كيف سيذكر التاريخ الاقتصادي للعالم عام 2025 ؟

ishraq

الاشراق

الاشراق | متابعة.

يمثل صعود الذكاء الاصطناعي، وهبوط الدولار، وجنون الذهب، وتراجع النفط وصفقة القرن السعودية – الأمريكية أهم العناوين التي ستبقى في كتب التاريخ الاقتصادي للعالم عن عام 2025، وإلى جوارها عناوين أخرى في مجال الاقتصاد السياسي مثل تقلبات السياسات الاقتصادية، واستمرار صعود نجم الصين، والتحولات في ملامح النظام الاقتصادي العالمي التي تؤكد انتهاء القطبية الواحدية المتمثلة في الهيمنة الأمريكية. وعلى الصعيد العربي تبدو الصورة الاقتصادية إيجابية على الرغم من الضغوط الجيوسياسية وتراجع أسعار النفط وارتفاع مديونية الدول العربية بما فيها الدول الخليجية الغنية. وعلى مدار العام الذي نودعه استطاعت دول العسر العربية استئناف النمو بمعدلات معقولة، واتسع نطاق تدفقات رؤوس الأموال على الصعيد الإقليمي، وقدمت السعودية هدايا اقتصادية كثيرة إلى النظام الجديد في سوريا، وفتحت مصر ذراعيها للاستثمارات الخليجية في إطار سياسة جديدة تتجه إلى تفضيل الاستثمارات المباشرة على تلقي الودائع والقروض والمساعدات المالية، ما أسفر عن حركة رؤوس أموال قوية من السعودية والإمارات وقطر. وفي سياق التطورات الاقتصادية الإقليمية خلال العام تثور أسئلة كثيرة تتعلق بالقدرة على دفع معدلات النمو إلى مستويات أعلى في ظل تحديات تطل برؤوسها منها اتجاه أسعار النفط وهل تستمر في الهبوط، والمديونية وهل تخرج عن نطاق السيطرة، والبطالة وهل تستمر في الارتفاع؟ كذلك يبقى التساؤل حول إعادة البناء في غزة معلقا حتى يكون مصير خطة السلام واضحا. كما يبقى السؤال بشأن الاستقرار الإقليمي مقلقا، خصوصا في منطقة حوض البحر الأحمر الذي يشهد في الوقت الحاضر بودار صراع يمكن أن يسهم في خلق حالة من عدم اليقين بشأن حالة الملاحة التجارية في البحر الأحمر في الوقت الذي تحاول فيه إثيوبيا أن تلقى بنفسها الى صراعات ذلك البحر والسعي للحصول على منفذ بحري آمن في المدخل الجنوبي.

