18/02/2026
مال و آعمال 26 قراءة
أسرار وثائق إبستين "الاقتصادية" أخطر من فضائح السياسة

الاشراق
الاشراق | متابعة.
انكب الباحثون والفضوليون على وثائق شبكة الملياردير اليهودي الأميركي جيفري إبستين وملفاته، وانهمك الجميع في البحث عن الفضائح الجنسية والمتورطين فيها من السياسيين والمشاهير، لكن لم ينبه أحد إلى خطورة ما حملته تفاصيل بعض الوثائق من أسرار وفضائح "اقتصادية"، وعمليات بيزنس واجتماعات عقدت فيها صفقات ومؤامرات لتحقيق مكاسب بالمليارات ونهب ثروات دول وشركات، فضلاً عن دور المال في "الابتزاز" و"السيطرة" على رجال أعمال وسياسيين.
تقارير وتحقيقات موثوقة وأرشيف وثائق صادرة عن وزارة العدل الأميركية وأطراف أخرى تتعلق بجيفري إبستين كشفت جوانب اقتصادية ومالية، وارتباطات أوسع من مجرد جرائم جنسية. الوثائق والروايات المتصلة بها كشفت أن إبستين كان له علاقات مالية مع مسؤولين عالميين، وشخصيات وشركات كبرى ولديه علاقات مصرفية واسعة ونشاطات مالية غير مفهومة بالكامل.
شبكات الأثرياء والنفوذ
كان أول من كشف ضمناً خبايا "شبكات الأثرياء والنفوذ" هي الضحية ماريا فارمر (Maria Farmer) كونها واحدة من أوائل المُبلّغات والناجيات اللواتي اتهمن جيفري إبستين وشريكته جيزيل ماكسويل بالاعتداء والاستغلال الجنسي، وفضحت ما يفعله رجال أعمال يعملون معه، لذا تعتبر شهادتها هامة ضمن وثائق إبستين التي نشرت وزارة العدل الأميركية قرابة ثلاثة ملايين ورقة منها.
فارمر كشفت في شهادتها أن شبكة إبستين كانت مرتبطة بمجموعة تسمى "ميغا" (Mega Group)، وهي نادٍ سري يضم مليارديرات مؤيدين لإسرائيل أسسه ليزلي ويكسنر وتشارلز برونفمان، وقالت: إن المجموعة دعمت عمليات إبستين على أنه شكل من أشكال النفوذ الاقتصادي والسياسي المؤيد لإسرائيل، حتى إنهم عقدوا صفقات سلاح إسرائيلية مع دول أخرى ووقعوا عقوداً، وبعد شهادتها توالي كشف أسرار هذه المجموعة والصفقات التي تجريها.
وكان مما قالته ماريا فارمر في مقابلات صحافية يدور عن الفضائح الاقتصادية ومجموعة ميغا، مثل قولها إن "إبستين لم يكن مجرد متحرش بل جزء من شبكة نفوذ ومال، والمسألة أكبر من جرائم فردية، بل هناك حماية بسبب ارتباطه بأصحاب ثروات ونفوذ". تحدثت عن غموض مصادر ثروته وكيف كان يتحرك داخل دوائر مالية وسياسية مغلقة.
وقالت عن مجموعة ميغا إن إبستين كان قريباً من شبكات مانحين ومليارديرات، وإن هناك دوائر مغلقة من الأثرياء بعضها تحمي بعضاً ولها نفوذ سياسي واقتصادي. والملياردير الأميركي والداعم البارز لإسرائيل، ليزلي ويكسنر (عضو جماعة ميغا) كان العميل الرئيسي لإبستين لعقود، ومنحه توكيلاً عاماً، ويُزعم أن إبستين، من خلال مؤسسة ويكسنر، سهل دفع مبلغ 2.3 مليون دولار لرئيس وزراء إسرائيل السابق إيهود باراك مقابل ما سُمي "أعمال بحثية"، لكن الواقع أنها صفقات.
