04/01/2026
ثقافة و فن 27 قراءة
قراءة في تجارب تشكيليات مصريات… ما بين الاحتماء بالذكرى وأنسنة الطبيعة

الاشراق
الاشراق | متابعة.
عدة معارض تشكيلية تزامنت بالمصادفة في غاليرهات مختلفة، وبالمصادفة أيضاً جاءت هذه المعارض لفنانات مصريات مختلفات الاتجاهات والأساليب. إلا أن اللافت هو المقارنة الخفية بين ما كان وما هو كائن، كالاحتماء بالذكريات في مواجهة اللحظة الحاضرة، وهي حالة معروفة، خاصة وقت أزمة ما أو حالة مستمرة في مواجهة المجهول من الحياة والعلاقات والأفكار، وهو ما يتجلى في لوحات الفنانة أسماء سامي، ومعرضها المعنون بـ «ظل الأخضر»، والذي أقيم في غاليري بيكاسو. بينما ومن ناحية أخرى يأتي معرض «لا تلعن الشجرة» للفنانة مونيل جنحو بغاليري ديمي، لتتجسد الشجرة ككائن حي يتم من خلالها استعراض الكثير من العلاقات الإنسانية، كالحب والأمومة، وحالات مختلفة من الوحدة خلال مراحل عُمرية متباينة، وليصبح هذا الكائن الذي ربما نعْبُره في لامبالاة، أساساً لوجود وحياة أكبر بكثير من مجرد الوظيفة والشكل المعهود في المخيلة العادية. ومن الإحساس الذاتي إلى محاولة استقراء علاقات وأماكن لم تعد متواجدة الآن، مما يضفي على الموضوع بُعدا اجتماعيا أكثر من كونه ذاتياً صرفاً، كما في المعرضين السابقين، وهو ما استعرضته الفنانة إنجي محمود في معرضها «ذاكرة الظلال» ــ رغم استهلاك العنوان ــ والذي أقيم بغاليري آرت كورنر.
لحظة سكون
تسرد الفنانة أسماء سامي حكاية متصلة من حكايات الطفولة عبر لوحاتها المختلفة، من صور عائلية وألعاب طفولية، وقد تحضر كطفلة في الصورة/اللوحة التي تجمع أفراد الأسرة، إلا أن المفارقة تأتي من شخوص كبيرة في السن بجوار ألعاب الطفولة، وكأنه خط قائم أو حلم لا يزول بتقدّم العمر.. كاعتلاء حصان خشبي مثلاً، أو الجلوس بجوار سرير طفل صغير في حالة تأمل لجسد صاحبه، لن يستطيع تحمّله الآن! هذه المفارقات هي سمة اللوحات، والتي تحمل ملامح أصحابها أو تغييب هذه الملامح عمداً، حتى لا تحمل بصمات الزمن ــ حيلة طفولية للنجاة ــ رغم أجسادها التي تحمله، وهي حيلة نفسية بالأساس يتم تجسيدها في براءة خلال اللوحات. ومن ناحية أخرى نجد المقابلة الدائمة بين حالات الوحدة والتجمعات العائلية، وكأن اللقطة الجماعية تبدو كحالة من الحلم الذي يتم استعادته وفق الخيال، أما الواقع فهو تجسيد الشخصيات منفردة، لتصبح الزهور أو الحيوانات الأليفة هي ما تبقى من هذا العالم الذي انتهى، والذي تصر الفنانة على استحضاره وتخليده في اللوحة، أو بمعنى أدق في ذاكرتها، حتى لا تهرب هذه التفاصيل. حالة أخرى تنقلها اللوحات إلى المتلقي وهي محاولة تمثيل نفسه من خلالها، وإحلال شخوصه محل هؤلاء، فلا غرابة في ملامحهم وتكويناتهم عمن يمكنه تعرّفهم من عائلته. ولا يخفى الطابع المأسوي للوحات رغم الصخب اللوني ومحاولة استعادة إيقاع تلك الحياة التي انتهت أو غابت تحت وطأة ثقل الحاضر وسخفه، وهنا تكمن مأساته.
