الحرب على إيران.. فلسطين وشرعية الثورة والجمهورية!

ishraq

الاشراق

الاشراق | متابعة.

بدأت الولايات المتحدة الأميركية الحرب على إيران بمختلف أشكالها منذ اللحظات الأولى لانتصار الثورة وتأسيس الجمهورية بقيادة الإمام الراحل آية الله الخميني عام 1979، ولم يكن آنذاك لدى الثورة الفتيّة والجمهورية الوليدة برنامج لتوليد الطاقة النووية، ولا برنامج لتصنيع الصواريخ بعيدة المدى، ولا خطة مُحدّدة لدعم المقاومة ضدّ "إسرائيل"، وهي البرامج والخطط المطلوب أميركياً وإسرائيلياً تدميرها وإنهاؤها كأهداف مُعلنة ومُكرّرة للحرب على إيران، ولكن كان ولا يزال لدى إيران الثورة والجمهورية الشيء الأكثر خطورة من هذه البرامج والخطط على المشروع الاستعماري الغربي ضدّ شعوب الأمة في منطقة الشرق الأوسط.

الأكثر خطورة على المشروع الاستعماري الغربي من البرامج ـــــ النووي والصاروخي والمقاوم ـــــ هو الفلسفة الثورية التي أبدع أساس بنيانها مُفجّر الثورة ومؤسس الجمهورية الإمام الراحل آية الله الخميني، فشكّلت الفلسفة الثورية هويتي الثورة والجمهورية وأنتجت هذه البرامج وغيرها، وهي الأُسس والفلسفة التي منحت الشرعية لإيران الجديدة بثورتها وجمهوريتها، الشرعية التي من دونها يفقد النظام الثوري الجمهوري مُبرّر وجوده أمام الشعب فيسقط من الداخل قبل أن يسقط من الخارج.

توّزعت شرعية الثورة والجمهورية في إيران بين: شرعية دينية مُنطلقها نظرية (ولاية الفقيه) وتبنّيها الإسلام عقيدة ودين الشعب الإيراني، وشرعيّة تاريخية تُروى جذورها من (ثورة الحسين) وكلّ ثورات المظلومين ضدّ الظالمين، وشرعية ثورية انتزعتها من نجاحها في إسقاط النظام الحاكم الملكي المستبد الفاسد وإقامة الجمهورية كنظام بديل يتبنّى التغيير الجذري الشامل، وشرعية شعبية اكتسبتها في تبنّي مطالب وأهداف الشعب في تحقيق مبادئ العدالة الاجتماعية والنهضة الاقتصادية والاستقلال السياسي والتحرّر الفكري، وشرعية إنسانية تجسّدت في الوقوف مع معسكر المستضعفين والمظلومين ضدّ معسكر المستكبرين والظالمين كأميركا و"إسرائيل".

أسسُ الفلسفة الثورية التي أضفت الشرعية على الثورة والجمهورية في إيران قادتها إلى التموضع الفكري والسياسي خارج بيت الطاعة الأميركي وحظيرة المشروع الاستعماري الغربي، فتقدّم نموذجها الحضاري الخاصّ والمستقلّ للحياة والنهضة في دائرة الإسلام الثوري خارج منظومة الحضارة الغربية. 

وهي الأُسس التي قادتها إلى السباحة الشاقة والمُكلفة ضدّ تيار التعايش والتطبيع مع "إسرائيل"، ولا سيما الطبعة الجديدة من التطبيع المُراد فيه أميركياً أن تكون "إسرائيل" سيدة ورائدة الإقليم العربي والإسلامي وبوابة الدخول والخروج إلى جنة أميركا أو نارها، وهي سباحة تذهب أبعد من مجرّد الرفض إلى تقديم مشروعها التحرّري من دون وجود "إسرائيل".

