عقدان على التحول ..من الانكفاء الشمولي إلى فضاء التعددية!
الاشراق | خاص.
يمثل التاسع من نيسان محطة مفصلية في تاريخ العراق الحديث، متجاوزاً كونه مجرد انتقال للسلطة ليصبح فاتحة لعهد من التحولات البنيوية التي طالت الدولة والمجتمع. ورغم جسامة التحديات التي أعقبت هذا التاريخ، إلا أن البلاد انطلقت نحو نموذج يرتكز على التعددية والمشاركة الشعبية، مستعيدة مكانتها في المنظومة الدولية بعد عقود من الانكفاء القسري.
تفكيك إرث العزلة وبناء الدولة الدستورية
تؤكد القراءات السياسية أن مرحلة ما بعد عام 2003 أسست لواقع جديد يقوم على الفصل بين السلطات واعتماد الدستور مرجعاً وحيداً. وفي هذا السياق، يبرز الانتقال من "عقيدة أمنية قمعية" كانت تهدف لحماية السلطة، إلى مفهوم أمني يرتكز على حماية المواطن والدستور، وبناء مؤسسات مهنية تسعى لتجاوز إرث السياسات التصادمية مع المحيطين الإقليمي والدولي.
وقد نجح العراق في كسر طوق العزلة التي فرضت عليه جراء مغامرات النظام السابق، منتقلاً إلى سياسة خارجية متوازنة تقوم على تنويع الشراكات ولعب دور الوسيط في الأزمات الإقليمية، مما مكنه من استعادة الثقة الدولية والانخراط مجدداً في المنظمات الأممية.
المواطن محوراً للعملية السياسية والتنموية
شهدت الإدارة السياسية تغييراً في معادلة الحكم، حيث بات "المواطن المحور الأساس" في الاستقرار الاجتماعي والتنمية. هذا التحول الديمقراطي أتاح مشاركة أوسع في صنع القرار، وعزز دور الشباب في مؤسسات الدولة وسوق العمل، بالتزامن مع إنجاز أول إحصاء سكاني في ظل النظام التعددي، بما يخدم التوجهات الاستراتيجية لبناء الدولة الحديثة.
وعلى الصعيد الاقتصادي، انتقلت البلاد من الاقتصاد الموجه المتأثر بالحروب والعقوبات، إلى خطوات جادة نحو "اقتصاد السوق" وتحرير التجارة وجذب الاستثمارات العالمية، مع التركيز حالياً على تطوير البنية التحتية واستيعاب الطاقات الصاعدة لتقليل الاعتماد الكلي على الموارد النفطية.
تحديات "العدالة الانتقالية" وترسيخ الحريات
يرى خبراء القانون أن تجربة العراق تمثل نموذجاً للانتقال من الحكم الشمولي إلى "العدالة الانتقالية"، وهي مرحلة تتطلب الحفاظ على تماسك المؤسسات وتجنب الأزمات الجذرية. ورغم التحديات المرتبطة بضعف الوعي الديمقراطي في البدايات نتيجة سنوات التغييب، إلا أن العراق بدأ بالتعافي التدريجي عبر فرض سلطة القانون.
وقد أتاح هذا المناخ الجديد هامشاً غير مسبوق للحريات والتعبير، وبروز دور منظمات المجتمع المدني والنقابات، مما ساهم في ترسيخ ثقافة ترفض العودة إلى الأنماط الاستبدادية. وتؤكد القوى الوطنية أن استدامة هذا المسار تعتمد على تعزيز الهوية الوطنية والتعايش السلمي بين جميع المكونات، لتجاوز إرث الدكتاتورية والانطلاق نحو آفاق التنمية الشاملة تحت مظلة الاستقرار المؤسساتي.