10/01/2026
تقاریر 46 قراءة
التوسّع الإسرائيلي .. تمدّد إقليمي يهدّد الخرائط العربية!

الاشراق
الاشراق | متابعة.
منذ سنوات طويلة، جرى تصوير إيران في الخطاب الرسمي العربي المتحالف مع واشنطن، وفي الإعلام الإسرائيلي والغربي، بوصفها «العدو المشترك» للعرب وإسرائيل والولايات المتحدة، ومن ثمّ تبرير التحالفات الأمنية والتطبيع على قاعدة هذا العداء المصطنع أو المبالغ فيه.
غير أن مسار الأحداث منذ 7 تشرين الأول 2023 أظهر، بوضوح متزايد، أن الخطر الأكثر مباشرة وفعالية على الجغرافيا العربية ووحدة دولها وأمنها القومي واستقرار أنظمتها، هو المشروع الإسرائيلي نفسه الذي يستغلّ كل فراغ وكل صدمة في الإقليم لتوسيع احتلاله، وتعميق نفوذه الأمني والاقتصادي، وإعادة ترسيم خرائط الجوار العربي والإسلامي. ويزداد هذا الخطر قوّة بعد إعلان استراتيجية الأمن القومي الأميركية، و«العملية الأميركية» في فنزويلا، ما يمنح الكيان الإسرائيلي فرصة لفرض نفسه سيداً على المنطقة.
صناعة «العدو الإيراني» وتهميش الخطر الإسرائيلي
على مدى العقدين الماضيين، اشتغلت ماكينة إعلامية وسياسية ضخمة، عربية وغربية وإسرائيلية، على هندسة وعي جديد يرى في إيران الخطر الوجودي الأول على العالم العربي. هذا الخطاب بُني على تضخيم البعد المذهبي/الطائفي للصراع، مقدّماً إيّاه كصراع «سني–شيعي» بدلاً من كونه صراعاً سياسياً على النفوذ والموارد والشرعية، مع تصوير البرنامج النووي الإيراني والتوسع الإقليمي لطهران كتهديد يتقدّم، في سلّم الأولويات، على الاحتلال الإسرائيلي المستمر لفلسطين والجولان وأجزاء من لبنان، وعلى منظومة الاستيطان والتهويد.
وبهذه الطريقة، جرى توظيف هذا الخوف لتبرير تقارب غير مسبوق بين عواصم عربية مركزية وتل أبيب، سياسياً وأمنياً واقتصادياً، تحت مظلة أميركية ترى في «تطبيع» العلاقات العربية – الإسرائيلية أداة لإعادة هندسة النظام الإقليمي. انتقل مركز ثقل الخطاب الرسمي من الحديث عن الاحتلال والحقوق الفلسطينية إلى الحديث عن «الخطر الإيراني» و«الميليشيات» و«التطرّف الشيعي»، في الوقت الذي كان فيه المشروع الاستيطاني الإسرائيلي يحقق أكبر قفزة نوعية له في الضفة الغربية منذ اتفاق أوسلو.
شكّل هجوم 7 تشرين الأول 2023 نقطة تحوّل مفصلية، حيث استغلت إسرائيل اللحظة لتسريع الضم الزاحف في الضفة الغربية عبر تصعيد الاستيطان والاستيلاء على آلاف الدونمات تحت ذريعة أمنية.
التمدّد نحو لبنان وسوريا: حدود جديدة وخرائط جديدة
لم يقتصر استغلال اللحظة على الضفة وغزة، بل امتدّ إلى جبهات الشمال، حيث يعمل الكيان على إعادة تعريف «حدوده الأمنية» مع لبنان وسوريا. في جنوب لبنان، سعت إسرائيل عبر الضغط العسكري والتلويح بالحرب الشاملة إلى فرض «منطقة عازلة» أعمق داخل الأراضي اللبنانية، وربط أي ترتيبات لوقف إطلاق النار بإبعاد المقاومة إلى مسافات أكبر عن الحدود، بما يعادل عملياً توسعاً أمنياً وتغييراً في معادلات السيادة على الشريط الحدودي.
