كيف نميّز بين الواقعي والمصطنع: بصمة الإنسان أولاً.. أو "الجمالية الخشنة"

ishraq

الاشراق

الاشراق | متابعة.

في البدء، كانت العين تثق. كانت ترى الواقع كما هو ولو من زوايا مختلفة ومتعددة. منذ اللحظة التي التقط فيها إنسان الكهف ظله على الجدار، إلى اختراع التصوير الفوتوغرافي الذي جعل من اللحظة المحسوسة وثيقة قابلة للحفظ، ظلت الصورة عهداً بين الواقع والإنسان: شاهداً لا يخون، ووعداً بأن ما تراه قد كان.

اليوم ينكسر هذا العهد.

نقف على حافة عالم جديد يحذرنا منه آدم موسيري، رئيس منصة "إنستغرام"، ليس كمدير منصة فحسب، بل كحارس لهيكل تتهاوى جدرانه. عالم من "المحتوى الاصطناعي اللانهائي"، حيث لم تعد الصورة تسجيلاً للواقع، بل "احتمالاً من احتمالات عديدة". وكما يعترف موسيري بصراحة، في منشور له على حسابه في "إنستغرام"، إنها حافة تؤرخ لتحول وجودي: "طوال معظم حياتي، استطعت أن أفترض بأمان أن الصور أو مقاطع الفيديو كانت تسجيلات دقيقة إلى حد كبير للحظات حدثت. هذا لم يعد هو الحال اليوم".

بل إن موسيري يذهب أبعد من ذلك، معلناً نهاية نموذجٍ بأكمله: "إنستغرام القديم مات". النموذج القائم على الشبكة المربعة المليئة بالصور المصقولة والمثالية أصبح من الماضي. الحقيقة اليوم، كما يراها، تنتقل إلى المساحات الخاصة، حيث يتركز المحتوى في الرسائل الخاصة و"الستوريز"، متمثلاً في "الصور الضبابية ومقاطع الفيديو المهزوزة" التي تلتقط اللحظة العابرة من دون "تزويق". هذا التحول الجذري ليس مجرد تغيير في الذوق، بل هو هجرة من عالم المثالي المُنتَج إلى عالم الواقعي الخام.

إذا كان الواقع نفسه يُزوَّر أمام أعيننا منذ ما قبل ولادة الذكاء الاصطناعي، حيث نجحت الآلة السياسية والإعلامية لعقود في تضليل الرأي العام وتزييف الوعي، والتعمية على حقائق كبرى عبر الاجتزاء والتجاهل والتلفيق؛ فكيف الحال الآن مع قدرة الذكاء الاصطناعي اللامحدودة على "خلق" وقائع غير موجودة أصلاً؟ التحديات التي نعيشها، وتعيشها الأجيال الجديدة، غير مسبوقة على الإطلاق.

بيت من مرايا
لئن كان كثير من الحقائق نسبياً أصلاً؛ فكيف الحال وقد بتنا نعيش في منزل من مرايا متعددة؟ كل مرآة تعكس حقيقة مختلفة. فالمدينة التي تراها تتألق بأضواء الفجر في إحداها، هي نفسها المدينة التي تتداعى بأنقاض الحرب في أخرى. "الواقع السائل" الذي نواجهه لم يعد مسألة مشاهدة، بل استقصاء منهكاً. لقد أصبح ما نراه انعكاساً في مرآة معتمة تعكس فقط ما يريد صانعوها إظهاره.

لكن هل جاء تحذير موسيري مبكراً أم متأخراً؟ الفيلسوف الفرنسي جان بودريار حذرنا قبل عقود من "الواقع المفرط (Hyperreality)"، في كتابه "المصطنع والاصطناع"(Simulacres et Simulation)، (ترجمه إلى العربية الدكتور جوزيف عبد ونشرته المنظمة العربية للترجمة في بيروت عام 2008) معتبراً أن "الصورة كمرآة للواقع قد اختفت، وصارت النموذج الأولي لواقع جديد". ما يراه موسيري اليوم كطفرة تقنية، يراه بودريار كنتيجة حتمية لثقافة استهلاكية حيث "النسخة" تتفوق على الأصل.

