28/11/2025
تقاریر 29 قراءة
من يريد حقّاً حماية لبنان؟

الاشراق
الاشراق | متابعة.
تشكّل المقاومة في لبنان أحد أكثر الموضوعات حساسية في النقاش السياسي والوطني، ليس فقط لأنها مرتبطة مباشرةً بالأمن القومي، بل لأنها باتت، بفعل التجارب التاريخية وتراكم الخبرات، جزءاً من بنية الوعي الجمعي لدى اللبنانيين تجاه الخطر الإسرائيلي المستمر.
ومع تحوّل المشهد الإقليمي بعد حرب الاثني عشر يوماً بين العدو وإيران، يجد اللبنانيون أنفسهم أمام أسئلة جديدة قديمة: هل لا يزال لبنان بحاجة إلى المقاومة؟ وهل تبدّل موقعها بعد التطورات التي كشفتها الحرب الأخيرة؟ وما هو الإطار الوطني السليم للتعامل مع هذا العنصر الجوهري من عناصر القوة في البلاد؟
شكّلت الحرب مع إيران، مفصلاً مهماً في فهم التحولات التي طرأت على ميزان القوى الإقليمي. فهي تُتّهم عادةً بأنها تعتمد على جبهة لبنان لتعزيز أمنها الإقليمي، لكن الحرب أظهرت أنها قادرة على الدفاع عن نفسها بقواها الذاتية. وتبينت لنا قدرة إيرانية متطورة على إدارة المواجهة المباشرة، خصوصاً في امتصاص الضربات واستعادة زمام المبادرة. لكن الأهم أنّها خرجت من الحرب، وهي أقوى، سواء لجهة تطوير شبكات الردع، أو تعزيز موقعها التفاوضي، أو بناء منظومة أمنية أكثر تعقيداً. هذا المعطى مهم للتخلص من الحجة القائلة إنّ المقاومة في لبنان مجرّد «ذراع» لإيران.
من هنا، يمكن القول إنّ موقع المقاومة في لبنان في منظومة الردع الإقليمية هو موقع «الفاعل» الذي يحظى باستقلالية القرار في ساحته، ويعيد تعريف دوره وفق الحاجات اللبنانية بالدرجة الأولى، وليس وفق أولويات خارجية تُفرض عليه. لكن المهم، النظر أولاً إلى عناصر القوة والضعف في لبنان، وإلى طبيعة التهديد الذي نواجهه.
لا خلاف على أن الجيش اللبناني يمتلك عقيدة وطنية صلبة وكفاءات بشرية عالية، لكنه لا يمتلك، بفعل الحصار المالي والسياسي، القدرات التسليحية التي تجعله قادراً على التصدي لجيش يُعدّ أحد الأقوى والأكثر تطوراً في العالم.
الجيش محروم من منظومات دفاع جوي فعّالة، ومن سلاح جوّ قادر، ومن ترسانة صاروخية، كما إنه لا يمتلك بنية دعم لوجستي تمكّنه من خوض معركة غير متماثلة كالتي يخوضها العدو.
وفي ظل غياب قرار دولي يسمح بتسليح الجيش بقدرات نوعية، يصبح تحميله وحده مسؤولية الدفاع عن لبنان أشبه بوضع عبء غير واقعي على مؤسسة أثبتت أنها أمينة، ولكنها مكبّلة.
الحرب مع إيران حسمت استقلالية المقاومة في لبنان، ومن يريد التخلي عنها، يعلن مسبقاً الاستسلام للعدو
لا يمكن للبنان أن يتوقع، وفق التجارب التاريخية، أي موقف أميركي متوازن في لحظة عدوان. الولايات المتحدة تُعلن صراحةً أن إسرائيل جزء من أمنها القومي، وأنها ملتزمة بحمايتها وتفوقها العسكري. وهذا الانحياز البنيوي يعني أن أي اعتداء إسرائيلي على لبنان سيحظى أولاً بغطاء سياسي أميركي، ثم بتبريرات جاهزة في الإعلام والمنتديات الدولية، على خلاف أي اعتداء يصدر من جهات أخرى في العالم.
