03/02/2026
دولي 19 قراءة
من الحصار إلى الاختناق.. الحرب الأميركية على كوبا أكثر وحشية الآن!

الاشراق
الاشراق | متابعة.
يكتب موقع peoplesdispatch مقالاً يحلل فيه الحصار الأميركي المستمر والمتصاعد على كوبا، ويعرض لاستراتيجية الرؤوساء الأميركيين المتعاقبين في الضغط الأقصى على هذا البلد، فقط لأنه يرفض التخلي عن سيادته.
فيما يلي نص المقال منقولاً إلى العربية:
في سكون ليلة هافانا، لا يُسمع من بعيد سوى ضجيج مولد كهربائي في مستشفى، وهمسات عائلات مجتمعة على ضوء الشموع. بالنسبة لهم، "الأمن القومي الأميركي" ليس مفهوماً مجرداً يُناقش على قنوات الأخبار الأميركية، بل هو واقع ملموس في عيشهم، حيث انقطاع التيار الكهربائي لمدة 20 ساعة متواصلة، ورائحة الطعام الفاسد، والخوف على دواء طفل محفوظ في الثلاجة. هذا هو الوجه السياسي الذي تُسميه حكومة الولايات المتحدة رداً على "تهديد استثنائي"، في الحقيقة هو ليس تهديداً عسكرياً، بل هو أنَّ هذه الجزيرة الصغيرة منذ 67 عاماً، استمرت برفض التخلّي عن سيادتها.
في 29 الشهر الماضي، حوّلت إدارة ترامب حملة ضغط طويلة الأمد إلى أداة قمعية فجة بموجب أمر تنفيذي، وظّفت نظام التعريفات الجمركية الأميركية كسلاح ضد أي دولة، بما فيها دول مثل المكسيك، التي تجرأت على بيع النفط لكوبا. فلم يعد الأمر يتعلق بعزل الشعب الكوبي أو احتوائه عن بقية دول القارة، بل أصبح استراتيجية متعمدة لخنق اقتصادي شامل للبلاد، وهي خطوة عدوانية لا مثيل لها منذ الحرب الباردة.
آلية الخنق
تعتمد شبكة الكهرباء في كوبا، ومضخات المياه، ووسائل النقل العام، والمستشفيات، والمدارس على الوقود المستورد. ومن خلال إجبار الدول على عدم بيع النفط لكوبا، لا تهدف الولايات المتحدة إلى فرض عقوبات فحسب، بل إلى تعطيل النظام الاقتصادي للدولة، بينما بيان الحكومة الكوبية وضحَ جوهر المشكلة، عن أنَّه "ابتزاز وتهديدات وإكراه مباشر"، يهدف إلى عقاب جماعي، وانتهاك للقانون الدولي، حيث يُستخدم الجوع والظلام والمرض كأسلحة سياسية لكسر إرادة الشعب.
الخطة الإمبريالية من أيزنهاور إلى ترامب
إن وصف هذا السلوك بـالسياسة الخارجية يقلل من شأن طبيعته. فهو أداة حرب متطوّرة ومُتعددة الأطراف، تبنتها 10 إدارات أميركية بلا هوادة على التوالي بهدف واحد هو تدمير المشروع الاشتراكي في كوبا. فلقد بدأ أيزنهاور عام 1960 العدوان بفرض أول حصار بعد أن أممت كوبا مصافي النفط المملوكة للولايات المتحدة. وقد تصاعد العدوان في عهد إدارة كينيدي (1961-1962)، مع فشل غزو خليج الخنازير، وجعلت الحصار شاملاً، وأعطت الضوء الأخضر لعملية "مونغوس"، وهي برنامج سري للتخريب ومحاولات اغتيال القادة الكوبيين، من ضمنها أكثر من 630 محاولة اغتيال ضد فيدل كاسترو.
وكان الرئيس الأميركي بيل كلينتون (1992-1996)، قد وجّه ما كان يُؤمل أن يكون "ضربة قاضية" بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، وذلك بإقراره قانونين، في سبيل توسيع الحصار الأميركي ليشمل بمعاقبة الشركات الأجنبية خارج الولايات المتحدة التي تُتاجر مع كوبا، لتوكيد هيمنة الولايات المتحدة على التجارة العالمية.
وبعد انفراجة هشة في عهد إدارة باراك أوباما، لم يكتف ترامب بتغيير المسار، بل انغمس في مزيد من القسوة، وأعاد كوبا إلى قائمة "الدول الراعية للإرهاب"، وهي خطوة لاقت استنكاراً واسعاً باعتبارها تلاعباً سياسياً، كما فرض ترامب 243 عقوبة جديدة. أما أحدث قراراته، الأمر التنفيذي للعام الجاري بحرمان كوبا من الطاقة، في إطار سعيه لحسم مصير الجزيرة.