هذا الانزياح الجذري يُضعف أكثر ثقتنا بالصور ويهدد نسيج ثقتنا الجمعية. فالمنصات الرقمية لا تُضعف ثقتنا في ما نرى فحسب، بل تُضعف ثقتنا في المؤسسات والحقيقة ذاتها. الخطر الحقيقي ليس في صورة مزيفة لعملاق يخطو فوق ناطحة سحاب، بل في انحلال السياق وفقدان المرجعيات والمعايير، حيث تفقد جميع الروايات مصداقيتها، فيصبح كل شيء رأياً، وكل رأي حقيقة لصاحبه.

اغتراب عاطفي رقمي
ها نحن ندمع على حزن لم يحدث. نفرح لنجاح وهمي. نغضب من إهانة مختلقة. في هذا الاغتراب الحسي، تصبح مشاعرنا استجابة لمحفزات مصنعة، كدمية يحركها خيط رقمي. يفقد الألم قدسيته، ويفقد الفرح براءته. كل شيء يصبح أداء. وتسأل نفسك: إذا كنت أحس بما هو غير حقيقي، فهل مشاعري نفسها أصبحت مزيفة؟

لكن في زاوية أخرى، يضيف الفنان والمصور الألماني الحائز جوائز عالمية، فولفغانغ تيلمانز، لمسة أقل سوداوية: "لطالما كانت الصورة الفوتوغرافية قابلة للتلاعب، حتى في الغرفة المظلمة. الجديد هو السرعة والسهولة. لكن هذا لا يقتل الحقيقة، بل يفرض علينا مسؤولية جديدة: مسئولية القراءة البطيئة، والتأمل". التحدي إذاً ليس في انقراض الحقيقة، بل في تغيّر شكل العثور عليها والتأكد منها.

بصمة في عالم الزيف
في مواجهة هذا الطوفان، يبحث موسيري عن بصمة، عن أثر باقٍ من زمن الوثوق. يقترح نظاماً للتوقيع المشفَّر من مصدر التقاط الصورة، لخلق "سلسلة حفظ" تثبت أصل اللحظة. الحل، كما يراه، هو "بصمة الوسائط الحقيقية بدلاً من مطاردة المزيفة". وهو يرى أن عبء إثبات الأصالة "يقع على عاتق شركات صناعة الكاميرات ومصنعي الهواتف"، داعياً إياهم إلى إعادة التفكير الجذري في مفهوم الجمالية الذي يروجونه.

لكن بعض الباحثين في أخلاقيات الذكاء الاصطناعي ينبه إلى خطر آخر: "كل نظام للتحقق يخلق نظاماً جديداً للإقصاء". من سيحصل على هذه "البصمة" المعتمدة؟ هل هو مثلاً الصحافي المؤسسي (العامل في مؤسسة صحافية) أم الناشط المستقل في منطقة نزاع؟ قد تصبح البصمة الرقمية أداة لترسيخ السلطة بدلاً من الحقيقة. فتنتقل المعركة من سؤال "ماذا نرى؟" إلى سؤال أكثر خطورة: "من له الحق في أن يُصدَّق؟".

صعود الجمالية الخام
في قلب العاصفة، يولد تناقض لافت. بينما تغرق الخوارزميات بالمحتوى المثالي المصنوع بالذكاء الاصطناعي، يلاحظ موسيري صعود "الجمالية الخام". الصورة المهزوزة، الفيديو غير المُنتَج، الوجه بلا فلتر. لقد تحولت الخشونة والنقص من عيب إلى "دليل على الصدق". كأننا نصرخ: انظر، أنا إنسان. لست خوارزمية. عيوبي هي براهين براءتي.

هنا يقدم موسيري تفسيراً عميقاً: هذه الجمالية لم تعد مجرد ذوقٍ عابر، بل تحولت إلى "إثبات... طريقة للقول: هذا حقيقي لأنه غير كامل". في عالم أصبح فيه الكمال الرقمي رخيصاً ومتاحاً للجميع، صارت "العيوب إشارة" على الواقع، وأصبحت "الخشونة دليلاً دفاعياً" على الأصالة. وهو يوجه نقداً مباشراً لمسار صناعة التصوير، قائلاً إن الشركات "تراهن على المستوى الجمالي الخاطئ" بتشجيعها الجميع ليبدوا "كمصورين محترفين من عام 2015" عبر تقنيات التزييف البصري. الحل، بنظره، هو عكس ذلك تماماً: جعل الصور تبدو "أكثر عفوية وغير جذابة حتى تعرف حقيقتها".