الذكاء الاصطناعي يقرر

منذ الحرب الباردة في القرن العشرين وحتى التنافس الأمريكي الصيني الحالي، شكّلت التكنولوجيا سمةً بارزةً في تنافس القوى العظمى. وأثبت هذا الأمر صحته من خلال السبق الذي حققته الولايات المتحدة في الماضي، ولكن مع سعي إدارة دونالد ترامب الواضح لتدمير منظومة الابتكار الأمريكية المرموقة، يبقى من غير الواضح من سينتصر هذه المرة. في الواقع، كما كتب كارل بينيديكت فراي، الأستاذ المساعد في «الذكاء الاصطناعي والعمل» في معهد أكسفورد للإنترنت، أن سياسات ترامب تبدو وكأنها مصممة لتقويض ركائز الابتكار الأمريكي. وتشمل هذه الركائز مؤسسات البحث الأمريكية «المستقلة فكريًا»، وجاذبيتها للمواهب العالمية، و«التزامها بالمنافسة القوية»، ونموذج التمويل القائم على رأس المال الاستثماري، و«حياد الدولة». ويشير إلى أن «العزاء الوحيد» هو أن «المنافس الرئيسي لأمريكا، الصين، يواجه أيضًا تحديات داخلية كبيرة». كما يشير عدد من الخبراء المتخصصين في السياسات التكنولوجية والصناعية الصينية مثل تشيوان شو، من الأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية ووانغ يا تشيانغ من جامعة سنغافورة الوطنية، إلى أن «طريق الصين نحو الهيمنة التكنولوجية» لن يكون سهلاً، مشيرين إلى أن على صانعي السياسات الصينيين «إيجاد توازن دقيق بين تشجيع الابتكار وفرض ضوابط صارمة على البيانات». ومع ذلك، يشير التاريخ إلى أن قدرات الصين في مجال الذكاء الاصطناعي من المرجح أن تلحق بنظيرتها الأمريكية، بل وتتجاوزها – وهو اتجاه ستزيد سياسات ترامب من تسارعه. وعلى التوازي تسعى أوروبا أيضاً إلى تطوير قطاعها الرقمي، لكن استراتيجيتها لتحقيق ذلك، التي تركز على إلغاء القيود وزيادة الاستثمار، ليست كافية بشكلٍ كبير. وإذا أرادت «سد الفجوة الرقمية» مع الصين والولايات المتحدة، فعليها ضمان أن يكون الاستثمار ذو الصلة «موجهًا نحو النتائج» أي ليس في إطار عام وإنما في إطار أهداف محددة لتحقيق السبق، مع اتخاذ خطوات لمنع «عمالقة التكنولوجيا الأجانب من جني الثمار»، وذلك طبقا لماريانا مازوكوتو من كلية لندن الجامعية. ويعتقد كثير من الأكاديميين أن الابتكار ليس مجرد أداة للمنافسة الجيوسياسية، وذلك طبقا لما استنتجته أبحاث سيرجي غورييف، عميد وأستاذ الاقتصاد في كلية لندن للأعمال، الذي أكد أن «الرؤى والابتكارات الجديدة المتعلقة بالذكاء الاصطناعي، وتغير المناخ، والصحة، وعدم المساواة، والجيوسياسة، تفيد البشرية جمعاء».

تداعيات هبوط الدولار

في ظل استمرار حالة عدم اليقين الاقتصادي والجيوسياسي والسياسي، من المتوقع استمرار تدفق الاستثمارات إلى الذهب على حساب الدولار. كذلك فإن دور الدولار الأمريكي في النظام النقدي الدولي أصبح مُعرّضٌا للخطر مع اتساع نطاق اتفاقيات المقايضة أو التسويات بالعملات المحلية لبلدين أو أكثر. على سبيل المثال فقط فإن البنك المركزي الإندونيسي أفاد في الشهر الماضي أن التسويات التجارية بالعملات المحلية في إندونيسيا بلغت ما يقارب 7 مليارات دولار، وذلك في خضم جهود عالمية للابتعاد عن الدولار الأمريكي. وقد أنشأ بنك إندونيسيا ونظيره الصيني، بنك الشعب الصيني، إطار عمل لتسوية معاملات العملات المحلية في عام 2021، ما مهد الطريق لتسوية معاملات الحساب الجاري والاستثمارات المباشرة إما بالروبية أو اليوان. وبعد إطلاق إطار عمل معاملات العملات المحلية منذ شهرين، وسّع البنكان المركزيان نطاق هذا الإطار ليشمل جميع بنود ميزان المدفوعات. وجاء ذلك عقب توقيع مذكرة تفاهم خلال زيارة رئيس الوزراء الصيني لي تشيانغ إلى جاكرتا قبل منتصف العام. وقال محافظ بنك إندونيسيا المركزي: «نواصل توسيع نطاق معاملاتنا بالعملة المحلية، ليس فقط مع دول رابطة أمم جنوب شرق آسيا (آسيان)، بل أيضاً مع الصين واليابان. وقد بلغت قيمة المعاملات التي أجرتها إندونيسيا مع الصين وحدها باستخدام العملات المحلية ما يقارب 7 مليارات دولار أمريكي». وبلغت قيمة التسويات التجارية بالعملة المحلية مع اليابان حوالي 5 مليارات دولار.
ويميل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى سياسة «الدولار الضعيف» إعتقادا منه بأن تراجع مكانة الدولار عالميًا قد يُفيد الولايات المتحدة من حيث تعزيز النمو الاقتصادي وزيادة الصادرات.

