادة التأويل.
استفادت حركات عدة من قضية إبستين، أبرزها "كيو أنون" التي نشأت على الإنترنت خلال رئاسة دونالد ترامب الأولى، إذ ربطت القضية بفكرة وجود "نخبة شيطانية" تستغل الأطفال وتسيطر على الحكومات العالمية. وبذلك تحوّل المجرم الجنائي في خطاب هذه الحركات إلى رمز للفساد العالمي و"النظام العالمي الخفي" الذي تروّج له.
وساهم الغموض الذي أحاط بالتحقيقات عقب وفاة إبستين داخل زنزانته في تعزيز التكهنات، وفتح المجال أمام روايات تقول إن موته لم يكن انتحاراً كما خلصت التحقيقات الرسمية، بل نتيجة اغتيال نفذته جهات متورطة في فضيحته. وربطت بعض هذه السرديات الأمر بأجهزة استخباراتية مثل الموساد أو فرضيات تهريبه، وهي روايات لا تستند إلى أدلة موثوقة لكنها تعكس تأثير القضية في تصورات الجمهور عن السلطة والمخاطر الخفية.
وما يلفت في هذه القضية هو تحوّل نظريات المؤامرة من كونها تفسيرات تستهدف جماعات معارضة للسلطة إلى سرديات تُصوّر السلطة نفسها بوصفها مصدر المؤامرات ضد الجمهور. ويعكس هذا التحول تزايد مشاعر عدم الثقة بالمؤسسات الرسمية، خصوصاً بعد أزمات سياسية متلاحقة جعلت الجمهور أكثر تقبلاً لفكرة أن الحكومات قد تخفي حقائق أو تستغل نفوذها لأهداف خفية.
في النهاية، تبدو قضية جيفري إبستين أكثر من مجرد فضيحة جنائية؛ فهي مثال واضح على دور الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي في تغذية نظريات المؤامرة المتعلقة بالسلطة والأسرار. فمن شبكة العلاقات التي أحاطت بإبستين إلى الرموز الرقمية التي جرى تفسيرها باعتبارها أدلة على مؤامرة أوسع، وصولاً إلى تفسيرات موته الغامضة، تكشف القضية عن تأثير الإعلام الرقمي في تشكيل قناعات الجمهور حول السلطة والفساد. وبينما تزداد شعبية حركات مثل "ماغا" و"كيو أنون"، تصبح قضية إبستين درساً في كيفية تحوّل حقيقة جنائية صادمة إلى رمز واسع يُغذي الأساطير ويعيد تشكيل تصورات الواقع. وفي الوقت نفسه، تبقى القضية مفتوحة على أسئلة عديدة تتطلب بحثاً وتدقيقاً بعيداً عن سرديات المؤامرة.
ناصر السهلي