معرض صالح النجار: مصائد سحرية لاقتناص أسرار المتداول

الاشراق | متابعة.

في تجربة الفنان صالح النجار، لا يعود الفن مجرد تمثيل بصري للعالم، بل يتحول إلى ممارسة تأملية تُعيد اكتشاف ما يتبقى من الأشياء بعد انقضائها. إن القهوة، في معرضه السابع «ذاكرة بلون القهوة» الذي افتُتح الخميس 23 أبريل/نيسان على قاعة «شواكة غاليري» في المنصور، ليست مادة لونية بقدر ما هي زمنٌ مُكثَّف، أثرٌ حيٌّ لما كان، وحاملٌ لذاكرةٍ تتشكل بين الحضور والغياب. ومن هنا، يضعنا النجار أمام مشروع جمالي ينطلق من الهامشي ليصوغ منه خطابا بصريا عميقا، يشتبك مع الوجود الإنساني في أكثر حالاته هشاشة وصدقا.

 النجار المولود في خانقين عام 1968، أقام العديد من المعارض المحلية وفي كوردستان وخارج العراق، استطاع عبرها أن يقدم تجربته التشكيلية المتجددة دائما، في تطورها الأسلوبي، وتنوع رؤاه، واستعانته برموز الثقافة الشعبية والأسطورية. لم تشهد تجربته السكون، بل هي في حركة ديناميكية متجددة، منطلقا يبحث عمّا وراء الأشكال من رموز، منقبّا عن حافز مثير يحمله على تشكيل هويته، فوجد في المتداول مفردات متناثرة خلق منها أعمالا بصرية مدهشة.

تقوم تجربة معرضه السابع على فكرة بسيطة في ظاهرها: بقايا فناجين قهوة. غير أن هذه البقايا، في معالجات النجار، تتجاوز كونها فضلات مادية، لتغدو علامات على زمنٍ مُعاش، وترسبات لخبرة داخلية تتقاطع فيها الذاكرة مع اللحظة. فالقهوة هنا ليست مشروبا، بل طقسٌ يومي، يتكرر ببطء، ويترك أثره على الجسد والوعي معا. وحين تنتقل هذه الآثار إلى سطح الورق، فإنها لا تفقد طاقتها، بل تعيد إنتاجها ضمن بنية تشكيلية واعية، تجعل من الأثر مادة للبوح البصري.


من الناحية التكوينية، يعتمد النجار على تنظيم بصري قائم على التكرار والإيقاع، حيث تتوزع الأشكال المقوّسة ـ المستعارة من حافة الفنجان ـ ضمن مسار أفقي يشبه الأفق، هذه الأقواس، بما تحمله من انحناء، لا تؤدي وظيفة شكلية فحسب، بل تتحول إلى استعارة لزمن دائري، زمنٍ لا يسير في خط مستقيم، بل يعود إلى نفسه عبر التكرار والتراكم. وهنا، تتجلى إحدى أهم سمات التجربة: تحويل البنية البسيطة إلى نظام دلالي مفتوح، يجعل من الشكل وسيطا للتفكير في الزمن، لا مجرد إطار بصري.

غير أن ما يمنح هذه الأعمال حيويتها هو التوتر القائم بين العفوية والتنظيم. فآثار القهوة، التي تتشكل بفعل الانسياب والتجفيف، تبدو عفوية وغير قابلة للضبط، إلا أن الفنان يتدخل ليعيد ترتيبها ضمن نسق تركيبي دقيق. بهذا، تتجاور الصدفة مع القصد، وتتشكل لغة بصرية تقوم على هذا التداخل الخلّاق بين ما هو متروك للمادة وما هو خاضع لإرادة الفنان، هذا التوتر لا يُضعف العمل، بل يمنحه طاقة داخلية، ويجعله مفتوحا على احتمالات متعددة للقراءة.