جنون الذهب المستمر

في أول العام الحالي كان سعر الذهب حوالي 2627 دولارا للأوقية، وعلى مدار العام اخترقت الأسعار عدة حواجز تاريخية لتقفز عبر حاجز 3000 دولار، ثم تعبر حاجز 4000 دولار. وتشير تقديرات بعض بيوت تجارة الذهب والمعادن إلى أنها قد تصل الى ما يتراوح بين 4500 إلى 5000 دولار للأوقية بنهاية العام الحالي، مقابل توقعات أقل بكثير صدرت في أوائل العام مثل توقع بنك جيه بي مورغان أن يبلغ متوسط سعر الذهب حوالي 3675 دولاراً للأونصة في أواخر عام 2025، وأنه قد يتجاوز 4000 دولار بحلول منتصف عام 2026.
وتوقع بنك غولدمان ساكس أن يصل سعر الذهب إلى حوالي 3700 دولار للأونصة في السيناريو الأساسي، مع احتمالية حدوث ارتفاعات أكبر في أوقات المخاطر الشديدة. أما نموذج CoinCodex الخوارزمي فإنه يتوقع أن سعر الذهب قد يصل إلى حوالي 4600 دولار للأونصة بحلول نهاية عام 2025. وتتمثل العوامل الرئيسية المؤثرة على أسعار الذهب في السياسة النقدية، حيث أن التخفيضات المحتملة لأسعار الفائدة من قبل مجلس الاحتياطي الفيدرالي تدعم زيادة الطلب على الذهب كملاذ آمن. كما أن عدم اليقين الجيوسياسي يعزز جاذبية الذهب. الأهم من ذلك أن التطورات الجيوسياسية في العالم أصبحت تدعم توجه البنوك المركزية في العالم لزيادة الاحتياطي من الذهب على حساب الدولار. وفي السياق نفسه فإن تتبع تفضيلات المستثمرين يشير إلى ارتفاع مخصصات الذهب في المحافظ الاستثمارية الأمريكية.
وتساعدنا قراءة تقرير مجلس الذهب العالمي عن النصف الأول من العام الحالي على فهم أداء محركات سوق الذهب، ومحاولة استخلاص بعض الاستنتاجات لتطبيقها على المعاملات خلال الربع الأخير من العام، أي الفترة حتى نهاية العام. ويوضح التقرير أنه خلال النصف الأول من العام الحالي ارتفع سعر الذهب، محققا أرقاما قياسية، قفزت به إلى أعلى بنسبة 26 في المئة مقومًا بالدولار الأمريكي. ويقدر المجلس أن قيمة حيازات الذهب المادية لدى المستثمرين والبنوك المركزية تبلغ حوالي 5.1 تريليون دولار، بينما بلغ متوسط أحجام تداول الذهب رقمًا قياسيًا بلغ 329 مليار دولار يوميًا خلال النصف الأول من عام 2025. وبهذا المعنى، فإن سوق الذهب أصبح أكثر سيولة من العديد من الأسواق المالية الرئيسية، بما في ذلك مؤشر داو جونز الصناعي، في حين أن أحجام التداول أصبحت تعادل قيمة التداول لسندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات، وتتجاوز قيمة الأسهم الأمريكية الأكثر تداولًا. و يتمتع الذهب بسجل حافل موثوق به من حيث كونه أصلًا ماليًا قوي الأداء وطويل الأجل.
وخلال السنوات الخمسين الماضية، بلغت الزيادة في سعر الذهب (بالدولار الأمريكي) نسبة 8 في المئة سنويا، وهو أداء مماثل للأسهم وأعلى من السندات. أما خلال فترة عدم الاستقرار الاقتصادي الحالية، فإن الذهب عزز مكانته كملاذ آمن، وأداة تنويع ممتازة في المحافظ الاستثمارية المتعددة المكونات، حيث أجمع 49 في المئة من المستشارين الماليين على أن مكانة الذهب تمثل نقطة قوة مقارنة بوسائط الاستثمار الأخرى، خصوصا خلال فترات عدم الاستقرار الاقتصادي. وقد كشف البنك المركزي الأوروبي في حزيران/يونيو الماضي أن الذهب قد تجاوز اليورو ليصبح ثاني أكبر أصل احتياطي عالمي بعد الدولار الأمريكي.

