04/01/2026
تقاریر 28 قراءة
غزة… عام جديد يدخل مثقلاً بالهموم وتفاقم المأساة الإنسانية

الاشراق
الاشراق | متابعة.
يدخل العام الجديد 2026 على قطاع غزة، حاملا معه إرثا ثقيلا من الهموم والمأساة الإنسانية، أكثر من أي بقعة في العالم، فالأوضاع تزداد مرارة رغم سريان اتفاق التهدئة الهش، لعدم تنفيذ إسرائيل بما عليها من التزامات، خاصة تلك المتعلقة بتحسين الأوضاع الإنسانية والمعيشية التي تشمل المساعدات والأدوية، والانتقال إلى المرحلة الثانية من الاتفاق، وهو ما ضاعف من مأساة السكان خاصة في هذا الوقت الذي تنشط فيه المنخفضات الجوية التي دمرت وأغرقت خيام النازحين، وسط إنذارات خطيرة بتعميق الأزمة، مع بدء تنفيذ أمر منع 37 مؤسسة دولية من العمل في القطاع المحاصر.
هموم متواصلة
ولا تختلف مأساة وهموم سكان غزة في هذا العام عن العامين الماضيين، اللذان حلا تحت ظل الحرب الإسرائيلية المدمرة، فالقتل والقصف والتدمير اليومي وإن خفت وتيرة، فإنه لا يزال مستمرا، حيث يسجل يوميا عمليات قصف جوي وإطلاق نار وتجريف وعمليات نسف لمباني في مناطق السيطرة الإسرائيلية على طول الحدود الشمالية والشرقية والجنوبية لقطاع غزة، والتي تسمى مناطق «الخط الأصفر»، وتشمل 53 في المئة من مساحة قطاع غزة الإجمالي، وقد وسعتها إسرائيل في عدة مناطق في القطاع، بعد سريان اتفاق التهدئة في العاشر من تشرين الأول/أكتوبر الماضي.
والأسبوع الماضي، الذي شهد آخر أيام السنة الماضية وبدايات السنة الجديدة، صعدت قوات الاحتلال من هجماتها على تلك المناطق بعمليات نسف وقصف جوي أعنف من الفترة السابقة، نجم عنه وقوع الكثير من الضحايا.
كما عمقت المنخفضات الجوية المتلاحقة التي ضربت قطاع غزة في الأسبوعين الأخيرين من المأساة، فآلاف الخيام تطايرت من شدة الرياح القوية، فيما غمرت مياه المطر آلافا أخرى، التي كانت قد اهترأت سابقا بفعل الأحوال الجوية وطول مدة إقامة أصحابها بداخلها، فمنها من هو قائم منذ عامين.
وعمقت هذه المنخفضات من مأساة النازحين الذين يعانون من ويلات وتبعات الحرب الطويلة، ففي لحظات أصبح هؤلاء بلا مأوى في ظل ظروف جوية قاسية للغاية، وفي حديث العديد منهم ، ركزوا على سوء أحوالهم وتشردهم فوق نزوحهم بعد أن فقدوا المسكن المؤقت.
ففي كثير من مناطق النزوح خاصة القريبة من شاطئ البحر، تطايرت الخيام وشكلت الأمطار بركا من المياه كان ما تبقى من الخيام يطفوا على سطحها، بما يشبه بقايا سفن متهالكة داخل البحر.
وقد اضطرت العائلات التي تقطن تلك الخيام إلى مغادرة مناطق الغرق، بعد أن فقدت المأوى المؤقت، من بين من فقد المسكن المؤقت «الخيمة»، كان محمد فياض، أحد النازحين من شرق مدينة خان يونس، فقد قال إن المنخفض الجوي دمر كل مقتنيات أسرته، وأشار ، إلى أنه حاول في اليومين اللذان سبقا وصول موجة المطر تدبير أمور الخيمة بربطها بأثقال من الأسفل، لحمايتها من التطاير، غير أن شدة الرياح مزقت جزءا كبيرا منها، لتدخل بعدها كميات كبيرة من أمطار الشتاء وتغرق ما في الخيمة من دقيق وملابس وأغطية.
