استغلال يميني لحادث مانهاتن لتأليب الرأي العام ضد عمدة نيويورك

الإشراق | متابعة

شنت حسابات يمينية أمريكية وأخرى مؤيدة لسياسات الهجرة هجوماً رقمياً مصحوباً بخطاب تحريضي ضد عمدة نيويورك "زهران ممداني" بعد حادث أمني أمام مبنى فيدرالي بمنطقة "مانهاتن السفلى" بمدينة نيويورك أسفر عن إصابة 3 أشخاص. وتعمدت هذه الحسابات توجيه مسار الحدث بعيداً عن ماهية الهجوم وهوية الشخص المشتبه به، لتضع ممداني في صدارة ادعاءات سياسية دون تقديم أي أدلة مباشرة تثبت صلته بالمنفذ أو بالواقعة، وركز خطابها على سؤال محوري واحد: من الذي حرض على الهجوم؟


وفي التفاصيل، وقع الحادث في 20 تموز/يوليو الجاري أمام مبنى "فيدرال بلازا 26" (26 Federal Plaza) الفيدرالي، الذي يضم مكاتب تابعة لوكالة الهجرة والجمارك، المعروفة اختصاراً بـ"آيس" (ICE) ومحكمة الهجرة في نيويورك ومكتب التحقيقات الفيدرالي "إف بي آي" إلى جانب وكالات مركزية أخرى. وقال مكتب التحقيقات الفيدرالي إن المشتبه به "أندرو أراباكا" (43 عاماً) وهو جندي سابق في الجيش الأمريكي، وصل إلى محيط المبنى وهو يسحب عربة تحمل لافتة كتب عليها بالإنجليزية (ICE Off Our Streets) أي "أخرجوا وكالة الهجرة والجمارك من شوارعنا". وسكب المشتبه به سائلاً قابلاً للاشتعال قرب مدخل الموظفين ما أدى إلى اندلاع حريق أمام المبنى. كما أطلق عدة طلقات من بندقية كانت بحوزته باتجاه المبنى، قبل أن يتم توقيفه سريعاً بواسطة عناصر الحماية الفيدرالية ومتعاقد أمني، إذ عثرت السلطات بحوزته على أسلحة بيضاء، من بينها فأس ومطرقة وسكاكين ومنشورات مناهضة لوكالة الهجرة والجمارك.

واستهل حساب "إريك دوغرتي" (Eric Daugherty) اليميني النشط على "إكس" تقديم الحادث بأنه جاء نتيجة مباشرة لخطاب اليسار ضد وكالة الهجرة والجمارك. ونشر مقطعاً قال فيه إن مفوض شرطة نيويورك أقر بأن المشتبه به كان يحمل لافتة مناهضة لوكالة الهجرة والجمارك، مضيفاً: "اليساريون مثل ممداني حرضوا على هذا" مطالباً إياه بالاستقالة. وفي منشور آخر، ربط الحساب بين الحادث وتصريح سابق لممداني قال فيه إن وكالة الهجرة والجمارك "أرعبت الأمريكيين"، معتبراً أن هذا الخطاب يكشف مسؤوليته السياسية عن أجواء التحريض ضد عناصر الوكالة، وهاجم ممداني بعبارات عنصرية، واتهمه بأنه "غير مؤهل" لمنصب العمدة.

ومن الملاحظ انتشار صيغة نصية متطابقة تقريباً عبر منشورات متنوعة، صدر بعضها عن حسابات ذات تفاعل محدود أو بأسماء تحاكي حسابات شهيرة. وكررت هذه المنشورات نفس العبارات في سردية موحدة، زاعمة أن ممداني انكشف قبل يوم واحد من الهجوم الذي وصفه بـ"الإرهابي". واكتسبت الموجة زخماً إضافياً بعد تصريحات مسؤول ملف الحدود والهجرة في إدارة الرئيس الأمريكي "دونالد ترمب"، "توم هومان"، الذي هاجم ممداني وزعيم الأقلية الديمقراطية في الكونغرس، "حكيم جيفريز"، بعد إدانتهما للعنف. وأشار "هومان" في مداخلة إعلامية إلى أن إدانتهما جاءت "متأخرة جداً"، متهماً قيادات ديمقراطية بأنها قضت العام الماضي في مهاجمة وكالة الهجرة ووصف أفرادها بأنهم نازيون وعنصريون.

وتلقفت حسابات يمينية هذه التصريحات باعتبارها تأكيداً رسمياً على سردية التحريض، إذ أعاد حساب "إم إيه راثمان" (M.A. Rothman) ترديد تصريحات "هومان"، وأرفقها قائلاً: "السياسيون لا يمكنهم قضاء عام في وصف وكالة الهجرة والجمارك بالنازيين ثم التظاهر بالصدمة عندما يجلب شخص ما الألعاب النارية إلى مبنى فيدرالي". كما زعم حساب "ترينت ليسي" (Trent Leisy) أن ما وصفها بـ"اللغة التحريضية" ضد وكالة الهجرة والجمارك لها عواقب، وإنها تسهم مباشرة في العنف ضد العناصر الفيدرالية.