تراجع النفط

الظاهرة الرئيسية التي تكشف عنها بيانات سوق النفط خلال العام 2025 هي أن السوق كانت «سوق مشترين» حيث كان اتجاه الطلب هو الذي يقرر المستوى العام للأسعار. في هذا السياق ذكرت تقارير وكالة الطاقة الدولية أن انخفاض معدل نمو الطلب إلى مستويات متدنية تاريخيا، مقابل زيادة العرض بمعدل يفوق معدل نمو الطلب أدى إلى انخفاض الأسعار بنسبة هبطت إلى 25 في المئة. وقدرت الوكالة كمية العرض الإجمالي بحوالي 106.1 مليون برميل يوميا، بينما جاء معدل نمو الطلب متواضعًا مقارنةً بالمعايير التاريخية، حيث تتراوح بين 103.8 إلى 104 مليون برميل يوميا، ما يعني وجود فائض كبير مما يزيد من خطر انخفاض الأسعار. وتتوقف ظروف استقرار السوق على اختيار واحد بين زيادة المستوى العام للطلب أو تخفيض المستوى العام للعرض في أسواق النفط.
على مستوى الطلب، خصوصا في الدول المستوردة للنفط، من المتوقع أن يتركز النمو خارج الاقتصادات الصناعية المتقدمة خصوصا في الدول المتقدمة الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية «OECD» ومن المتوقع أن يرتفع معدل نمو الطلب على وقود الطائرات مع انتعاش حركة النقل الجوي عالميًا.
على المستوى العربي يؤدي فائض سوق النفط العالمي وضعف الطلب إلى تقليص هامش المناورة المتاح للعديد من اقتصادات الشرق الأوسط النفطية فيما يتعلق بالإنفاق المالي وخطط النمو والاستثمار الاجتماعي. وتُعزز الدورة الاقتصادية الحالية أهمية التنويع الاقتصادي وتقليل الاعتماد على النفط، وهو تحول هيكلي وليس حلاً قصير الأجل. ومن المرجح أن تكون الدول التي تنجح في الاستفادة من عائدات النفط في الاستثمارات غير النفطية مثل البنية التحتية والصناعة والخدمات، أكثر مرونة في حال استمرار ضعف النفط. وفي الوقت نفسه، فإن استمرار تقلبات الأسعار وعدم اليقين في أسواق النفط يزيد من صعوبات التخطيط طويل الأجل، حيث أن صدمات أسعار النفط تؤثر بشكل كبير على الإيرادات الحكومية والناتج المحلي الإجمالي، حتى في ظل وجود قطاعات غير نفطية. وفي هذا السياق يظل مفهوم «سعر التعادل المالي» مهمًا: فإذا انخفضت أسعار النفط العالمية عن السعر الذي يحقق التعادل المالي، فقد تواجه الدولة المصدرة للنفط صعوبة في تحقيق التوازن في ميزانيتها، وهو ما تخشاه العديد من دول الخليج في ظل بيئة أسعار نفطية ضعيفة. وحتى بالنسبة للاقتصادات المتنوعة نسبيا، فإن استمرار انخفاض أسعار النفط على مدى عدة سنوات يُضخّم المخاطر، إذ يُقلّل حجم الاحتياطي النقدي ويُشكّل ضغطًا على خطط الاستثمار طويل الأجل أو الإنفاق الاجتماعي.