"إسرائيل" والموقف منها كان موضوعاً مركزياً لنزع الشرعيّة عن النظام الملكي الحاكم البائد، فقد اتخذ قائد الثورة الإمام الراحل آية الله الخميني ـــــ رحمه الله ـــــ من علاقة التحالف الاستراتيجي والتبعيّة الشاملة بين النظام الملكي وكلّ من "إسرائيل" وأميركا مدخلاً لنزع شرعيّة النظام الملكي الحاكم بقيادة الشاه محمد رضا بهلوي، وأحد الأسباب الجوهرية للثورة عليه والإطاحة به، وربط بين عدم شرعيّة النظام الملكي الحاكم بمخالفته لإرادة الشعب الإيراني بالعداء لـ "إسرائيل" والوقوف مع فلسطين من جهة، وبين التبعيّة للاستعمار الغربي واستمرار احتلال فلسطين ووجود "إسرائيل" من جهةٍ أُخرى.

وبالمقابل فقد اكتسبت الثورة ومن بعدها الجمهورية جزءاً مركزياً من شرعيّتها من الموقف النقيض لموقف النظام الملكي، فكان الوقوف مع فلسطين شعباً وقضيةً وثورة جزءاً مركزياً من شرعيّة الثورة قبل انتصارها والجمهورية بعد تأسيسها. 

فحضور فلسطين في فكر إيران الثورة والجمهورية جزء من فلسفة الثورة وشرعيّتها التي تنطلق من دعم المستضعفين ضدّ المستكبرين وموثّق في دستور الجمهورية المُحدّد لهويّتها، وتنطلق من المكانة المقدّسة والمميّزة إسلامياً لفلسطين وقلبها القدس ومسجدها الأقصى، فجعلها الإمام الخميني قضية المسلمين الأولى، فتحوّل حضور فلسطين في إيران الثورة إلى واقع عملي ونهج ثابت وسياسة دائمة لإيران الجمهورية، فدخلت فلسطين في صلب شرعيّة الثورة والجمهورية في إيران.

دخول فلسطين في صلب الثورة والجمهورية في إيران بناءً على فلسفة الثورة وهوية الجمهورية يُضاف إلى تصنيف "إسرائيل" كخطر مُهدّد للأمن القومي الإيراني ونظام حكم الجمهورية الإسلامية، باعتبارها رأس حربة للمشروع الاستعماري الغربي وخطرها يتجاوز فلسطين والدول العربية المجاورة لها إلى كلّ الأمّة الإسلامية. 

ولذلك قال الإمام الخميني: "إنّ جرثومة الفساد التي زُرعت في قلب العالم الإسلامي لا يُراد من خلالها القضاء على الأمّة العربية وحسب، بل إنّ خطرها وضررها يشمل الشرق الأوسط بأسره، فالمخطط المرسوم يقضي بقيام الصهيونية بالسيطرة على العالم الإسلامي واستعمار أوسع لأراضي المنابع الغنية بالبترول للبلدان الإسلامية".

ولذلك اعتبر الإمام الخميني تحرير فلسطين واجب كلّ المسلمين بقوله: "يجب علينا أن ننهض جميعاً ونقضي على دولة إسرائيل، وليحتلّ الشعب الفلسطيني البطل مكانها... نحن نقول إنّ إسرائيل يجب أن تُمحى من الوجود، وإنّ بيت المقدس ملك للمسلمين وهي قبلتهم الأولى". 

وبهذا الفهم يتضح أنّ الحرب على إيران بأشكالها السياسية والإعلامية والاقتصادية وبذروتها العسكرية هدفها الحقيقي يتجاوز الأهداف الثلاثة المُعلنة لأميركا و"إسرائيل" والغرب كلّه، هدفها فلسفة الثورة التي تحكم الجمهورية والتي من دونها تفقد الثورة روحها والجمهورية شرعيّتها.. وستكون حينئذ الروح والشرعيّة المفقودة بمثابة سوس الخراب الذي يأكل عصا الثورة والجمهورية من الداخل، وهذا ما تريده أميركا و"إسرائيل".

وليد القططي - كاتب وباحث في الفكر السياسي - فلسطين

Copyright © 2017 Al Eshraq TV all rights reserved Created by AVESTA GROUP