ومع أنّ بعض الدول الأوروبية تبدي تعاطفاً نسبياً مع الموقف اللبناني، إلا أنّ هذا التعاطف لا يرقى إلى مستوى القدرة على ردع إسرائيل أو الوقوف في وجهها عند أي عدوان محتمل.
يُقال لنا دائماً: «اذهبوا إلى التفاوض». لكن التفاوض في السياسة ليس مجرد عملية لغوية، بل هو موازين قوة تُفرَض على الطاولة. وفي ظل موازين القوى الحالية، سيكون لبنان ذاهباً إمّا إلى إضاعة الوقت وإدارة الأزمة، وإمّا إلى قبول ما يُملى عليه. بينما تواصل إسرائيل فرض وقائع ميدانية تمس السيادة والحدود والموارد الطبيعية. المفاوضات، من دون عنصر قوة يوازن الكفّة، ليست إلا طريقاً سهلاً نحو الاستسلام البطيء.
من هنا يظهر أنّ السؤال الحقيقي ليس: هل ما زلنا نحتاج إلى المقاومة، وهل يجوز الاستغناء عن عنصر القوة الوحيد الذي أثبت فعاليته؟
تقدم المقاومة نفسها في لبنان بوصفها عنصر قوة لا غنى عنه، وهي لم تكتفِ بإعلان ذلك نظرياً، بل أثبتته ميدانياً خلال العقود الماضية.
لقد حررت الأرض، وردعت العدوان. وهي، خلافاً لما يُشاع، لم تنتظر قراراً خارجياً للتحرك. بل إنها في أحيان كثيرة ضحّت بفرص الراحة والأمان لحماية ما تعتبره «كرامة وطنية». وخسائرها البشرية الكبيرة ليست نتيجة مغامرة، بل نتيجة التزام أخلاقي وسيادي، كان من الممكن الاستغناء عنه لو كان خيار «السلام بأي ثمن» هو الهدف، لكنه ليس كذلك.
ولعل الدليل الأكبر على أن المقاومة لا تزال عنصر قوة هو إصرار أميركا والغرب وإسرائيل على تجريدها من سلاحها. لو كانت المقاومة قد فقدت فعلياً قوتها، أو أن «حرب الستين يوماً» أنهت دورها، لما كانت هناك حاجة إلى كل هذا الضغط والتهويل والعقوبات والتهديدات من أجل نزع سلاحها. إنّ إصرار خصومها على إضعافها هو بحدّ ذاته اعتراف بفاعليتها المستمرة.
الموقف الوطني لا يُقاس بالاصطفافات الإقليمية، بل التزام ما يحمي البلد، ويحفظ حقوقه وكرامته. ولذلك، يجب فهم أن المسّ بالمقاومة تحت أي عنوان، يُعدّ مسّاً بأمن لبنان نفسه. فالمقاومة ليست مشروعاً منفصلاً عن المجتمع، بل هي جزء من نسيجه، خرجت من بيئة شعبية تؤمن بأن الدفاع عن الأرض واجب مقدس.
ليس المطلوب من اللبنانيين أن يتفقوا في السياسة أو أن ينظروا إلى المقاومة بمنظار واحد. لكن، لا يجوز استخدام النقاش الداخلي وسيلة لإضعاف عناصر القوة في وجه عدو يتربص بالوطن. من يريد مصلحة لبنان ليسأل: ما البديل الواقعي عن المقاومة اليوم، ومن سيحمي لبنان في لحظة عدوان، وما الذي يردع إسرائيل عن استخدام تفوقها العسكري لإملاء شروطها؟
المقاومة في لبنان ليست مسألة فئوية، ولا موضوعاً عابراً في سجال سياسي. هي جزء من منظومة الأمن الوطني، ومن الوعي الجمعي الذي تشكّل خلال عقود من المواجهات والاعتداءات. وحرب الاثني عشر يوماً أعادت التأكيد أنّ دورها ليس دفاعاً عن أحد خارج لبنان، بل هو حاجة لبنانية داخلية لا يمكن تجاهلها.
للكاتب كريم حداد.