تقلبات أسواق الأسهم

تبين دراسة العوامل الرئيسية الدافعة للأداء الاقتصادي والمخاطر التي تُعيق النمو، والسياق الاقتصادي الأوسع مدى تأثير متغيرات مثل الريادة التكنولوجية والذكاء الاصطناعي على النمو الاقتصادي بشكل عام بما في ذلك الأداء في أسواق الأسهم. وخلال العام الحالي كان الذكاء الاصطناعي والابتكار التكنولوجي هو المحرك الرئيسي لارتفاع أسواق الأسهم خصوصا في الولايات المتحدة والأسواق المتقدمة. وقد ساهمت الشركات الكبرى العاملة في مجال الذكاء الاصطناعي مثل إنفيديا بحصة كبيرة من أداء المؤشرات. غالبًا ما تقود شركات التكنولوجيا، وخاصة تلك المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، ارتفاعات السوق نظرًا لوزنها الكبير في المؤشرات الرئيسية وآفاق أرباحها القوية.
المتغير الثاني الذي حكم حركة الاقتصاد العالمي وأداء أسواق الأسهم كان أسعار الفائدة وتحولات السياسة النقدية، خصوصا في الولايات المتحدة. ولعبت إجراءات البنوك المركزية، وخاصة توقعات أسعار الفائدة الصادرة عن مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، دورًا بالغ الأهمية؛ فقد أدت البيانات الاقتصادية الضعيفة إلى زيادة التوقعات بخفض أسعار الفائدة، مما يُسهم عادةً في رفع أسعار الأسهم من خلال خفض معدلات الخصم على الأرباح المستقبلية. كما تؤثر توقعات أسعار الفائدة على شهية المستثمرين للمخاطرة وتقلبات السوق. في العادة يكون أداء الأسهم جيدًا عندما يتوقع المستثمرون انخفاض أسعار الفائدة، حيث تنخفض تكاليف الاقتراض وتتحسن آفاق الأرباح. وفي هذا السياق فإن الأرباح القوية في قطاع شركات التكنولوجيا في رفع الأسعار مدعومة بقرارات مجلس الاحتياطي الفيدرالي بتخفيض أسعار الفائدة. كذلك فإن بعض القطاعات، مثل النقل والمصارف، حققت مكاسب قوية مرتبطة بنشاط اقتصادي أوسع.
هذا الاتجاه العام لتأثير العوامل الحاكمة للأداء الاقتصادي على المستويين الكلي والجزئي ترك بصمته أيضا على معدلات النمو والأداء الاقتصادي في دول مجلس التعاون الخليجي ومنطقة الشرق الأوسط عمومًا في عام 2025، بما في ذلك الاتجاهات الرئيسية والمخاطر وديناميكيات السوق الخاصة بكل دولة. وكانت الحساسية للسياسة النقدية الأمريكية على رأس العوامل المؤثرة نظرا لارتباط عملات الدول الخليجية الغنية بالدولار. ونتيجة لذلك فقد أسهمت التخفيضات الأخيرة في أسعار الفائدة من قبل الاحتياطي الفيدرالي في تحقيق مكاسب طفيفة في أسواق الأسهم في السعودية والإمارات وقطر، إلا أن الأسواق اتسمت بالهدوء نظرًا لعدم اليقين بشأن التخفيضات المستقبلية. وهذا بدوره يحد من التقلبات والإقبال على المخاطرة.
المتغير الثالث المؤثر على الأداء الاقتصادي على المستويين الكلي (الدولة) والجزئي (الشركة أو المشروع) في العام كان أسعار النفط، حيث إنها لا تزال محورية ولكن أقل هيمنة عن تأثير الذكاء الاصطناعي والدولار. وقد أثر انخفاض أسعار النفط مؤخراً على ثقة المستثمرين، ما أدى إلى تراجع أسهم شركات الطاقة والمؤشرات العامة، وخاصة في المملكة العربية السعودية. كما يؤثر انخفاض أسعار النفط على الميزانيات الحكومية والتوازنات المالية، والتي بدورها تُشكل التوقعات بشأن الإنفاق ومشاريع البنية التحتية في إطار رؤى طويلة الأجل كرؤية 2030 السعودية.
وخلال العام 2025 حافظت أسواق دول مجلس التعاون الخليجي على زخم قوي للاكتتابات العامة الأولية لأسهم الشركات، مع إدراجات كبيرة متعددة في المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وسلطنة عُمان، ما ساهم في تعزيز الأسواق وجذب رؤوس الأموال المحلية والعالمية. وتلعب التغييرات في السياسات الإقليمية دورا مهما في تشكيل توقعات المستثمرين وإعادة توجيه مشروعات.
ويزيد من زخم الأداء في الأسواق توسيع نطاق الإصلاحات الجاري إدخالها. مثلا فإن المملكة العربية السعودية تعمل على توسيع نطاق إصلاحات السوق، بما في ذلك تخفيف قيود الملكية الأجنبية وتعزيز السيولة في سوق تداول. وتدعم الإصلاحات المرتبطة بالتنويع الاقتصادي وتطوير سوق رأس المال (مثل التكنولوجيا المالية الجديدة، وصناديق المؤشرات المتداولة، والمشتقات، ونمو منظومة الصناديق) إمكانات نمو الأسهم في المستقبل. وتستقطب المراكز المالية في دبي وأبو ظبي أنشطة إدارة الأصول وصناديق التحوّط، مما يُحسّن معنويات السوق المحلية والتدفقات عبر الحدود.

