اقتصاد الحرب في إسرائيل.. إعادة تشكيل قسرية تحت وطأة الصراع!

الاشراق | خاص.

لم تعد الحرب في إسرائيل مجرد مواجهات على الجبهات العسكرية، بل تحولت إلى معركة استنزاف عميقة داخل بنية الاقتصاد نفسه؛ فمنذ أكتوبر 2023 وصولاً إلى عام 2026، دخل الكيان مرحلة "إعادة تشكيل قسرية" تجاوزت مفهوم الانكماش التقليدي لتصل إلى تغيير الهوية الاقتصادية بالكامل. ومع بلوغ تكلفة الحرب أكثر من 110 مليار دولار بنهاية 2025، وتصاعد وتيرة الإنفاق اليومي إلى 1.5 مليار شيكل خلال مواجهات ربيع 2026 مع إيران، يواجه الاقتصاد واقعاً لم يعد فيه النمو مشروطاً بالابتكار بقدر ما هو مشروط بمدى القدرة على تمويل القتال، وسط دين عام يقترب من حاجز 70.5% وعجز في المالية العامة يلتهم المدخرات والطبقة الوسطى على حد سواء.

وفي قلب هذه الأزمة، تحول "جيش المواطنين" من ركيزة أمنية إلى عبء هيكلي ثقيل، حيث أدى استدعاء مئات الآلاف من الاحتياطي—لا سيما من نخبة قطاع التكنولوجيا—إلى خلق فجوات حادة في سوق العمل، تزامنت مع شلل شبه كامل في قطاعي البناء والزراعة نتيجة غياب العمالة الفلسطينية وفشل البدائل الأجنبية. هذا الخلل لم يتوقف عند الأرقام، بل امتد ليشكل كلفة اجتماعية غير مرئية؛ من إغلاق الشركات الصغيرة في الجليل وصولاً إلى هجرة الشباب الصامتة بحثاً عن استقرار فقدوه بين مطرقة الضرائب المرتفعة وسندان الاستدعاءات العسكرية المستمرة، ما جعل قرارات الحياة الأساسية كالسكن والعمل رهانات مرتبطة بمسار الحرب لا بالجدوى الاقتصادية.

وعلى الرغم من الازدهار الظاهري لقطاع التكنولوجيا الذي يمثل نصف الصادرات، إلا أن هذا النجاح يحمل مفارقة تنذر بالخطر؛ حيث أعيد توجيه الابتكار نحو الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي العسكري والمسيرات، بدلاً من الأسواق المدنية المستدامة. هذا النمو المدفوع بـ "علاوة المخاطر" دفع المستثمرين لاشتراط نقل مقرات الشركات إلى الخارج، مما يهدد بتسرب الملكية الفكرية وتآكل القاعدة الضريبية مستقبلاً. يضاف إلى ذلك بيئة دولية معقدة فرضت رسومًا جمركية أمريكية وتوترات تجارية زادت من عزلة الاقتصاد الذي بات يعاني من ضغوط متعددة الطبقات في الداخل والخارج.

إن النجاح النسبي في استقرار الشيكل وكبح التضخم لا يحجب الحقيقة المرة؛ وهي أن إسرائيل لم تعد تملك اقتصاد نمو، بل "اقتصاد حرب" يتكيف ببراعة مع الصراع لكنه يفقد القدرة على العيش بدونه. فالانتقال إلى نموذج تهيمن عليه اعتبارات الأمن والدفاع والضرائب المرتفعة لم يعد احتمالاً بل واقعاً قائماً، يضع المجتمع الإسرائيلي أمام مفترق طرق تاريخي؛ حيث ينجح الاقتصاد في تمويل آلة الحرب، لكنه يفشل في تأمين الرفاه والنمو الطبيعي لمجتمع يعيد ترتيب حياته يومياً تحت وطأة الجبهات المفتوحة.