الناقدة الفنية الأميركية سوزان سونتاغ قد ترى هنا مفارقة مأسوية. في كتابها المرجعي "عن التصوير الفوتوغرافي" (تُرجم إلى العربية بطبعتين: الأولى لعفاف عبد المعطي بعنوان "أبعاد الصورة" وصدر عن دار هيفن 2008، الثانية لعباس المغربي بعنوان "حول الفوتوغراف"، صدر عن دار المدى 2013)، كتبت أن الكاميرا جعلت الواقع جميلاً عبر تحويله إلى صورة. اليوم، نبحث عن النقص كدليل على الصدق، لكن حتى هذا "النقص" أصبح موضة جمالية قابلة للاستنساخ. هل صرنا نطارد شبح الأصالة في دائرة مفرغة؟ هل أصبح التصنُّع في عدم التصنُّع هو الشكل الجديد من الزيف؟

كيف نعيش في منزل المرايا؟
لم يعد فهم هذا التحول خياراً نخبوياً أو ترفاً فكرياً. فالعامل في الطب، والتعليم، والقانون، والإعلام، والفن نفسه، مدعو اليوم إلى امتلاك بصيرة رقمية جديدة. إنها العدسة الإلزامية التي لا غنى عنها لقراءة الواقع الجديد والتفاعل معه، كي لا نتحول إلى غرباء في عالم نصنعه بأيدينا.

واقعياً، لا مفر من أدوات تقنية ذكية وشبكات تحقق. لكنها حلول تقنية لمشكلة وجودية.

فكرياً، نحتاج إلى إعادة تأهيل عقولنا للعيش في عالم الاحتمال. نحتاج إلى عينين: عين ترى الصورة، وأخرى ترى ما وراءها. ننتقل من ثقافة المشاهدة السلبية إلى التحليل النشط. أن نسأل: لماذا هذه الصورة بالذات؟ أي جزء من واقعي يريد قائلها أن يسرق أو يبني؟

هذه التحديات الهائلة في عالم مليء بالزيف والخداع البشري والاصطناعي، تضع أمام الكاتب، بشكل خاص، مهمة الحفر عميقاً للوصول إلى الحقائق المجردة التي لا يمكن تزويرها. التقنية تتغير، لكن البحث الإنساني عن المعنى الأصيل يبقى ثابتاً.

نفسياً، علينا أن نعقد صلحاً مع هذا الواقع الجديد. نقبل أن جزءاً من عالمنا افتراضي، لكننا نتمسك بجذورنا في الواقع الملموس: العلاقات المباشرة، الطبيعة، الحوار وجهاً لوجه.

في عالم "الوفرة اللانهائية والشك اللانهائي" كما يصفه موسيري، سيبرز أولئك الذين يمكنهم "الحفاظ على الثقة". لكن الثقة اليوم لم تعد مسألة تقنية بحتة، بل هي نتاج السلوك الإنساني والعلاقات اليومية، تُبنى عبر الشفافية والحوار المتواصل والاعتراف بالواقع المعقد والمركّب.

لن نستطيع تغيير اتجاه التيار الرقمي الهائل، لكننا نستطيع أن نتعلم كيف نسبح فيه بحكمة. التحدي الذي نواجهه قد يكون فرصة أخيرة لإعادة اكتشاف معنى أن تكون حقيقياً. فرصة لنتذكر أن الحقيقة ليست مجرد صورة، بل هي أيضاً علاقة، ومسؤولية، وأصالة في الفكر والشعور.

ففي النهاية، تحت كل هذه الطبقات الرقمية والمحتويات الاصطناعية، يبقى هناك شيء لا يمكن للآلة تقليده بعد: ذلك الوميض الإنساني في العين عندما تلتقي بعين أخرى، تعرف، من دون كلمات، أن ما تراه هو حقيقة حية تنبض أمامك. تلك هي المرآة الوحيدة التي لم تُعتم بعد.

زاهي وهبي - شاعر لبناني وإعلامي

Copyright © 2017 Al Eshraq TV all rights reserved Created by AVESTA GROUP