تفاقم مديونية الدول العربية

لجأت العديد من الدول إلى الاقتراض لتغطية العجز المالي، ودعم الميزانيات، أو لمواجهة الصدمات الخارجية؛ مثل تقلبات أسعار السلع الأساسية خصوصا القمح والزيوت النباتية والسلع الغذائية والمواد الوسيطة والخدمات التكنولوجية. وحذر صندوق النقد الدولي والهيئات الإقليمية من ارتفاع تكاليف خدمة الدين، مما يضغط على الميزانيات الحكومية ويحد من الإنفاق التنموي. وتشير التقديرات الصادرة عن هيئات اقتصادية دولية مثل صندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية والبنك الدولي إلى تباين مستويات حجم الدين العام وارتفاع حجمه وزيادة تكلفة خدمته في كل الدول العربية. في دول الخليج ذات الدخل المرتفع يتراوح متوسط نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي بين 30 إلى 35 في المئة، أي في حدود ثلث الناتج السنوي تقريبا. أما في الدول ذات الدخل المنخفض/الهشة فإن حجم الدين العام غالبا ما يتجاوز 150 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، مع وجود بعض الحالات المتطرفة مثل السودان ولبنان، حيث يرتفع حجم الدين إلى ما يعادل 250 في المئة من حجم الناتج المحلي الإجمالي في السنة. وبالنسبة للدول العربية متوسطة الدخل فإنها تعاني من ديون عامة كبيرة تعكس الضغوط المالية المستمرة وبرامج الإصلاح المدعومة من جهات الإقراض الدولية. وتمثل مصر حالة نمطية في هذا السياق، حيث يتجاوز حجم الدين العام 90 في المئة من القيمة السنوية للناتج المحلي الإجمالي، مع زيادة مضطردة في نسبة الدين الخارجي من القيمة الكلية للدين العام. وتظهر إحصاءات النصف الأول من العام الحالي خطورة انخفاض أسعار الدولار على الدين العام المصري حيث زادت قيمة الدين مقوما بالدولار بنسبة 4 في المئة تقريبا بدلا من أن ينخفض بنسبة 1 في المئة كما كانت تستهدف الحكومة.

Copyright © 2017 Al Eshraq TV all rights reserved Created by AVESTA GROUP