أزمات النزوح والشتاء
وأوضح هذا الرجل وهو في بداية العقد الخامس، إنه لجأ إلى مواصي خان يونس، منذ انتهاء التهدئة الماضية في اذار/مارس المنصرم، ولم يستطع العودة إليها مجددا، حيث تخضع منطقة سكنه لاحتلال إسرائيلي، لوقوعها ضمن «الخط الأصفر»، واصفا الحياة في منطقة المواصي بـ «السيئة» حيث تتزاحم خيام النازحين، ويفقد الجميع الخدمات الأساسية، فيما لا تصلح الخيام للسكن في الصيف أو الشتاء، وأضاف «المعاناة تلازمنا كل أوقات السنة، نطلع من مشكلة بتواجهنا مشكلة».
آخرون من النازحين في مناطق عدة وسط القطاع وفي مدينة غزة، تحدثوا أيضا عن مأساتهم، فكانت من بينهم سيدة تدعى أماني، فقدت أسرتها خيمة نزوحها بسبب المنخفض، فقد تحدثت بمرارة عن العيش في هذه الظروف، وعن المأساة التي تتكرر مع كل منخفض جوي، من دون أن يقدم أحد حلا جذريا، أو أن يكون هناك حديث رسمي عن إعادة إعمار غزة، وتحدثت عن مأساة أطفالها الذين باتوا لا يملكون لا أغطية ولا ملابس شتوية تقيهم برد الشتاء، بعد أن غرفت في المنخفض، كحال الكثير من الأسر.
ولم يقف المنخفض الجوي عند حد التدمير والخراب، فدرجات الحرارة المتدنية أدت إلى وقوع العديد من الوفيات بينهم أطفال ماتوا بعد أن أوقف البرد قلوبهم عن النبض، فيما آخرون قضوا جراء انهيار منازل متضررة من غارات الحرب، حين جرفتها مياه الأمطار الغزيرة.
ومع تفاقم هذه الأزمة التي خلقتها ظروف الشتاء والحرب، أعلنت غرفة العمليات الحكومية، أن قطاع غزة بحاجة إلى نحو 200 ألف وحدة سكنية مسبقة الصنع لتلبية الاحتياجات الإنسانية العاجلة للنازحين، وضمان إيواء أكثر أمانًا في مواجهة الظروف الجوية القاسية، مشيرة إلى أن المنخفض الحالي تسببت بغرق وتطاير آلاف خيام النازحين في مناطق متفرقة من القطاع، ما فاقم الحالة الإنسانية.
وأكدت أن الأحوال الجوية القاسية ضاعفت معاناة النازحين الفلسطينيين الذين يعيشون في خيام هشة لا توفر الحد الأدنى من الحماية من تسرب مياه الأمطار أو البرد القارس، علاوة عن انهيارات طالت منازل مدمّرة جزئيًا، وقد لفتت الانتباه إلى أن المؤسسات الإنسانية تعجز عن تلبية الاحتياجات الطارئة للنازحين، نتيجة النقص الحاد في الإمدادات واستمرار قيود الاحتلال على دخول المساعدات إلى القطاع.
أما رئيس المكتب الإعلامي الحكومي الدكتور إسماعيل الثوابتة، فقال إن غزارة الأمطار والرياح الشديدة تجعل الأمور في غزة أكثر تعقيدا، وحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية العميقة وغير المسبوقة في قطاع غزة، بسبب الحصار وقيود الاحتلال التي تمنع دخول الخيام البيوت المتنقلة «الكرفانات».
وفي حديثه ، أوضح أن 49 منزلا متضررا انهارت منذ بدء موسم الشتاء، أدت لارتقاء 20 مواطنا، محملا الاحتلال المسؤولية الكاملة عن التدهور المستمر في الوضع الإنساني، ومطالبا المجتمع الدولي، ووسطاء اتفاق وقف إطلاق النار بـ «التدخل العاجل» وإلزام الاحتلال بتنفيذ الالتزامات الواردة في اتفاق التهدئة، وإدخال المساعدات إلى قطاع غزة، وأكد أن قدرة الجهات المختصة على الاستجابة الشاملة لهذه المشكلة «ضعيفة بسبب الحصار وإغلاق المعابر»، لافتا إلى أن الاحتلال يواصل منع إدخال مواد الإيواء، ما يعمق المأساة.
وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا»، ذكرت أن هناك أكثر من 42 ألف خيمة أو مأوى مؤقت تعرّضت لأضرار كاملة أو جزئية خلال المنخفض، وقال مفوضها العام فليب لازريني معلقا على ما يجري «مزيد من الأمطار، يعني مزيد من البؤس واليأس والموت»، لافتا إلى أن سكان غزة يعيشون في ظل طقس الشتاء القاسي معاناةً استمرت لأكثر من عامين، في خيامٍ بالية غارقةٍ بالمياه، وسط الأنقاض، مؤكدا أن مساعدات الإغاثة لا تصل بالكمية المطلوبة.
نقص المساعدات والدواء
المأساة الإنسانية التي تعصف بغزة في هذا الوقت من العام، تضاف إلى مأساة استمرار نقص المواد الغذائية والطبية، مع استمرار إسرائيل في فرض قيود الحصار، في مخالفة واضحة لاتفاق وقف إطلاق النار.
ففي قطاع غزة لا يزال السكان يعانون من النقص الحاد في الأدوية، مع نفاد 321 صنفاً دوائياً وبنسبة عجز 52 في المئة من مجمل الأدوية التي يحتاجها السكان، إضافة إلى نفاد 710 أصناف من قائمة المستهلكات الطبية بنسبة عجز 71 في المئة، فيما بلغت نسبة العجز في قوائم الفحوصات المخبرية وبنوك الدم 59 في المئة، فيما لا تتوفر 62 في المئة من أدوية الرعاية الأولية، ما يعرض السكان لانتكاسات صحية خطيرة، والإصابة بالجلطات الدماغية والقلبية.
ويوضح المكتب الإعلامي الحكومي، أن الاحتلال لم يلتزم بالحدّ الأدنى من كميات المساعدات المتفق عليها، حيث لم يدخل إلى قطاع غزة خلال 80 يوماً سوى 19.764 شاحنة من أصل 48.000 شاحنة يفترض إدخالها، بمتوسط يومي 253 شاحنة فقط من أصل 600 شاحنة مقررة يومياً، أي بنسبة التزام لا تتجاوز 42 في المئة، ما أدى إلى استمرار النقص الحاد في الغذاء والدواء والمياه والوقود، وتعميق مستوى الأزمة الإنسانية الكارثية في قطاع غزة.
وأوضح في بيان تفصيلي شرح فيه آخر التطورات، أن الاحتلال ارتكب منذ دخول اتفاق التهدئة 969 خرقاً لوقف إطلاق النار، خلفت 418 شهيداً و1141 مصاباً، فيما يواجه قطاع غزة «الموت البطيء»، محملا الاحتلال المسؤولية الكاملة عن التدهور المستمر في الوضع الإنساني، وعن الأرواح التي أُزهقت والممتلكات التي دُمّرت خلال فترة يُفترض فيها أن يسود وقف كامل ومستدام لإطلاق النار.
حظر المنظمات الإغاثية
وهناك تخوفات كبيرة بأن يسوء الوضع الإنساني بشكل أكبر وأخطر، مع بدء إسرائيل تنفيذ قرارها القاضي بمنع 37 مؤسسة إغاثية دولية من العمل في المناطق الفلسطينية، وقد أعلنت إسرائيل أن قرار تعليق عمل هذه المنظمات الإغاثية التي تقدم خدمات إنسانية وطبية لسكان غزة، بينها منظمة «أطباء بلا حدود»، دخل في بداية العام الجديد حيز التنفيذ، وزعمت أن قرارها يعود لعدم استيفائها قواعدها الجديدة للتحقق من المنظمات الدولية في القطاع، وهو ما يعزز المخاوف من حدوث تداعيات أكثر خطورة تهدد سكان غزة الذين يعانون بالأصل من أوضاع إنسانية سيئة.
وحذرت منظمة «أطباء بلا حدود»، وهي أحد أكبر المنظمات الإنسانية الطبية العاملة في غزة، من أن آلاف الفلسطينيين في قطاع غزة قد يفقدون إمكانية الوصول إلى الرعاية الطبية الأساسية، بعد إعلان الحكومة الإسرائيلية تعليق عمل المنظمة.