وكان لإبستين أيضاً علاقات وثيقة مع الناشر البريطاني روبرت ماكسويل، وهو عميل معروف للموساد، وعضو في "ميغا"، وهو مع ليزلي ويكسنر، الرئيس التنفيذي لشركة فيكتوريا سيكريت، ساعدا على تأسيس منظمة تروج الأصوات المؤيدة لإسرائيل في مجال الضغط والعمل الخيري ومحاربة مقاطعة إسرائيل.
الأصول الليبية بالخارج في وثائق إبستين
وويكسنر، هو مالك شركة فيكتوريا سيكريت، وكان جزءاً من مجموعة ميغا، وهي مجموعة سرية من المليارديرات شكلها ويكسنر ووريث سيجرام تشارلز برونفمان في عام 1991، وتركز على ستار "الأعمال الخيرية" لإبرام صفقات، ووصف أحد أعضائها اليهود مهمتها بأنها الإيمان بدولة إسرائيل والولاء لها وتوفير الدعم لها.
وأصبح ويكسنر أكبر عميل مالي لإبستين عام 1989، حيث أوكل إليه إدارة أعماله التجارية التي تبلغ قيمتها 1.4 مليار دولار ومؤسسته الخيرية، وهو شاب غير معروف تقريباً في وول ستريت، وبمنحه توكيلاً رسمياً، أُذن لإبستين بصرف شيكات ويكسنر والتبرع بأمواله وإبرام عقود غير معروفة. من ذلك أيضاً الفضيحة المالية التي ربطت إبستين بالسفير البريطاني السابق لدى الولايات المتحدة ووزير التجارة اللورد بيتر ماندلسون، والذي كشفت وثائق وزارة العدل الأميركية أنه زوّد إبستين بمعلومات سرية في أثناء توليه حقيبة التجارة بشأن الوضع الاقتصادي البريطاني، وأن إبستين وضع في حسابه حوالي 75 ألف دولار مقابل هذه المعلومات المالية الضريبية الحكومية البريطانية.
وقد أمر رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، بفتح تحقيق "عاجل" للكشف عن أبعاد العلاقة بين إبستين، واللورد بيتر ماندلسون تزامناً مع إعلان الشرطة البريطانية احتمال فتح تحقيق جنائي رسمي في علاقة إبستين بماندلسون، وتأثيرها على سلوك الأخير عندما كان وزيراً في الحكومة، واستقال اللورد من البرلمان. كما ظهرت علاقة بين إبستين وشركات استثمار كبرى واستشارات مالية وكان مشاركاً في نقاشات ومراسلات مالية مع كبار التنفيذيين في الشركات وتبادل معلومات حول استراتيجيات ضريبية في بنوك سويسرية.
نهب مليارات أصول ليبيا
وتشير رسالة إلكترونية موجّهة إلى إبستين، واردة ضمن الوثائق ومؤرخة في يوليو/تموز 2011، إلى أن الملياردير الأميركي ودائرته المقربة، سعوا إلى استغلال حالة عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي في ليبيا لتحقيق المكاسب ونهب أموالها المجمدة في الخارج.
فقد كشفت الوثائق أن الملياردير جيفري إبستين، المدان بإدارة شبكة دعارة تستهدف الفتيات القاصرات، ناقش مع دائرته المقربة خططاً بالتعاون مع أعضاء سابقين في جهاز الاستخبارات البريطاني "إم آي 6" وجهاز الاستخبارات الإسرائيلي "الموساد" لابتزاز مسؤولين ليبيين والاستيلاء على أصول دولتهم، والتي تقدر بنحو 80 مليار دولار من الأموال الليبية المجمدة دولياً، منها 32.4 مليار دولار في الولايات المتحدة، بذريعة المساعدة على إعادة الإعمار.