في مستوى آخر، تتكشف في هذه الأعمال نزعة تشخيصية خافتة، حيث تتشكل من آثار القهوة وجوهٌ وظلالٌ إنسانية، أقرب إلى أطياف عابرة منها إلى كائنات مكتملة. هذه الشخوص لا تُعرّف نفسها بوضوح، بل تظل معلقة بين الظهور والاختفاء، كأنها تنتمي إلى ذاكرة جمعية أكثر منها إلى واقع محدد. ومن هنا، يمكن قراءة هذه التكوينات بوصفها تمثيلات رمزية لحالة اغتراب إنساني، حيث يصبح الفرد مجرد أثرٍ داخل حشد، أو علامة قابلة للزوال في أي لحظة.

أما في الأعمال التي تميل إلى التجريد، فإن النجار يذهب أبعد في تفكيك الشكل، ليترك المجال لانسياب البقع اللونية وتداخلها. هنا، لا نكون أمام صورة محددة، بل أمام فضاء بصري مفتوح، يستدعي من المتلقي أن يشارك في إنتاج المعنى. إن هذه الأعمال لا تقدم نفسها كموضوع مكتمل، بل كعملية جارية، كحركة داخلية تتجسد على السطح. ومن خلال هذا الانفتاح، ينجح الفنان في تحويل المتلقي من مشاهد إلى شريك في التجربة. تقنيا، تكشف هذه التجربة عن وعي دقيق بخصائص المادة. فالقهوة، بما تتيحه من تدرجات لونية تتراوح بين الشفافية والكثافة، تمنح السطح ثراء بصريا خاصا، يختلف عن الوسائط التقليدية. كما أن آثار الامتصاص والتسرب تُنتج ملمسا حيا، يجعل من السطح مجالا ديناميكيا، لا مجرد خلفية. ويأتي اختيار الورق الأبيض ليؤكد هذا الحضور، إذ يعمل كفراغ بصري يحتضن الأثر، ويمنحه إمكانية الظهور والتألق.

تنتمي تجربة النجار مفاهيميا إلى تقاليد الفن المعاصر التي تعيد النظر في قيمة المادة ووظيفتها. فاختياره لبقايا الفناجين، لا يُقرأ فقط بوصفه توظيفا لمادة جاهزة، بل إعادة تعريف لما يمكن أن يكون مادة للفن. إن ما هو مهمل في الحياة اليومية يتحول هنا إلى مركز للمعنى، وإلى نقطة انطلاق لتأملات تتجاوز حدود الشكل. وبهذا، ينجح الفنان في تفكيك العلاقة التقليدية بين القيمة الجمالية والمادة، مؤكدا أن الجمال يمكن أن ينبثق من أبسط الأشياء وأكثرها ألفة. حضور الفنجان ـ بما يحمله من دلالات ثقافية واجتماعية ـ يُضفي على العمل بعدا آخر، حيث تتقاطع التجربة الفردية مع ذاكرة جمعية أوسع. فالقهوة، في السياق المحلي، ليست مجرد عادة، بل جزء من نسيج الحياة اليومية، ومن طقوس اللقاء والتأمل. وحين تدخل هذه العناصر إلى العمل الفني، فإنها تحمل معها هذا الثقل الرمزي، وتفتح المجال أمام قراءة تتجاوز حدود الفرد إلى الجماعة.

إن ما يحملنا على النظر إلى تجربة النجار، هو الباعث نفسه الذي يغرينا في تأمل تلك المحاولات التي نجحت في الجمع بين الحسّ الجمالي والطرح الفكري. كأنها مصائد سحرية أعدّت لاقتناص أسرار اليومي لتلامس الوجودي، مؤكدة أن الفن لا يحتاج إلى مواد استثنائية بقدر ما يحتاج إلى رؤية قادرة على اكتشاف الاستثنائي في الحياة. هكذا، تتحول رائحة القهوة إلى أفقٍ للمعنى، ويغدو الأثر العابر شهادة على حضورٍ لا يكتمل إلا بزواله.

بقلم جمال العتابي.