أمّا في الجنوب السوري، فتتحدّث دراساتٌ ميدانية عن توغّل برّي إسرائيلي داخل منطقة فصل القوات في القنيطرة، وإقامة تحصينات ونقاط سيطرة، مع حملة غارات وعمليات خاصة، وانتهت بواقع جديد من «الاحتلال الزاحف» لمساحات من الجنوب السوري بذريعة منع تموضع خصوم إسرائيل قرب الجولان المحتل. بهذه السياسة، يعيد الكيان تعريف خطوط التماس لا كحدود دولية ثابتة، بل كمساحات مرنة قابلة للتوسّع والتعديل كلّما سنحت الفرصة العسكرية والسياسية، مع تركيز خاص على السيطرة على المرتفعات ومفاتيح الطرق، بما يمنحه تفوّقاً استراتيجياً طويل الأمد في أي ترتيبات إقليمية لاحقة.
من البحر الأحمر إلى القرن الأفريقي: اعتراف «أرض الصومال» نموذجاً
في سياق أوسع لإعادة رسم خرائط النفوذ، برز القرار الإسرائيلي في أواخر 2025 بالاعتراف الرسمي بجمهورية «أرض الصومال» (صوماليلاند) كدولة مستقلة، في خطوة كسرت إجماعاً دولياً امتدّ لأكثر من ثلاثة عقود على عدم الاعتراف. جاء هذا الاعتراف في لحظة حساسة يتصاعد فيها الوجود اليمني في البحر الأحمر وباب المندب، ويتعرّض فيه ميناء إيلات لضغوط كبيرة نتيجة تعطل خطوط الشحن، حيث تشير التقارير إلى أن الدافع المركزي للخطوة هو بناء شبكة من «المراصد الجيوسياسية» عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر وخليج عدن، عبر شراكات أمنية واقتصادية تمنح إسرائيل موطئ قدم في موانئ حيوية مثل بربرة، وتتيح لها مراقبة الممرّات البحرية، وموازنة نفوذ خصومها، وكذلك الحد من التمدّد التركي في الصومال والمنطقة.
بهذا المعنى، لا يمكن فصل الاعتراف بـ«أرض الصومال» عن سياق الصراع على موانئ الجنوب اليمني، واحتمالات تشجيع نزعات الانفصال هناك، وعن التنافس مع السعودية ومصر وتركيا على معابر التجارة والطاقة، فكل خطوة تعيد تعريف مَن «يملك» الموانئ والممرات هي خطوة تمس مباشرة أمن هذه الدول ومصالحها الحيوية.
السودان: دعم إسرائيلي لـ«الدعم السريع» وخدمة المصالح الإقليمية
لم تقتصر التحركات الإسرائيلية على الشرق الأوسط، بل امتدت إلى أفريقيا عبر دعمها الواضح لقوات الدعم السريع في السودان، التي ارتكبت مجازر دموية واسعة النطاق في الخرطوم ودارفور وأماكن أخرى. تكشف تقارير استخباراتية وإعلامية عن توفير إسرائيلي للدعم اللوجستي والاستخباراتي والتسليحي غير المباشر لهذه القوات، في إطار استراتيجية تهدف إلى إضعاف دولة سودانية موحدة، وتأمين ممرات بحرية في البحر الأحمر، وإنشاء قواعد أمنية قريبة من إريتريا والصومال، ما يعزز سيطرتها على خطوط الشحن والطاقة، ويفتح الباب أمام تقسيم السودان إلى كيانات صغيرة تكون حليفة لتل أبيب. وهو ما يشكّل خطراً مباشراً على مصر وعلى السعودية ذاتها، التي تقع في الشاطىء المقابل للسودان من البحر الأحمر.
تراجع الحضور الأميركي: تفويض و«خصخصة» الأمن الإقليمي
تزامن هذا التمدد الإسرائيلي مع تحوّل واضح في الاستراتيجية الأميركية المعلنة، التي باتت تنظر إلى الشرق الأوسط كمسرح «تمّ احتواؤه» إلى حد كبير، مع التركيز على إدارة الاستقرار بأقل كلفة مباشرة، والابتعاد عن الحروب البرية الطويلة، والاعتماد على «الشركاء الإقليميين» في تحمل العبء الأمني.
في هذا السياق تُمنح إسرائيل، إلى جانب بعض دول الخليج، دور «الشريك المتقدّم» في إدارة ملفات الأمن الإقليمي، من مكافحة «التهديد الإيراني» إلى ضمان أمن الطاقة والملاحة، ما يفتح المجال أمامها لتوظيف هذا التفويض غير الرسمي في تعظيم مكاسبها الجيوسياسية، حتى عندما يتعارض ذلك مع مصالح واستقرار دول عربية أخرى.