كائن حي
من خلال نموذج الشجرة وحياتها تنسج الفنانة مونيل جنحو الكثير من التفاصيل والعلاقات الإنسانية، وتتمثل تكوين الشجرة وتحويل جسدها إلى أجساد إنسانية تتحاور وبعضها في علاقات مختلفة، كالمرأة التي تطالع ملامحها، وتتغنى بجمالها أمام المرأة، وعلاقات الحب المختلفة، وصولاً إلى الأمومة، التي تعد أسمى هذه العلاقات. وإن كان التكوين يقترب كثيراً من الأسلوب التكعيبي، إلا أن الحالات التي عالجتها اللوحات جاءت متناغمة مع اختيار هذا الأسلوب، بدون إقحام أو تغليب أحدهما على الآخر، ومن دون نسيان اللونين المسيطرين على اللوحات، وهما الأخضر والبني.. لون الشجر. وتنطلق الفنانة من فكرة أنسنة هذا الكائن الحي ــ الشجرة ــ الذي يبدو قوياً كمأمن، وظلاله الوارفة تؤكد حالة بدائية من إحساس لم تخدشه الحياة بعد كالحب والوحدة والتآخي والصداقة، شعور بدائي يتفق وهذا المخلوق الذي يبدو قوياً ولكن هشاً أمام أي شكل من أشكال الإساءة. ومن هنا يمكن اكتشاف كيف تتمثل المرأة/الفنانة نفسها وحالة الشجرة التي تتخذها أساساً للوحاتها، وفي شكل مغاير وغير مألوف لتمثيل هذه العلاقة، فقط استلهام الحالة ومدى التأثر بما يحيطها، حتى لو بدت قوية تطالع السماء، ولكنها في أعماقها رقيقة وتخشى مجرد فكرة الإساءة. وتصرّح الفنانة بذلك في العبارات التعريفية بالمعرض، فتذكر.. «في جزر القمر يؤمن الناس أن الشجرة يمكن أن تُقتل من دون فأس، بل بالكلمات فقط. فمن أراد إنهاء حياتها، يهمس بلعنات إلى جذورها… لكن بعض الأشجار لا تستسلم، فهي تعرف سر لبقاء في عمق الأرض».
عالم يغيب
وبعيداً عن معالجة موضوعات ذاتية تأتي لوحات الفنانة إنجي محمود، والتي تصوّر بدورها لقطات لعالم سيغيب، شخوص وعادات وتقاليد وأسلوب حياة ينزوي تحت وطأة اللحظة الحاضرة، والزمن الذي يعد العدو الأول. ورغم الطابع المدرسي أو الأكاديمي الذي يسيطر على معظم اللوحات، كتدريب على رسم الطبيعة بنوعيها ــ الحية والصامتة ــ إلا أن التفاعل مع هذا العالم ومحاولة تجسيده حتى لا يفر وينتهي بدوره من الذاكرة، أو من وجوده الفعلي ــ كمنازل وشوارع وأحياء وآثار مصر الإسلامية ــ يعطي لهذه اللوحات ثقلها وجمالياتها، والتي تؤكدها أكثر الطريقة التعبيرية وبعض التأثيرية التي انتهجتها الفنانة كأسلوب يتم من خلاله إنتاج هذه اللقطات.
من ناحية أخرى يبدو المكان هو المتصدر لموضوع اللوحة، وتأتي الشخوص لتدور في فلكه، بمعنى أن هذه الشخصيات نتاج هذا المكان وصنيعه، من امرأة تقف في شرفة منزلها في الحي الشعبي، ولنا أن نتخيل ملابسها وطبيعة حياتها، حيث البيوت المتلاصقة، وحواراتها التي لا تنتهي مع جارتها. فقط نتخيل، لأن الفنانة يبدو أنها تجيد رسم الأماكن، كشكل من أشكال الحِرفة، لكن أهل المكان يبدو أنها لا تعرفهم بالقدر الكافي، لنجد لقطات عامة للمكان، فقط تفاصيل المكان، بدون ناسه، وإن وجدت حالة من حالات التشخيص، فيأتي الأمر على استحياء بعض الشيء، وهو أمر جيد حتى لا تقع في حالة من الادعاء المعهود لا لزوم لها.