وأكدت المنظمة أن لاستجابة الإنسانية في غزة «مقيّدة بالفعل، ولا تحتمل مزيدًا من التفكيك»، وأن حرمان المنظمات المستقلة وذات الخبرة من العمل «سيشكل كارثة على الفلسطينيين»، وأن شريحة واسعة من سكان غزة ستُحرم من الرعاية الطبية والمياه والخدمات الأساسية.
وهذه المنظمة أشارت وهي تبين مدى خطر حظرها، أنها قدمت خلال العام الماضي، قرابة 800 ألف استشارة طبية، وتعاملت مع أكثر من 100 ألف حالة إصابة، إضافة إلى توفير مئات الملايين من لترات المياه للسكان.
وتضاف هذه المنظمات إلى وكالة «الأونروا» أكبر مقدم خدمات إغاثية لسكان غزة، التي تمنعها إسرائيل من إدخال المساعدات إلى قطاع غزة منذ عدة أشهر، تنفيذا لقرار «الكنيست» بحظر عمل هذه المنظمة الأممية الهامة.
ولذلك أعرب وزراء خارجية كل من كندا، والدنمارك، وفنلندا، وفرنسا، وآيسلندا، واليابان، والنرويج، والسويد، وسويسرا، والمملكة المتحدة، في بيان مشترك عن قلقهم البالغ إزاء التدهور المتجدد في الوضع الإنساني في قطاع غزة، مؤكدين أن الأوضاع لا تزال كارثية، وشدد البيان على ضرورة ضمان قدرة المنظمات الدولية غير الحكومية على العمل في غزة بشكل مستدام ومنتظم.
تهرب وتهديد إسرائيلي
ويأتي هذا الواقع المرير مع استمرار تهرب إسرائيل من التزاماتها في اتفاق وقف إطلاق النار، ورفضها الذهاب إلى المرحلة الثانية التي تشمل انسحابها من القطاع، وخلال زيارة بنيامين نتنياهو إلى الولايات المتحدة الأمريكية، حيث التقى هناك عدد من المسؤولين الكبار إلى جانب الرئيس دونالد ترامب، كشف موقع «أكسيوس» نقلا عن مسؤولين في البيت الأبيض قولهم إنهم يخشون من أن نتنياهو يعمل على إبطاء عملية السلام ويريد استئناف الحرب في قطاع غزة.
وكشفت وسائل إعلام إسرائيلية عن وجود فجوات في المواقف الإسرائيلية وإدارة الرئيس ترامب، وذكرت صحيفة «يديعوت أحرونوت» أن مقربين من ترامب يعربون عن استيائهم من العراقيل التي تضعها إسرائيل أمام استمرار تنفيذ اتفاق غزة، مؤكدين أن قضية الانتقال إلى المرحلة الثانية من الاتفاق أصبحت تشكل أبرز ملفات الخلاف الحالية بين الجانبين.
وفي دلالة على نوايا إسرائيل في العام الجديد، قال رئيس الأركان إيال زامير، خلال جولة عسكرية له جنوب قطاع غزة، إن عام 2026 سيكون «عاما حاسما» في تشكيل الواقع الأمني لإسرائيل، مؤكدًا عزم الجيش على تجريد حركة حماس من سلاحها بالكامل، وعدم السماح لها بإعادة بناء قدراتها أو تهديد إسرائيل مجددًا.
كذلك تحدث عن استمرار احتلال أجزاء كبيرة من قطاع غزة، داخل «الخط الأصفر»، وقد وصف هذا الخط الذي يلتهم 53 في المئة من مساحة القطاع باعتباره «حدًا أمنيًا جديدًا وخط تماس دفاعيا مُحسّنا، إضافة إلى كونه قاعدة انطلاق سريعة للعمليات الهجومية»، مشددًا على أن القوات ستواصل استغلال الفرص لإضعاف حماس، مع ضرورة البقاء في حالة جاهزية واستعداد للتطورات، وأضاف «الجيش الإسرائيلي شرع خلال الأشهر الأخيرة في تعميق العمل على إعداد خطة متعددة السنوات، وإعادة صياغة استراتيجيته العسكرية»، متوعدا بأن إسرائيل «لن تعود إلى ما قبل السابع من أكتوبر»، وأن جيشه سيواصل المبادرة والهجوم بهدف فرض واقع أمني جديد على مختلف الساحات.