على أنّه من الواضح أن حكومة نتنياهو ترى أن الظروف الحالية تمنحها فرصة تاريخية مؤاتية قد لا تتكرّر في المدى المنظور لفرض هيمنتها وتسيّدها على المنطقة، مستفيدة من التراجع الأميركي في المنطقة، ومن النتائج العسكرية ما بعد 7 أكتوبر في جبهات غزة ولبنان وإيران وسوريا. وقد وفّرت لها العملية الأميركية في فنزويلا هامشاً واسعاً يمكن تقليده حيث تشاء في المنطقة.
الخطر على مصر والأردن وسوريا والعراق
تُظهر هذه التحوّلات أن الخطر الإسرائيلي لم يعد محصوراً في فلسطين أو الجولان، بل بات يهدّد التوازنات الداخلية وعمق الأمن القومي لعدد من الدول العربية المركزية. بالنسبة لمصر، يشكّل التوسّع الإسرائيلي في البحر الأحمر والقرن الأفريقي وتغلغلها في السودان تحدّياً مباشراً لدور قناة السويس وللاحتكار المصري التقليدي لإدارة معادلة باب المندب، بما ينعكس على الأمن القومي والاقتصادي المصري، مع وجود مشاريع تُشير إلى محاولات تقسيم مصر نفسها عبر دعم حركات انفصالية في الجنوب. يجد الأردن نفسه بين فكّي كمّاشة: ضم زاحف للضفة يقترب من الأغوار والحدود، مع احتمال ضغوط ديموغرافية وسياسية في حال انهيار أي تسوية فلسطينية. وتتحمّل سوريا والعراق كلفة مضاعفة: تفكيك داخلي وتدخّلات عسكرية إسرائيلية متزايدة في الجنوب السوري وأجواء العراق.
السعودية وتركيا: الخطر المحدق والمشاريع التقسيمية
لا يمكن استيعاب دلالات التحالفات الإسرائيلية الجديدة، خاصة مع اليونان وقبرص، ومع تحركاتها في البحر الأحمر، من دون النظر إلى تأثيرها على السعودية التي باتت في خطر محدق. فالتمدّد العسكري واللوجستي الإسرائيلي في القرن الأفريقي والبحر الأحمر يحاصر السعودية قبل أن يحاصر إيران. كما لا بدّ من التذكير بمشاريع تقسيم السعودية التي لطالما وجدت مؤيدين لها داخل الكونغرس الأميركي وفي العديد من مراكز الدراسات الأميركية.
كما ويعيد التعاون العسكري – الأمني المتصاعد بين إسرائيل واليونان وقبرص صياغة ميزان القوى في شرق المتوسط، ويُنذر بتطويق تركيا عبر محور يمتد من اليونان إلى قبرص وإسرائيل.
المقاومة كعقبة أمام التمدّد
رغم كل ما سبق، تظهر الخبرة الميدانية أن القوى المقاومة بقيت العقبة الأكثر صلابة أمام التمدّد الإسرائيلي، سواء عبر منع فرض شروط أمنية جديدة أو تعطيل مسارات التطبيع. إضعاف المقاومة سيؤدي مباشرة إلى تغوّل التوسع الإسرائيلي غير المحدود. فلا شكّ أن قوى المقاومة القادرة على مقارعة الكيان الإسرائيلي والحد من توسعاته وتهديد أمنه يقدّم خدمة للأمن القومي العربي عموماً، بما في ذلك الدول والأنظمة ذاتها التي تختلف مع المقاومة وتوجهاتها.
الحاجة إلى مراجعة شاملة ومصالحة إقليمية
أمام هذا المشهد، وفي ظل إعلان نتنياهو الصريح والواضح بأنه يسعى إلى تحقيق «إسرائيل الكبرى»، يصبح الإصرار على خطاب «العدو الإيراني» ضرباً من العمى الاستراتيجي. المطلوب اليوم مراجعة استراتيجية عميقة تقوم على إعادة تعريف الكيان الإسرائيل كخطر بنيوي، وإعادة الاعتبار للأمن القومي العربي المتكامل، والانفتاح على مصالحة إقليمية تشمل إيران وتركيا. كما يمكن للتنسيق بين مصر والسعودية وتركيا وإيران فرض خطوط حمراء أمام إعادة ترسيم الخرائط.
معين الرفاعي - باحث وسياسي فلسطيني
لا تتبنى الاشراق بالضرورة الاراء والتوصيفات المذكورة.