ويقدر مسؤولون ليبيون قيمة هذه الأموال بـ 200 مليار دولار موزعة على عدد كبير من الدول الأوروبية في شكل أصول ثابتة وودائع وأسهم وسندات مالية واستثمارات عينية.
صفقات تجارية
كشفت قضية إبستين أيضاً شبكة استغلال جنسي مرتبطة بالنفوذ والمال، تُستخدم غالباً للابتزاز الاقتصادي أو السيطرة، ما دفع كثيرين إلى القول إنه لم يكن يتحرك وحده وإنما يدير "نظامَ ابتزاز عالمياً" أو "مجلساً لإدارة العالم والصفقات"، عبر شبكة نفوذ تضم مليارديرات وساسة كباراً. فقد تضمنت الوثائق قيام المليارديرات المتجمعين في جزيرة إبستين بعقد صفقات تجارية عديدة، وأن الأمر لم يكن مجرد تسلية بقدر ما هو منتدى لإدارة الأعمال والترفيه أيضاً بمغامرات جنسية وضيعة.
ووردت أسماء عدد من كبار الشخصيات ورجال الأعمال في وثائق قضية إبستين، وتواصل شخصيات مؤثرة في السياسة والاقتصاد، والترفيه معه، كما ظهرت وثائق تشير إلى توزيع رشى لأسباب غير معلومة. كما كشفت الوثائق أن وزير التجارة في إدارة ترامب، هوارد لوتنيك، زار جزيرة إبستين الخاصة في الكاريبي لأسباب غير واضحة، وكان إبستين على اتصال متكرر مع المستشارة القانونية والاقتصادية السابقة في البيت الأبيض خلال إدارة أوباما، كاثي روملر، والتي تشغل حاليّاً منصب مستشارة أكبر بنك استثماري عالمي، غولدمان ساكس. وكشفت الوثائق عن أكثر من 50 اجتماعاً شملت اجتماعات مع بعض أغنى الشخصيات وأقواها في العالم، بما في ذلك الملياردير التقني بيتر ثيل، وبيل غيتس، والسيناتور السابق بوب كيري، وضمت أسماء لشخصيات اقتصادية مثل رجل الأعمال إيلون ماسك، ومالك مايكروسوفت بيل غيتس.
وبينت وثائق كيف ساهم إبستين في إبرام العديد من الصفقات بين إسرائيل ودول أخرى، مثل اتفاقية أمنية لشراء منغوليا تكنولوجيا عسكرية وتجسسية إسرائيلية، وبيع تكنولوجيا مراقبة جماعية إلى ساحل العاج، وصداقة وثيقة مع سلطان أحمد بن سليم، رئيس مجلس إدارة موانئ دبي العالمية.
ما علاقة آل روتشيلد؟
كانت هناك وثيقة منشورة ضمن الملفات، مذكور فيها أن جيفري إبستين كان يتلقى دعماً مالياً مباشراً من أريان دي روتشيلد، المصرفية الفرنسية، رئيسة مجلس إدارة مجموعة إدموند دي روتشيلد منذ مارس/ آذار 2023، وزوجة بنيامين دي روتشيلد، رئيس المجموعة. ومجموعة إدموند دي روتشيلد، وهو حفيد اللورد ماير أمشيل روتشيلد، مؤسس عائلة روتشيلد اليهودية الشهيرة التي تسيطر على عدد كبير من المؤسسات المصرفية والإعلامية، تزعم أنها "منظمة خيرية دولية" وهدفها المُعلن دعم المبادرات التعليمية والاجتماعية، لكنها تنشط بشكل مباشر في إسرائيل وفي تمويل قيام المستوطنات اليهودية، لذا فتمويل الصندوق لجيفري إبستين ودفع 25 مليون دولار له سنة 2015، من أجل تنفيذ أمور غامضة، يثير تساؤلات، خاصة أن وثائق أخرى كشفت أن إبستين عميل للمخابرات الإسرائيلية.