وهاجم حساب "غينا ميلان" (Gina Milan) عمدة نيويورك بالقول "إن ممداني هو السبب وراء محاولة شخص مختل عقلياً مناهض لوكالة الهجرة والجمارك تفجير المبنى الفيدرالي في مدينة نيويورك". أما حساب "غانثر إيغلمان" (Gunther Eagleman) فقدم الحادث باعتباره نتيجة لما "زرعه" ممداني، واصفاً المشتبه به بأنه متطرف مدفوع بـ"الكراهية لأمريكا"، متهماً التيارات اليسارية بإشعال الأجواء ضد عناصر إنفاذ القانون. وفي السياق ذاته، علق حساب "تريشا بوسنر" (Trisha Posner) على بيان ممداني الذي وصف فيه الحادث بأنه "مزعج للغاية"، متسائلة عما إذا كان سيقبل أي مسؤولية عن كلماته السابقة التي رفعت التوتر وشجعت العنف ضد وكالة الهجرة والجمارك.

ولم تتوقف الحملة عند اتهام ممداني بالتحريض، بل توسعت إلى سرديات أخرى مرتبطة بهويته وخلفيته السياسية. فقد استخدمت بعض الحسابات أوصافاً عنصرية أو معادية للمهاجرين، وكررت عبارات مثل "غير أمريكي" و"من العالم الثالث"، فضلاً عن وصفه بـ"الشيوعي" و"الاشتراكي الإسلامي". كما أضافت منشورات أخرى اتهاماً منفصلاً يتعلق بادعاء أن إدارة ممداني حاولت التواصل مع النظام الإيراني "متجاوزة وزارة الخارجية"، في محاولة لربط الهجوم على وكالة الهجرة والجمارك بملف أوسع حول إيران والولاء السياسي والأمن القومي الأمريكي. وهنا يتضح جلياً أن الحادث أدى وظيفة تتجاوز الواقعة الأمنية نفسها؛ إذ تحول إلى نقطة تجميع لاتهامات قديمة ومختلفة ضد ممداني: معاداة وكالة الهجرة والجمارك واليسار والهجرة والإسلام إيران ومعاداة الدولة الفيدرالية.

وأجريت تحليلات شاملة لعينة شملت قرابة 5000 سجل من المنشورات والتفاعلات المتداولة على منصة "إكس" في الفترة الممتدة بين 20 و22 تموز/يوليو الحالي. وكشف التحليل عن تنوع في آليات التفاعل المتبادل بين حسابات شبكة العلاقات المترابطة والوثيقة، تضمن حوالي 2000 عملية إشارة وتعليق وإعادة نشر. ويظهر التحليل كيف جرى توظيف حادثة مانهاتن كمنصة لإطلاق حملة سياسية اعتمدت على لغة تحريضية ضد "زهران ممداني". ومع ذلك، فإن هذه الحملة لا تقدم أي دليل مباشر يثبت صلة ممداني بالواقعة، بل اعتمدت بالأساس على إعادة تدوير تصريحات قديمة له وربطها بموقفه من وكالة الهجرة في سياق تأطير سياسي موجه. وفي قلب هذه الموجة، ظهرت ثلاث سرديات رئيسية، الأولى تعتبر نقد وكالة الهجرة والجمارك تحريضاً على العنف، والثانية تقدم ممداني كرمز لليسار الراديكالي والهجرة و"مدن الملاذ"، والثالثة تستخدم هويته وخلفيته السياسية للتشكيك في انتمائه لنيويورك وأهليته لمنصب عمدة المدينة.

وتتبعت خريطة التفاعل نمط الحملة وكلماتها المستخدمة لتكشف أن الموجة بدأت بعد دقائق من الحادث عبر حسابات يمينية شعبوية وداعمة لتيار حركة "ماغا" وهي اختصار لعبارة باللغة الإنجليزية ترجمتها "لنجعل أمريكا عظيمة مجدداً"، قبل أن تنتقل إلى حسابات أكبر وأكثر قدرة على تضخيم السردية. ففي الساعات الأولى، لم يكن الخطاب قد استقر بعد على صيغة واحدة، لكنه بدأ من فرضية متكررة: أن منفذ الهجوم مناهض لوكالة الهجرة، وبالتالي فإن المسؤولية السياسية تقع على ممداني وكل من هاجم الوكالة سابقاً. ومن بين المنشورات المبكرة، ربط حساب "أريكا" (Erikaaa) بين الحادث وتاريخ احتجاجي مزعوم للمشتبه به ضد الوكالة، قبل أن يكتب ساخراً: "إذن كان ممداني؟"، في إشارة إلى محاولة مبكرة لتحويل الاشتباه السياسي من الفاعل المباشر إلى عمدة نيويورك. وبعد ذلك بوقت قصير، نشر حساب "ديفايانت إلـز" (Defiant L’s) مقطعاً قديماً لممداني يقول فيه إن وكالة الهجرة "أرعبت الأمريكيين"، وهو المقطع الذي أصبح لاحقاً أحد أهم الأدلة الخطابية التي استخدمتها الحسابات اليمينية لاتهامه بالتحريض. كما ظهر حساب "جويل فيشر" (Joel Fischer) مبكراً في الرد على بيان ممداني الذي وصف الحادث بأنه "مزعج للغاية"، معتبراً أن العمدة لا يمكنه إدانة النتيجة "بعدما ساهم في خلق المناخ الذي أدى إليها"، واستخدم المنشور صيغة ستتكرر في الحملة تزعم أن "سياسات ممداني تمنع الفيدراليين وتؤجج الناشطين ثم التظاهر بالصدمة عندما تصل القنابل إلى المباني الفيدرالية".

لا تتبنى الإشراق بالضرورة الآراء والتوصيفات المذكورة.