ولطالما كانت هذه الاستراتيجية واضحة في غايتها. فقد دعت مذكرة رُفعت عنها السرية عام 1960 من وزارة الخارجية الأميركية، بقلم ليستر دي مالوري، إلى "تجويع الشعب وإحباطه عن طريق حرمان الناس من الأموال والإمدادات لإسقاط الحكومة". فبالنسبة لهم التكلفة البشرية في هذا الهدف الأساسي مجرد أثر جانبي.
المعضلة الوحشية وتداعياتها الإنسانية
لهذه الأزمة المفتعلة عواقب وخيمة وملموسة. ففي تسعينيات القرن الماضي، تسبب الحصار المشدد في انخفاض استهلاك الناس للسعرات الحرارية بنسبة 40%، وارتفاع وفيات السل بنسبة 48%. واليوم، يعوق هذا الحصار شراء أجهزة التنفس الاصطناعي، وقطع غيار أجهزة تنقية المياه، والأهم من ذلك، الوقود اللازم لتشغيلها.
ويُصوّر أعضاء المافيا الكوبية الأميركية، الذين يشغلون مناصب في الكونغرس الأميركي، هذه المعاناة على أنها تضحية ضرورية. وقد بررت النائبة الأميركية ماريا إلفيرا سالازار، من ولاية فلوريدا مؤخراً أعداد المتضررين المروعة وقالت: "من المحزن التفكير في أم جائعة، أو طفل يحتاج إلى مساعدة عاجلة، ولكن هذه هي تحديداً المعضلة القاسية التي نواجهها، إما تخفيف المعاناة على المدى القصير، أو تحرير كوبا إلى الأبد".
إن هذه "الحرية" الموعودة ليست سوى عودة إلى ما قبل عام 1959، حين كانت الشركات الأميركية تسيطر على 80% من المرافق العامة في كوبا و70% من الأراضي الصالحة للزراعة. إنها "حرية" الاستغلال، التي اُشتريت بمعاناة ضخمة لجيل كامل من الكوبيين.
"مبدأ دونرو" الإمبريالي الجامح
يُشكّل تصعيد ترامب في "مبدأ دونرو" الذي تبنّته إدارته، وهو إحياءٌ لمبدأ "مونرو" لعام 1823، الذي يؤكد على أنَّ أميركا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي بأكملها ملكٌ للولايات المتحدة. وعقب الهجوم غير القانوني على فنزويلا في 3 الشهر الماضي قال ترامب بوضوح: "لن يُشكّك أحدٌ في الهيمنة الأميركية على نصف الكرة الغربي بعد الآن". وبموجب هذا المبدأ، تُعتبر أي دولة تختار مساراً مستقلاً، لا سيما تلك التي تُنظّم اقتصادها لتلبية الاحتياجات الإنسانية، مثل نظام الرعاية الصحية الكوبي المشهور عالمياً، سوف توضع تحت "حالة طوارئ وطنية أميركية".
الحرب في الخارج والأخرى في الداخل
من الأهمية بمكان للشعب الأميركي أن ينظر إلى هذه القضية لا كقضية منفصلة، بل كجزء من منطق متصل. فالإدارة نفسها التي تتذرع بـ"حالات الطوارئ الوطنية" لخنق اقتصاد كوبا، تستخدمها أيضاً لشنّ مداهمات من خلال إدارة الهجرة والجمارك في المدن الأميركية وقتل مواطنيها مثل رينيه غود وأليكس بريتي. والعقلية ذاتها التي تصنف 11 مليون كوبي كتهديد جماعي لممارستهم حق تقرير المصير، تصنف المهاجرين والأقليات كتهديدات داخلية.
فهذا هو منطق الحصار ومنطق الحدود وجهان لعملة واحدة، حيث السيطرة العنيفة على السكان والموارد، وتصنيف مجموعات كاملة من البشر على أنهم فائضون عن الحاجة. مع ذلك، الشمعة الخافتة في المنازل في هافانا، ليست مجرد نور في وجه الظلام، بل هي تحدٍّ للنظام الإمبريالي.
إنَّ نضال الشعب الكوبي للحفاظ على حريته وسيادته هو نضال جوهري من أجل حق الشعوب جميعها في تقرير مصيرها، وهو نضال تحرري من إكراه إمبراطورية تخلط بين الهيمنة والأمن، وتظن أنَّ القسوة قوة. لكن، كما في الماضي سيتكاتف الشعب الكوبي لمواجهة التحدّي، ليس فقط من أجل البقاء، بل لتجاوز الحصار أيضاً.
الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الاشراق وإنما تعبّر عن رأي الصحيفة حصراً